«9090» يعود من بين الركام.. خط ساخن يعيد وصل الصحة السودانية بالمواطن
«9090» يعود من بين الركام.. خط ساخن يعيد وصل الصحة السودانية بالمواطن
بقلم: محيي الدين شجر
لم يكن الطريق إلى إعادة تشغيل مركز الاتصال القومي للطوارئ الصحية «9090» سهلاً، فالمركز الذي كان يمثل واحدة من أدوات وزارة الصحة الاتحادية في التواصل المباشر مع المواطنين، تعرض خلال الحرب للدمار وسقوط الدانات، وفقدت بنيته وتجهيزاته، ليبدأ العمل من جديد تقريباً من الصفر.
لكن «9090» يعود الآن بصورة جديدة، معلناً عن افتتاحه الرسمي يوم الثلاثاء المقبل، بدعم من منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة الإنمائية، وبإشراف وزارة الصحة الاتحادية، في خطوة تستهدف إعادة بناء واحدة من أهم حلقات التواصل بين النظام الصحي والمجتمع.
وخلال تنوير صحفي، تم الإعلان عن جاهزية المركز لاستقبال الاتصالات على مدار الساعة، عبر نظام عمل بالورديات، لتلقي استفسارات المواطنين وبلاغاتهم المتعلقة بالأحداث والظواهر الصحية، وتقديم المعلومات والرسائل الصحية الموثوقة.
قبل اندلاع الحرب، كان مركز الاتصال القومي يمثل مؤسسة صحية قومية تعتمد على تقنيات الاتصال الحديثة للوصول إلى المواطنين، وسبق أن استقبل أكثر من مليوني مكالمة، بما يؤكد حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمة وقدرتها على الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع.
واليوم، يعود المركز في ظروف صحية وإنسانية أكثر تعقيداً، مع انتشار الأمراض والأوبئة، واتساع رقعة النزوح، وتباعد المواطنين عن المؤسسات الصحية، فضلاً عن انتشار المعلومات غير الدقيقة والشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن هنا تبرز أهمية «9090» باعتباره خطاً ساخناً لا يقتصر دوره على الرد على المكالمات، وإنما يمكن أن يتحول إلى عين مبكرة ترصد ما يحدث في المجتمع وتنقل المعلومات إلى الجهات الصحية المختصة.
أحد أهم الأدوار المنتظرة من المركز هو المساهمة في الاكتشاف المبكر لأي طارئ صحي، من خلال استقبال البلاغات المتعلقة بظهور أعراض أو أمراض أو ظواهر صحية غير معتادة، الأمر الذي يساعد الجهات المختصة على التدخل بصورة أسرع وتقليل مستويات المخاطر.
فالمواطن الذي يلاحظ انتشار حالات مرضية في منطقة ما، أو يواجه ظاهرة صحية تحتاج إلى استفسار، يجب أن يجد جهة رسمية يمكنه الرجوع إليها، بدلاً من الاعتماد على الشائعات أو المعلومات المتداولة دون مصدر.
وهنا تصبح المكالمة الهاتفية جزءاً من منظومة الإنذار المبكر ومكافحة الأوبئة.
مواجهة الشائعة بالمعلومة
في السودان اليوم، لا تقل معركة المعلومة أهمية عن معركة مكافحة المرض.
فالشائعة الصحية يمكن أن تثير الخوف، وتدفع المواطنين إلى ممارسات خاطئة، أو تجعلهم يتعاملون مع مرض أو وباء بصورة غير صحيحة.
ومن المنتظر أن يضطلع «9090» بدور مهم في إدارة الشائعات الصحية، من خلال توفير المعلومة الرسمية والصحيحة، والرد على الاستفسارات، وتوجيه المواطنين إلى المصادر الطبية المعتمدة.
كما يمكن للمركز أن يقدم رسائل توعوية حول الكوليرا والحميات والتهاب الكبد الفيروسي وغيرها من الأمراض، إلى جانب التعريف بطرق الوقاية والتعامل السليم مع المخاطر الصحية.
9090 لكل السودان
التحدي الأكبر أمام المركز لن يكون في افتتاح المبنى وتشغيل الأجهزة فقط، وإنما في قدرته على الوصول إلى المواطنين في مختلف أنحاء السودان.
فالبلاد واسعة، والحاجة إلى المعلومات الصحية لا تتوقف عند الخرطوم أو المدن الكبرى. ولذلك فإن الاستعداد لاستقبال الاتصالات من دارفور وكردفان والولايات الأخرى يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة المركز على أداء دوره القومي.
وإذا كان «9090» قد استطاع في سنوات ما قبل الحرب استقبال ملايين المكالمات، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير هذه التجربة وتوسيع نطاقها، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لتصبح الخدمة أكثر سرعة وانتشاراً.
ولعل إعادة تشغيل «9090» في هذه الظروف يمكن وصفها بأنها قفزة في الظلام، لكنها قفزة ضرورية، لأن انتظار اكتمال الظروف المثالية قد يعني خسارة وقت ثمين في معركة الصحة العامة.
نجاح المركز يحتاج كذلك إلى شراكة حقيقية مع الإعلام.
فالمواطن لن يستخدم الرقم إذا لم يعرف بوجوده، ولن يتصل إذا لم يثق في الخدمة، ولن تصبح المعلومات الصحية فعالة إذا لم تصل إلى الناس بالطريقة المناسبة.
ومن هنا تأتي أهمية الحملة الإعلامية المصاحبة للافتتاح، والتعريف بالرقم «9090»، وشرح الخدمات التي يقدمها، وتوضيح الحالات التي يمكن للمواطن الاتصال بشأنها.
إنها ليست مهمة وزارة الصحة وحدها، بل مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الصحية والإعلام والمجتمع.
في تقديري أن القيمة الحقيقية لإعادة 9090 للخدمة ستظهر عندما يعرف المواطن أن هناك جهة رسمية تستمع إليه، وتجيب عن أسئلته، وتتلقى بلاغه، وتتعامل مع المعلومة التي يقدمها باعتبارها جزءاً من منظومة حماية المجتمع.
وفي بلد يواجه ظروفاً صحية استثنائية، ويحتاج إلى سرعة في اكتشاف الأوبئة والسيطرة عليها، يصبح وجود خط ساخن يعمل 24 ساعة ضرورة ملحة .
والأهم أن تتحول كل مكالمة إلى معلومة مفيدة، وكل معلومة إلى استجابة، وكل استجابة إلى حماية لمواطن.
الثلاثاء المقبل، عندما يفتح «9090» أبوابه رسمياً، سيكون الاختبار الحقيقي قد بدأ: هل يستطيع المركز أن يعيد بناء الثقة، ويصل إلى كل السودان، ويجعل المعلومة الصحية الموثوقة أسرع من الشائعة؟
ذلك هو الرهان الحقيقي على «9090».