ضفاف نصر الدين بخيت العقابي الثقافة السودانية… بين جوهر الهوية وأفق الدولة

ضفاف
نصر الدين بخيت العقابي

الثقافة السودانية… بين جوهر الهوية وأفق الدولة

ليست الثقافة زينة تُعلَّق على جدران المجتمعات، ولا أناشيد تُردد في مواسم الاحتفال، بل هي البنية العميقة التي يتشكل فيها وعي الأمة، ويتحدد من خلالها سلوكها، وتُصاغ بها رؤيتها للعالم. الثقافة – في تعريفها العلمي – هي ذلك النسق المركّب من المعارف والقيم والرموز واللغة والعادات والفنون وأنماط التفكير التي تتوارثها الجماعات البشرية، فتمنحها معنى، وتمنح وجودها استمرارية. إنها الإطار الذي يُفسّر به الإنسان واقعه، ويهتدي به في علاقاته، ويستبصر به طريقه في المستقبل.
أما الحضارة، فهي الوجه المادي والتنظيمي لذلك النسق؛ هي العمران، والمؤسسات، والأنظمة السياسية، والعلوم التطبيقية، والتقنيات، وكل ما يعكس مستوى التقدم الملموس في حياة الناس. الثقافة تُعنى بالمعنى والقيمة، والحضارة تُعنى بالبناء والإنجاز. الثقافة روح، والحضارة جسد؛ وإذا انفصل الجسد عن روحه فقد معناه، وإذا بقيت الروح بلا جسد عجزت عن التأثير في الواقع. ومن هنا فإن الفرق بينهما ليس تعارضًا، بل تكاملٌ عضويّ: الثقافة تؤسس للحضارة، والحضارة تحمي الثقافة وتُجسّدها.
في السياق السوداني، تتجلى هذه الثنائية بوضوح فريد. فالسودان ليس رقعة جغرافية فحسب، بل فسيفساء إنسانية غنية بالتنوع العرقي واللغوي والثقافي، تشكلت عبر قرون من التفاعل بين مكونات متعددة. هذا التنوع لم يكن عبئًا يومًا، بل ظل – حين يُدار بوعي – مصدر قوة وإثراء. من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، تتقاطع الحكايات، وتتداخل الإيقاعات، وتتجاور اللهجات، لتصوغ هوية سودانية جامعة تستوعب الاختلاف دون أن تذوبه، وتحترم الخصوصية دون أن تعزلها.
الثقافة في السودان ليست تراثًا محفوظًا في الذاكرة فحسب، بل قوة فاعلة في تشكيل السلوك الاجتماعي والسياسي. فهي التي رسخت قيم الكرم، والتكافل، والنجدة، واحترام الكبير، والتسامح الديني، وهي التي صنعت تقاليد المجالس المفتوحة وروح “اللمة” التي تجمع المختلفين تحت سقف واحد. هذه القيم لم تكن تفاصيل هامشية، بل كانت شبكة الأمان التي حفظت المجتمع في أزمنة الاضطراب، ومنعته من الانزلاق الكامل إلى التفكك.
ومن الناحية السياسية، تشكل الثقافة ركيزة أساسية في بناء الدولة الوطنية. فلا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا كان معزولًا عن وجدان الناس وقيمهم المتجذرة. الدولة الحديثة لا تقوم على النصوص القانونية وحدها، بل على قبول اجتماعي وثقافي يمنحها الشرعية والاستمرار. وفي السودان، حيث تتشابك الانتماءات القبلية والإقليمية مع الانتماء الوطني، تصبح الثقافة أداة توحيد لا غنى عنها، تعيد تعريف المواطنة بوصفها رابطة جامعة تتجاوز الحدود الضيقة.
لقد أثرت الثقافة السودانية في المجتمع بطرق عميقة؛ فقد أسهمت في إنتاج خطاب اجتماعي يميل إلى الاعتدال ويأنف الغلو ويقدّر الحكمة المتوارثة. كما لعبت دورًا مهمًا في تشكيل الوعي السياسي، حيث ظل المثقف السوداني حاضرًا في لحظات التحول الكبرى، مسهمًا في النقاش العام، ومؤثرًا في صياغة الرأي العام. الثقافة هنا لا تُختزل في نشاط نخبوي محدود، بل تمتد في الشارع، في الأغنية، في الشعر، في الحكاية الشعبية، وفي الأمثال التي تختزن فلسفة الحياة اليومية.
