عائشة بليه.. اتحاد المرأة يستعيد نبضه والرسالة تعود إلى الواجهة

عائشة بليه.. اتحاد المرأة يستعيد نبضه والرسالة تعود إلى الواجهة

بقلم: محيي الدين شجر

ليست كل القيادات التي تتولى المسؤولية قادرة على إحداث التحول، فهناك من يأتي إلى الموقع فيكتفي بإدارة الموجود، وهناك من يدخل إلى المكان فيبحث عن مكامن الخلل، ويعيد ترتيب الأولويات، ويستنهض الهمم، ويمنح المؤسسة روحاً جديدة.

ومن هذا الباب يمكن قراءة تجربة الأستاذة عائشة إبراهيم بليه في قيادة اتحاد المرأة بولاية البحر الأحمر، حيث استطاعت، خلال فترة وجيزة، أن تعيد للاتحاد حضوره ونشاطه بعد فترة طويلة من التوقف والتجميد، وأن تجعل النبض يسري في عروقه من جديد.

وبالفعل فقد نجحت في إعادة مؤسسة نسوية إلى دائرة الفعل الاجتماعي، وتحويلها من جسم غائب عن المشهد إلى جهة حاضرة في قضايا المجتمع وهموم الأسرة والمرأة والطفل.

والنجاح في مثل هذه المهمة يحتاج إلى علاقات واسعة، وحضور اجتماعي، وقدرة على التواصل، وهمّة لا تعرف التراجع، وإيمان بأن المؤسسات لا تحيا بالهياكل والأسماء وإنما بما تقدمه للناس.

وهذه بعض السمات التي يمكن ملاحظتها في تجربة عائشة بليه، التي تنتمي إلى أسرة لها حضور تاريخي في مجتمع البحر الأحمر، وترتبط باسم من الأسماء البارزة في تاريخ شرق السودان والحركة السياسية البجاوية، وهو عمها الدكتور طه عثمان محمد بليه.

طه بليه.. اسم في ذاكرة الشرق

عندما يأتي الحديث عن عائشة بليه، فإن استحضار اسم الدكتور طه عثمان محمد بليه ليس من باب الانتساب العائلي وحده، وإنما لأن الرجل ترك أثراً في التاريخ السياسي والاجتماعي لشرق السودان.

فالدكتور طه بليه كان طبيباً، وأحد أبرز الشخصيات التي ارتبطت بتأسيس مؤتمر البجا في خمسينيات القرن الماضي. وتذكر مصادر تاريخية أن مؤتمر البجا أعلن قيامه في أكتوبر 1958، بقيادة الدكتور طه عثمان محمد بليه، وأن التنظيم جاء معبراً عن مطالب تتصل بالحقوق السياسية والتنمية والتمثيل والعدالة لأهل شرق السودان.

والدكتور طه بليه من القيادات التاريخية لمؤتمر البجا، و طبيب متخصص، ومن أوائل الأطباء البجاويين.

واللافت في تجربة طه بليه أن العمل الطبي لم يكن منفصلاً عن اهتمامه بالشأن العام؛ فقد جمع بين مهنته الطبية والنشاط الفكري والسياسي، وانشغل بقضية الحكم والحقوق والتنمية والتمثيل السياسي لأهل الشرق.

وقد كانت قضية الشرق في تلك المرحلة بحاجة إلى أصوات تضعها أمام الدولة والمجتمع، وهو الدور الذي حاول مؤتمر البجا القيام به منذ نشأته، ليصبح لاحقاً أحد أبرز الأسماء المرتبطة بتاريخ المطالب السياسية لأهل شرق السودان.

وتشير مصادر تناولت سيرته إلى أنه عاش تجربة سياسية صعبة عقب انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958، ووُضع تحت الإقامة الجبرية في بورتسودان، قبل أن يتمكن من مغادرة البلاد لتلقي العلاج، بعد تدخل شخصي من الإمبراطور الإثيوبي هيلاسيلاسي، وفق الرواية المنشورة في مصادر مرتبطة بأسرته.

ثم توفي الدكتور طه عثمان محمد بليه في لندن في أغسطس 1960، ولم يكن قد تجاوز الأربعين عاماً، لتطوى صفحة حياة قصيرة في سنواتها، لكنها تركت أثراً كبيراً في تاريخ الشرق السوداني.

ومن المهم هنا ألا نقرأ تجربة طه بليه باعتبارها مجرد فصل من تاريخ مؤتمر البجا، وإنما باعتبارها جزءاً من تاريخ طويل من محاولة أهل الشرق التعبير عن قضاياهم داخل الدولة السودانية، والمطالبة بمزيد من المشاركة والتنمية والعدالة.

من طه بليه إلى عائشة بليه

التاريخ لا ينتقل دائماً عبر المناصب، لكنه ينتقل أحياناً عبر القيم.

وحين تنتمي عائشة بليه إلى أسرة ارتبط اسم أحد رموزها بتاريخ الشرق ومؤتمر البجا، فإن ذلك يمنح تجربتها خلفية اجتماعية وتاريخية مهمة، لكنه في الوقت ذاته لا يغني عن الحكم على تجربتها بما تقدمه على أرض الواقع.

والذي يحسب لعائشة اليوم أنها لم تتعامل مع اتحاد المرأة باعتباره اسماً أو مكتباً، وإنما حاولت إعادة الحياة إليه، وتحريك عضويته، وربطه بقضايا المجتمع.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مؤسسة نسوية: هل تستطيع أن تكون قريبة من الناس؟ هل تلامس قضايا الأسرة؟ هل تنزل إلى الشارع؟ هل تتعامل مع المشكلات الجديدة التي تهدد المجتمع؟

والإجابة بدأت تظهر من خلال الأنشطة التي ينظمها الاتحاد.

