سابا تعيد إبراهيم مالك إلى الحياة.. وهيثم يفتح أبواب الشراكات لإعمار صحة السودان
سابا تعيد إبراهيم مالك إلى الحياة.. وهيثم يفتح أبواب الشراكات لإعمار صحة السودان
بقلم: محيي الدين شجر

هناك افتتاحات تحمل في معناها أكثر من عودة مبنى إلى الخدمة.
ولهذا لم اندهش من الزغاريد والاهازيج التي صاحبت افتتاح قسم الطوارئ والإصابات بمستشفى إبراهيم مالك اعرق مستشفيات الخرطوم.. لأنه حدث بارز من الأحداث المهمة في السودان..
وافتتاح قسم الطوارئ والإصابات بمستشفى إبراهيم مالك بالخرطوم يختصر في مشهد واحد حجم التحدي الذي واجهه القطاع الصحي السوداني، وحجم الجهد المبذول لاستعادته.
أن يعود قسم للطوارئ والإصابات في مستشفى كان يستقبل أعداداً كبيرة من المرضى، وارتبط اسمه بالخدمات التخصصية والتدريب الطبي، يعني أن جزءاً من الحياة الطبيعية يعود إلى الخرطوم.
والفضل في هذه العودة لا يذهب إلى جهة واحدة، وإنما هو حصيلة شراكة بين الدولة والكوادر الصحية والمنظمات الوطنية والدولية، وفي مقدمتها تجمع الأطباء السودانيين بأمريكا «سابا»، التي اختارت أن تضع خبرتها وعلاقاتها ومواردها في خدمة إعادة بناء المؤسسات الصحية السودانية.

سابا.. عندما يصبح الدعم إعادة إعمار
المهم في تجربة «سابا» أنها لم تتعامل مع الحرب باعتبارها ظرفاً لتقديم مساعدات عابرة، بل دخلت إلى مساحة أكثر أهمية: إعادة تأهيل المؤسسات الصحية وإعادتها إلى الخدمة في كل أنحاء السودان..
وفي مستشفى إبراهيم مالك، لم يكن العمل مجرد ترميم شكلي؛ فقد تحدث مدير المستشفى عن إعادة جزء كبير منه بصورة أفضل مما كان عليه قبل الحرب، مع استمرار الجهود لاستكمال النواقص.
وقال الدكتور فيصل أحمد النور، المدير القطري لمنظمة «سابا» بالسودان ، إن إعادة تأهيل المبنى يجب أن تترافق مع تأهيل الكوادر، وهي نقطة جوهرية؛ لأن المستشفى لا يعيش بالمباني والأجهزة وحدها، وإنما بالجيش الأبيض الذي يعمل داخله.
ومن هنا تأتي قيمة الشراكة مع «سابا»: أن يكون الدعم موجهاً إلى المؤسسة الصحية، وإلى الإنسان الذي يقدم الخدمة في آن واحد.
هيثم.. فتح أبواب الشراكات أمام صحة السودان
لكن وراء هذا الحضور الواسع للمنظمات والشركاء في عملية إعادة تأهيل القطاع الصحي السوداني، هناك جهد إداري وسياسي لا يمكن تجاهله.
وزير الصحة الاتحادي د. هيثم محمد إبراهيم استطاع خلال الفترة الماضية أن يوسع دائرة علاقات وزارة الصحة مع المنظمات الدولية والوطنية والشركاء الإقليميين، وأن يحول هذه العلاقات إلى مشروعات وتدخلات على الأرض.
والأرقام والمشروعات المعلنة تعطي مؤشراً على اتساع هذا التحرك؛ فقد أعلنت وزارة الصحة عن التعاون مع منظمة الصحة العالمية لدعم النظام الصحي، كما تحدث الوزير عن جهود مع الشركاء الإقليميين والدوليين لسد فجوة التمويل، وعن مشروعات وتوسعات في الخدمات الصحية بولايات مختلفة.
