ماذا بعد مؤتمر الموانئ الدولي؟ بقلم: محيي الدين شجر

ماذا بعد مؤتمر الموانئ الدولي؟
بقلم: محيي الدين شجر
لم يكن انعقاد مؤتمر الموانئ الدولي في بورتسودان، يومي 27 و28 سبتمبر 2026، مناسبة لاستعراض واقع الموانئ السودانية وتحدياتها، وإنما كان فرصة لفتح نقاش جاد حول مستقبل هذا القطاع الحيوي، ودوره في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الاستثمار وزيادة القدرة التنافسية للموانئ السودانية.
وقد أوصى المؤتمر بإعداد خريطة طريق علمية لتطوير الموانئ، إلى جانب جملة من التوصيات المتعلقة بتحديث البنية التحتية، والتحول الرقمي، وتوظيف التقنيات الحديثة، وتوسيع مجالات الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً بعد إسدال الستار على المؤتمر هو: ماذا بعد التوصيات؟ ومن يملك مفاتيح تنفيذها؟

وفي تقديري أن إعداد خريطة طريق بواسطة خبراء ومتخصصين في مجال الموانئ يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق النهضة المنشودة. فنجاح أي خطة تطوير يرتبط بوجود موارد مالية متاحة، وصلاحيات إدارية تتيح للجهة المعنية اتخاذ القرارات في الوقت المناسب.
ومن هنا، فإن الحديث عن مستقبل الموانئ السودانية لا يقتصر على الجوانب الفنية والهندسية والتكنولوجية، بل يمتد إلى مناقشة منظومة التمويل والإدارة المالية التي تعمل في إطارها هيئة الموانئ البحرية.

ولهذا أرى أن من القضايا الجوهرية التي تستحق النقاش، مسألة إدارة الموارد المالية لهيئة الموانئ البحرية. فبحسب الواقع الذي يستدعي المراجعة، تورد إيرادات الهيئة إلى الخزينة العامة عبر وزارة المالية الاتحادية، بينما تحتاج الهيئة، بحكم طبيعة عملها، إلى قدر من المرونة المالية يمكّنها من الوفاء بالتزاماتها التشغيلية والفنية بصورة عاجلة.
الموانئ بالطبع ليست مؤسسة إدارية عادية يمكنها الانتظار طويلاً حتى تكتمل الإجراءات المالية.

إنها منشآت تعمل على مدار الساعة، وتتطلب جاهزية مستمرة للمعدات والآليات والرافعات والناقلات وأنظمة التشغيل والسلامة. وأي عطل في معدة رئيسية قد ينعكس على حركة البضائع، وزمن بقاء السفن، وتكاليف المناولة، وكفاءة الأداء، وربما على مصالح المستوردين والمصدرين والاقتصاد الوطني بأكمله.
ولنتصور أن إحدى الرافعات أو المعدات الثقيلة تعطلت، وأن الهيئة تحتاج بصورة عاجلة إلى قطعة غيار غير متوافرة محلياً. في مثل هذه الحالة، قد تضطر إلى مخاطبة وزارة المالية للحصول على الموافقة اللازمة لتوفير المبلغ المطلوب للاستيراد. وإذا استغرقت الإجراءات وقتاً طويلاً، فإن العطل قد يستمر، وتتضاعف تكلفته، بينما تظل الرافعة الجسرية خارج الخدمة.

وهنا يبرز سؤال منطقي: لماذا لا تُمنح هيئة الموانئ البحرية صلاحيات مالية محددة، وفق ضوابط ورقابة واضحة، تمكّنها من التصرف في جزء من إيراداتها لتغطية احتياجاتها العاجلة، بدلاً من إخضاع كل عملية شراء أو استيراد لانتظار الموافقات المركزية؟
إن الدعوة إلى منح الهيئة هامشاً مالياً لا تعني تجاوز وزارة المالية أو الانتقاص من دورها الرقابي، ولا تعني إطلاق يد الإدارة في التصرف في المال العام دون ضوابط. وإنما تعني إيجاد صيغة مؤسسية تحقق التوازن بين الرقابة المالية وضرورة سرعة اتخاذ القرار، من خلال موازنة تشغيلية معتمدة، واحتياطي مخصص للصيانة وقطع الغيار، وسقوف مالية واضحة، مع إخضاع جميع العمليات للمراجعة والمحاسبة.

كنت آمل أن يشارك وزير المالية الاتحادي الدكتور جبريل إبراهيم في مؤتمر الموانئ الدولي، لأن ملف التمويل يمثل أحد المفاتيح الأساسية لمستقبل هيئة الموانئ البحرية، ولأن كثيراً من التوصيات التي خرج بها المؤتمر ستظل بحاجة إلى قرارات مالية وإدارية حتى تنتقل من حيز الأفكار إلى واقع التنفيذ.
فإذا أوصى المؤتمر بإعداد خريطة طريق علمية لتطوير الموانئ، فمن الضروري أن تكون وزارة المالية حاضرة في مرحلة إعداد هذه الخريطة، لا أن يقتصر دورها على تلقي طلبات التمويل بعد اكتمالها.