المخدرات.. معركة تبدأ من داخل الأسرة

ومن أبرز الملفات التي طرقها اتحاد المرأة مؤخراً تنظيم دورة للتوعية بمخاطر المخدرات، وهي خطوة في غاية الأهمية، ليس فقط لأنها تتناول واحدة من أخطر الظواهر التي تواجه المجتمعات، وإنما لأنها اختارت أن تدخل من الباب الأكثر تأثيراً: الأسرة.

فمكافحة المخدرات ليست مسؤولية الشرطة والأجهزة الأمنية وحدها، وليست مسؤولية المؤسسات الصحية فقط، وإنما تبدأ من البيت.

الأم والأب والأخ والأخت هم الأقرب إلى الشاب، وهم الأقدر على ملاحظة التغيرات التي قد تطرأ على سلوكه ومزاجه وعلاقاته ودراسته أو عمله.

ولهذا فإن رفع وعي الأسرة بمخاطر المخدرات، وبكيفية الوقاية منها، وبالطريقة الصحيحة للتعامل مع الاشتباه في وجود مشكلة، يمثل خط دفاع أول في مواجهة هذه الظاهرة.

والأهم أن التوعية لا ينبغي أن تقوم على التخويف وحده، وإنما على المعرفة.

فالأم تحتاج إلى أن تعرف كيف تتحدث مع ابنها، وكيف تستمع إليه، وكيف تلاحظ التغيرات السلوكية، ومتى تطلب مساعدة المختصين، وكيف تتعامل مع المشكلة دون وصم أو عنف أو طرد للابن من دائرة الأسرة.

وهنا تبرز أهمية الدورة التي نظمها اتحاد المرأة؛ لأنها تضع المرأة في قلب معركة مجتمعية حقيقية.

فالمرأة ليست مجرد متلقية للتوعية، بل يمكن أن تكون شريكاً أساسياً في الوقاية.

اتحاد المرأة.. من النشاط إلى الرسالة

ما تحتاجه مؤسسات المرأة اليوم هو الانتقال من النشاط التقليدي إلى العمل الذي يصنع أثراً.

نحتاج إلى اتحاد يتحدث عن المخدرات، وعن العنف الأسري، وعن تعليم البنات، وعن صحة الأم والطفل، وعن الفقر، وعن تمكين المرأة اقتصادياً، وعن حماية الأسرة، وعن التوعية القانونية والصحية.

نحتاج إلى مؤسسة تراقب احتياجات المجتمع وتتحرك قبل أن تتحول المشكلات إلى أزمات.

ومن هنا تأتي أهمية عودة اتحاد المرأة في البحر الأحمر إلى النشاط، لأن قيمة المؤسسة لا تقاس بعدد الاجتماعات، وإنما بعدد القضايا التي تلامس حياة الناس.

ويبدو أن عائشة بليه أدركت هذه المعادلة مبكراً.

فالمؤسسة التي كانت تعاني من التوقف والتجميد بدأت تستعيد حضورها، والاتحاد الذي كان بعيداً عن المشهد بدأ يطرق أبواباً مهمة، من بينها قضية المخدرات.

وهذه ليست نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة جديدة تحتاج إلى المزيد من العمل.

المطلوب.. الاستمرار والبناء

نجاح عائشة بليه في إعادة النشاط إلى اتحاد المرأة ينبغي أن يكون دافعاً للمضي أبعد.

فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى برامج مستمرة، وشراكات مع وزارة الصحة والشرطة والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني، إلى جانب الاستفادة من المتخصصين في علاج الإدمان والصحة النفسية والتربية.

كما تحتاج إلى أن تصل برامج التوعية إلى المدارس والأحياء ومراكز الشباب، وأن تتحول الدورات من فعاليات موسمية إلى برنامج مستمر.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مواجهة المخدرات هو أن ننتظر حتى تظهر المشكلة داخل البيت، بينما يمكن الوقاية منها قبل ذلك بسنوات من خلال الوعي.

ولذلك فإن اتحاد المرأة، إذا حافظ على هذا الاتجاه، يستطيع أن يصبح واحداً من أهم الأجسام المجتمعية التي تسهم في حماية الأسرة في البحر الأحمر.

وفي النهاية، فإن تجربة عائشة بليه تستحق أن تُقرأ من زاوية أوسع من كونها تجربة امرأة تولت رئاسة اتحاد.

إنها تجربة لإعادة مؤسسة إلى الحياة، وإعادة المرأة إلى موقعها الطبيعي في قلب قضايا المجتمع.

وربما يكون أجمل ما في المشهد أن اتحاد المرأة، بعد سنوات من السكون، بدأ يتحرك من جديد.

وفي ولاية البحر الأحمر، حيث تختلط جغرافيا الشرق بتاريخ طويل من النضال والعمل الاجتماعي والسياسي، تبدو عائشة بليه اليوم أمام فرصة كبيرة: أن تجعل من اتحاد المرأة مؤسسة حية، قريبة من الناس، ومدافعة عن الأسرة، وصوتاً للمرأة، وشريكاً حقيقياً في معالجة القضايا التي تهدد المجتمع.

فالمؤسسات لا تُقاس بعمرها، وإنما بما تفعله في حاضرها.

وعائشة بليه أمام اختبار مفتوح عنوانه: هل يستطيع اتحاد المرأة أن يتحول من جسم كان متوقفاً إلى قوة اجتماعية فاعلة؟

البدايات تقول إن النبض عاد إلى العروق.

ويبقى المطلوب أن يستمر هذا النبض.