وفي يوليو الماضي، أُعلن كذلك عن تحركات خارجية لتعزيز الموارد والشراكات الدولية، بينها اعتماد 150 مليون دولار لدعم مشاريع صحية في السودان، ومبلغ مماثل للمرحلة الثانية من مشروعات التعاون مع البنك الدولي ووزارة الصحة، وفق ما نقلته هيئة إذاعة وتلفزيون الخرطوم.
هذه التحركات تجعل من السهل فهم الصورة الأوسع: ما يجري في إبراهيم مالك ليس مشروعاً منفصلاً عن مسار أكبر لإعادة بناء القطاع الصحي.
ومن الإنصاف القول إن كل مستشفى يُعاد تأهيله، وكل جهاز يصل، وكل منظمة تدخل شريكاً في إعادة الإعمار، وكل مشروع صحي يمتد إلى ولاية جديدة، يمثل جزءاً من الجهد الذي بذلته وزارة الصحة في تحريك الموارد وبناء الشراكات.
بصمة في الولايات.. وليس الخرطوم وحدها
أهمية هذا التحرك أنه لا يتوقف عند العاصمة.
فمشروعات إعادة تأهيل المستشفيات وتوفير الأجهزة والمعدات امتدت إلى ولايات متعددة، كما أعلنت مشروعات شملت مستشفيات في أم روابة والنيل الأبيض والنيل الأزرق والجزيرة والخرطوم والقضارف ونهر النيل وكسلا والبحر الأحمر ، ضمن تدخلات مدعومة من شركاء دوليين. وأعلن مشروع آخر لإعادة تأهيل 18 مستشفى في عشر ولايات بالأجهزة والمعدات الطبية.
كما تحدثت وزارة الصحة عن الحاجة إلى أن تمتد عملية استعادة الخدمات إلى كردفان ودارفور، وهي المناطق التي تمثل المرحلة الأصعب في معركة إعادة بناء النظام الصحي بعد الحرب.
وهنا يمكن القول إن البصمة الحقيقية لأي مسؤول صحي لا تقاس بعدد الاجتماعات أو التصريحات، وإنما بعدد الشراكات التي تتحول إلى خدمة تصل إلى المواطن.
وفي هذا الجانب، فإن تجربة هيثم محمد إبراهيم تستحق الإشارة إليها باعتبارها تجربة اعتمدت بدرجة كبيرة على تحريك الشركاء والمنظمات وفتح مسارات التعاون معهم.
إبراهيم جابر.. دعم سياسي للقطاع الصحي
وفي الضفة الأخرى من هذه المعادلة، برز دور عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق الركن إبراهيم جابر في متابعة ودعم ملف إعادة تشغيل المؤسسات الصحية.
فجولاته ومتابعته للمستشفيات وإسناده لجهود إعادة التأهيل تعكس أن الملف الصحي أصبح جزءاً من عملية استعادة الحياة في المناطق التي عانت من الحرب.
وفي الثالث من أكتوبر، شارك إبراهيم جابر وزير الصحة الاتحادي ووالي الخرطوم في جولة شملت عدداً من مستشفيات الولاية، بينها إبراهيم مالك، وأكد خلال الجولة التزام الحكومة بتوفير الدعم اللازم لتحسين الخدمات الطبية، مشيداً بجهود الكوادر الصحية في إعادة تشغيل المؤسسات.
كما ارتبط اسمه بجهود لجنة تهيئة البيئة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، والتي تشمل إعادة الخدمات الأساسية ومن بينها الخدمات الصحية.
ومن هنا فإن الإشادة بإبراهيم جابر في هذا الملف ليست منفصلة عن المشهد العام؛ فالقطاع الصحي يحتاج إلى إرادة سياسية، وموارد مالية، وإدارة فنية، وشراكات دولية، وجهد الكوادر، وكل حلقة من هذه السلسلة تكمل الأخرى.
إبراهيم مالك.. أكثر من مستشفى
للمستشفى قيمة خاصة في الذاكرة الصحية للسودانيين.
فبحسب ما أُعلن خلال الافتتاح، كان المستشفى يستقبل أعداداً كبيرة من المرضى، ووصل التردد عليه في فترات سابقة إلى نحو 1300 مريض يومياً، كما كان مركزاً للتدريب والتعليم الطبي، وله إسهامات في عدد من الخدمات التخصصية.