إن الخبراء يستطيعون تحديد الاحتياجات الفنية، ووضع أولويات التحديث، وتقدير تكلفة تطوير الأرصفة والمعدات وأنظمة التشغيل، لكنهم لا يستطيعون وحدهم توفير التمويل أو تغيير الإجراءات المالية التي تحكم تنفيذ المشروعات.

فلا معنى لخطة تتضمن استيراد معدات حديثة وتحديث البنية التحتية وإدخال الذكاء الاصطناعي ، بينما تظل الجهة المسؤولة عن التنفيذ مقيدة في قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية في الوقت المناسب.

إن التحدي الحقيقي أمام مؤتمر الموانئ الدولي لا يكمن في صياغة التوصيات، وإنما في تحويلها إلى قرارات عملية. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب خطوات واضحة، من بينها:

1. تشكيل لجنة فنية ومالية مشتركة تتولى إعداد خريطة الطريق، بمشاركة خبراء الموانئ والجهات الحكومية المعنية، على أن تحدد الأولويات والتكاليف ومصادر التمويل.
2. مراجعة نظام إدارة إيرادات الهيئة ودراسة منحها هامشاً مالياً من مواردها وفق ضوابط محددة، يتيح لها تغطية احتياجات التشغيل والصيانة العاجلة دون الإخلال بالقوانين المالية والرقابية.
3. إنشاء احتياطي مالي للصيانة وقطع الغيار ضمن موازنة معتمدة، مع وضع آلية سريعة للمشتريات والاستيراد، خاصة المعدات التي يؤدي تعطلها إلى توقف العمليات أو انخفاض كفاءتها.
4. تحديد مسؤوليات التنفيذ والجدول الزمني بحيث تكون لكل توصية جهة مسؤولة، وميزانية محددة، ومؤشرات لقياس التقدم، مع تقديم تقارير دورية عن مستوى الإنجاز.
5. إشراك وزارة المالية في المتابعة لضمان معالجة العقبات المرتبطة بالتمويل والإجراءات، بدلاً من اكتشافها بعد بدء التنفيذ.
الموانئ تحتاج إلى مرونة مالية
لا خلاف على أهمية الرقابة على المال العام، ولا على ضرورة خضوع المؤسسات الحكومية للقوانين واللوائح المنظمة للإنفاق. لكن الرقابة ينبغي ألا تتحول، بسبب بطء الإجراءات، إلى عائق أمام أداء المؤسسات الاقتصادية لمهامها.

وهيئة الموانئ البحرية ليست مجرد جهة تتلقى المخصصات وتصرفها، بل مؤسسة اقتصادية ترتبط كفاءتها بقدرتها على المحافظة على أصولها، وتطوير خدماتها، والاستجابة السريعة لمتطلبات التشغيل، وتعزيز قدرتها على المنافسة إقليمياً ودولياً.
ومن ثم، فإن الإصلاح المطلوب لا يقتصر على زيادة الموارد، بل يشمل كذلك مراجعة طريقة إدارتها، وتحديد الصلاحيات التي تمكّن الهيئة من الاستفادة من مواردها في الوقت المناسب، ضمن نظام شفاف للمساءلة والمراجعة.
كما أن منح الهيئة مرونة مالية لا ينبغي أن يكون بديلاً عن التخطيط السليم أو ترشيد الإنفاق، وإنما أداة تساعد على تنفيذ الخطط المعتمدة، وتمنع تحول الإجراءات الإدارية إلى سبب في تأخير الصيانة أو تعطيل التطوير.
الخلاصة: من يملك قرار التنفيذ؟
لقد انتهى مؤتمر الموانئ الدولي، وبقيت أمامنا مهمة أكبر من تنظيم المؤتمرات وصياغة التوصيات؛ وهي الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.

إن خريطة الطريق التي أوصى بها المؤتمر لن تحقق أهدافها ما لم تتوافر لها الموارد والصلاحيات والآليات التنفيذية. وإذا كانت وزارة المالية الاتحادية تمسك بالملف المالي لهيئة الموانئ البحرية، فإن مشاركتها في وضع الخريطة وتنفيذها تصبح ضرورة عملية لضمان اتساق الطموحات الفنية مع الإمكانات المالية.
المطلوب اليوم ليس فقط أن نرسم خريطة طريق للموانئ، بل أن نزيل العقبات التي قد تحول دون السير فيها.
فالموانئ السودانية تمتلك أهمية استراتيجية للاقتصاد الوطني، وأي تأخير في تطويرها أو إضعاف قدرتها التشغيلية ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الهيئة إلى حركة التجارة والاستيراد والتصدير.
وإذا كنا جادين في النهوض بالموانئ، فعلينا أن نعيد النظر في العلاقة بين الرقابة المالية والمرونة التشغيلية، وأن نمنح الهيئة الصلاحيات التي تحتاج إليها لأداء مهامها بكفاءة، مع الاحتفاظ الكامل بحق الدولة في الرقابة والمحاسبة.
فهل تكون توصيات مؤتمر الموانئ الدولي بداية لمراجعة منظومة التمويل والصلاحيات، أم تظل خريطة الطريق حبيسة الأوراق إلى أن تتوافر لها مفاتيح التنفيذ؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه المرحلة المقبلة.