غير أن الحرب التي عصفت بالبلاد لم تكن مواجهة عسكرية فحسب، بل زلزالًا ثقافيًا أيضًا. الحروب تُهدد الذاكرة، وتُربك القيم، وتفتح المجال لخطابات الكراهية والانقسام. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الثقافة خط الدفاع الأول عن المجتمع؛ فهي التي تُعيد تذكير الناس بمشتركهم الإنساني، وتستنهض فيهم روح التضامن، وتُقاوم محاولات التشظي. بعد الحرب، لا يكفي أن تُعاد إعمار المباني؛ لا بد من إعادة إعمار الإنسان، ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر مشروع ثقافي وطني يُعيد الاعتبار للقيم الجامعة، ويُحصّن الأجيال الجديدة ضد خطاب العنف.
إن أهمية الثقافة بعد الحرب تتجاوز البعد الرمزي إلى البعد الاستراتيجي. فهي أداة للمصالحة الوطنية، وجسر للحوار بين المكونات المختلفة، ومنصة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس من العدالة والاحترام المتبادل. كما أنها تمثل رصيدًا مهمًا في علاقات السودان الخارجية، إذ يمكن للفن والأدب والتراث أن يُقدّموا صورة السودان الحقيقية للعالم: شعبٌ حيّ، مبدع، قادر على النهوض رغم الجراح.
ومن هنا يصبح دعم الدولة للمؤسسات الثقافية، ورعاية المنتديات والمبادرات الإبداعية، خيارًا وطنيًا لا يحتمل التأجيل. فالدولة القوية ليست تلك التي تملك السلاح فقط، بل التي تملك الرواية؛ الرواية التي تحكي من نحن، وماذا نريد، وكيف نرى أنفسنا في مرآة التاريخ. حين تتبنى الدولة مشروعًا ثقافيًا جامعًا، فإنها لا تدافع عن حاضرها فحسب، بل تؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا، وتمنح مجتمعها مناعة فكرية في وجه العواصف.
وفي خاتمة القول، فإن السودان ليس دولة نشأت على هامش التاريخ، ولا وطنًا يتكئ على ذاكرة قصيرة. هو امتداد حضاري ضارب في القِدم، تشهد له ضفاف النيل، وتحمله خرائط أفريقيا والعالم العربي في موقعٍ جغرافيٍ فريد، جعله نقطة تلاقٍ للثقافات ومساحة عبورٍ للأفكار ومجال تأثيرٍ إنساني عميق. السودان ليس حدودًا مرسومة، بل وجدانٌ حيّ يسكن قلوب شعوب كثيرة عرفته قيمةً وموقفًا وإنسانًا.
المعركة التي يخوضها وطننا اليوم ليست مواجهة عابرة، بل اختبار وجودي لإرادة الدولة وصلابة المجتمع ووعي الهوية. إنها لحظة فاصلة بين مشروع الفوضى ومشروع الدولة، بين التفكك ووحدة المصير، بين انطفاء المعنى وتجدد الرسالة. والتاريخ يخبرنا أن الشعوب التي تملك ثقافة راسخة وذاكرة جمعية متماسكة وإيمانًا عميقًا بعدالة قضيتها، لا تنكسر مهما اشتد عليها الطوق.
ومن هذا الإيمان، نجدد الثقة في أن السودان سينتصر، لأنه يقف على قاعدة صلبة من التضحيات، ويحتمي بإرادة شعب لم يتخلَّ عن دولته ولم يساوم على وحدته. تحية تقدير وإجلال لقواتنا المسلحة، ولجميع القوات النظامية، ولكل القوات المساندة التي تحملت عبء الدفاع عن الأرض وصون السيادة وحماية مؤسسات الدولة. وتحية أكبر للشعب السوداني العظيم، الذي تجاوز جراحه، ودخل خندقًا واحدًا دفاعًا عن وطنه، واضعًا مصلحة السودان فوق كل اعتبار.
إن الثقافة التي تحفظ الهوية، والحضارة التي تبني الدولة، تلتقيان اليوم في معركة واحدة عنوانها البقاء الكريم. وسيخرج السودان من هذه المحنة أكثر وعيًا بذاته، أكثر تماسكًا في نسيجه، وأكثر إصرارًا على أن يكون دولةً مستقلة القرار، موحدة الإرادة، عميقة الجذور، ممتدة التأثير. فالسودان، بتاريخه الطويل وموقعه الجغرافي والوجداني، ليس عابرًا في مسار الأمم، بل وطنٌ كُتب له أن ينهض كلما ظنّ البعض أنه تعب، وأن ينتصر لأنه يعرف – شعبًا ودولةً – معنى أن يكون الوطن قدرًا لا يُفرّط فيه.