ولهذا فإن عودته لا تعني فقط توفير قسم طوارئ جديد، وإنما تعني إعادة مؤسسة كان لها دور في العلاج والتعليم والتدريب.
وإذا اكتملت بقية أعمال التأهيل والنواقص، فإن إبراهيم مالك يمكن أن يستعيد دوره كمنارة صحية وتعليمية، لا كمرفق يقدم الخدمة العلاجية فقط.
«عافيتنا عافية وطن»
كان اختيار شعار «عافيتنا عافية وطن» موفقاً للغاية.
فالسودان بعد الحرب لا يحتاج إلى إعادة بناء الحجر وحده، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء منظومة الحياة نفسها.
المستشفى الذي يعود إلى الخدمة يعيد معه الطبيب والممرض والفني، ويمنح الأسرة مكاناً آمناً للعلاج، ويخفف الضغط عن المؤسسات الأخرى، ويعيد تدريب الطلاب والكوادر، ويمنح المجتمع شيئاً من الثقة التي فقدها خلال سنوات الحرب.
وهنا يصبح دعم «سابا» نموذجاً لما يمكن أن تفعله المنظمات السودانية في الخارج عندما تتحول علاقتها بالوطن من التعاطف إلى الشراكة العملية في إعادة البناء.
الطريق ما زال طويلاً
مع كل هذا، يجب ألا ننظر إلى افتتاح قسم الطوارئ باعتباره نهاية الطريق.
فالقطاع الصحي السوداني يحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة، وإلى أجهزة ومعدات وأدوية وتمويل وتشغيل وكوادر، كما يحتاج إلى استعادة المستشفيات في الولايات التي ما زالت تعاني من آثار الحرب.
والمطلوب أن تستمر الشراكة التي بدأت بين وزارة الصحة والمنظمات الوطنية والدولية، وأن تتوسع، وأن تنتقل من مشاريع منفردة إلى خطة وطنية متكاملة لإعادة بناء النظام الصحي.

وقد أظهرت تجربة «سابا» أن المنظمات السودانية في الخارج يمكن أن تكون جسراً مهماً بين السودان ومصادر الدعم والخبرة في الخارج، بينما أظهرت تحركات وزارة الصحة أن بناء شبكة واسعة من الشركاء أصبح ضرورة وليس ترفاً.
كلمة أخيرة
في افتتاح إبراهيم مالك، كان المشهد أكبر من قسم طوارئ أعيد تأهيله.
كان هناك طبيب سوداني في أمريكا عاد بخبرته وعلاقاته ليشارك في إعمار مستشفى، ووزارة صحة تحاول تحريك الموارد وبناء الشراكات، وعضو في مجلس السيادة يولي الملف الصحي اهتماماً ومتابعة، ووالٍ ووزارة ولائية يعملان على إعادة المستشفيات إلى الخدمة، وجيش أبيض صمد خلال أصعب الظروف.
هذه هي الصورة التي يحتاج السودان إلى تعزيزها.
فإعادة بناء الصحة ليست مهمة وزارة واحدة، ولا منظمة واحدة، ولا ولاية واحدة.
إنها مشروع وطن.
ولذلك فإن ما فعلته «سابا» في إبراهيم مالك يستحق التقدير، وما تقوم به وزارة الصحة في بناء شبكة الشراكات يستحق الإضاءة عليه، كما أن متابعة الفريق إبراهيم جابر للقطاع الصحي تمثل جزءاً مهماً من منظومة الإسناد السياسي والتنفيذي.
وفي النهاية، قد يكون أجمل ما في افتتاح إبراهيم مالك أن السودان لا يزال قادراً على إعادة الحياة إلى ما ظن البعض أنه لن يعود.
فحين تفتح أبواب الطوارئ من جديد، فإن الوطن نفسه يرسل رسالة تقول:
ما دامت مستشفياتنا تعود، فالسودان أيضاً يعود.