بعد مواجهة حريق مستودعات البترول.. جيلاني يعزز قدرات الدفاع المدني بالموانئ بقلم: محيي الدين شجر

بعد مواجهة حريق مستودعات البترول.. جيلاني يعزز قدرات الدفاع المدني بالموانئ
بقلم: محيي الدين شجر

في الموانئ لا تتوقف أهمية العمل عند حركة السفن والمناولة والتفريغ والشحن، فهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وربما يصبح أكثر أهمية في لحظة الخطر: كيف نحمي الأرواح والمنشآت والبضائع والمرافق الاقتصادية عندما تندلع النيران أو تقع كارثة؟

من هنا تكتسب الخطوة التي أقدمت عليها هيئة الموانئ البحرية بافتتاح عدد من المنشآت التابعة لقوات الدفاع المدني بالموانئ أهمية خاصة، لأنها تتجاوز مجرد افتتاح مبانٍ ومنشآت جديدة إلى تعزيز منظومة السلامة والاستجابة للطوارئ في واحد من أهم المرافق الاقتصادية في البلاد.

ولعل تجربة حريق مستودعات البترول ببورتسودان قدمت الدليل العملي على أهمية وجود دفاع مدني مؤهل، مدرب، ومجهز وقادر على التدخل السريع. ففي مثل هذه الحوادث لا تكون المعركة مع النيران وحدها، وإنما مع الوقت أيضاً؛ وكل دقيقة تأخير قد تعني اتساع نطاق الخطر وارتفاع حجم الخسائر.

وقد أثبتت قوات الدفاع المدني بالموانئ، وفق ما أشاد به مسؤولو الهيئة وقادة الدفاع المدني، قدرتها على التعامل مع الحريق واحتوائه، وحماية الأرواح والممتلكات والمنشآت المحيطة بموقع الحادث. وهذا الدور يستحق التقدير، لأن رجال الدفاع المدني يعملون في ظروف بالغة الخطورة، ويواجهون النيران والدخان والحرارة ومخاطر المواد القابلة للاشتعال وهم يعلمون أن سلامة الآخرين تعتمد في لحظات كثيرة على سرعة تدخلهم ودقة قراراتهم.

والإشادة هنا لا ينبغي أن تذهب إلى الأفراد وحدهم، بل إلى المنظومة التي تقف خلفهم؛ التدريب والتجهيز والإنذار المبكر والمعدات وبيئة العمل والتنسيق بين الإدارات المختلفة.

وفي هذا السياق، فإن الدور الذي يقوم به المدير العام لهيئة الموانئ البحرية، المهندس مستشار جيلاني محمد جيلاني، في دعم قوات الدفاع المدني وتوفير بيئة أفضل للعمل يستحق الإشارة. فالإدارة الناجحة للمرافق الحيوية لا تقاس فقط بحجم المشروعات الإنشائية أو الإيرادات وحركة السفن، وإنما أيضاً بقدرتها على الاستعداد للمخاطر وحماية العاملين والمنشآت.

واللافت أن المنشآت التي جرى افتتاحها شملت مركزاً للتدريب، وصالة للمؤتمرات، وغرفة للإنذار المبكر، وحوضاً للسباحة وملعباً للخماسيات. وقد تبدو بعض هذه المنشآت للوهلة الأولى بعيدة عن مفهوم مكافحة الحرائق، لكنها في الحقيقة تدخل ضمن بناء قوة أكثر جاهزية؛ فالتدريب المستمر واللياقة البدنية والإنذار المبكر كلها عناصر مترابطة في منظومة الاستجابة للطوارئ.

كما أن غرفة الإنذار المبكر تحديداً تمثل أهمية كبيرة في بيئة مثل الموانئ، التي تضم منشآت ومواد ومرافق تحتاج إلى أعلى درجات اليقظة، لأن التعامل مع الخطر في بدايته يختلف كثيراً عن التعامل معه بعد انتشاره.

ولا يمكن إغفال دور إدارة الهندسة المدنية في تنفيذ هذه المشروعات، ولا الجهود التي بذلها مديرو قوات الدفاع المدني بالموانئ، الحاليون والسابقون، في وضع اللبنات وتطوير الأداء. فالإنجاز المؤسسي لا يصنعه شخص واحد، وإنما تتراكم فيه جهود أجيال من العاملين.

وتكريم العميد شرطة (م) عبد الله عبد الصافي فرج يمثل في هذا الجانب رسالة مهمة أيضاً: المؤسسات التي تحفظ ذاكرة العطاء وتكرم من خدموها تستطيع أن تبني جسراً بين الخبرة السابقة والطموح الجديد.

إن الموانئ السودانية ليست مجرد منشآت بحرية، وإنما شريان اقتصادي ترتبط به التجارة والإمدادات وحركة الاقتصاد الوطني. ولذلك فإن الاستثمار في سلامتها وأمنها والدفاع المدني العامل بها هو في جوهره استثمار في الاقتصاد نفسه.

ويبقى المطلوب أن تتواصل هذه الخطوة عبر برامج تدريب منتظمة، وتحديث مستمر للمعدات، واختبارات دورية لخطط الطوارئ والإخلاء، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتوسيع التنسيق بين الدفاع المدني وإدارة الموانئ والجهات الأمنية والجهات ذات الصلة.

فالحرائق لا تعلن موعدها، والكوارث لا تمنح المؤسسات وقتاً للاستعداد بعد وقوعها. الجاهزية الحقيقية تبدأ قبل الحادث، والنجاح الحقيقي هو أن تكون المؤسسة مستعدة عندما تأتي اللحظة التي لا تحتمل الخطأ.

وفي الموانئ، حيث تلتقي حركة التجارة بالمخاطر الصناعية والبحرية، فإن الدفاع المدني يجب أن يبقى دائماً في مقدمة منظومة الحماية، لا في آخرها.

وما حدث من احتواء لحريق مستودعات البترول، وما تلاه من دعم وتطوير لمنشآت الدفاع المدني، يؤكد أن حماية الموانئ مسؤولية مشتركة، وأن رجال الدفاع المدني يستحقون التقدير على ما يقدمونه في صمت، في أصعب اللحظات وأكثرها خطراً.