ضفاف/ نصر الدين بخيت العقابي : مصر والسودان.. مواقف تحفظها ذاكرة الشعوب
ضفاف
نصر الدين بخيت العقابي
مصر والسودان.. مواقف تحفظها ذاكرة الشعوب
في العلاقات بين الشعوب، تبقى المواقف التي تظهر في أوقات الشدة أكثر حضوراً في الذاكرة، لأنها تكشف قيمة الجوار عندما تصبح حياة الإنسان وأمنه واستقراره في مقدمة الأولويات. ومن هذا المعنى يمكن قراءة الموقف المصري تجاه السودان والسودانيين خلال سنوات الحرب، بما حمله من أبعاد إنسانية ودبلوماسية، ويستحق معه الشعب المصري وحكومته كلمة واضحة وصادقة: شكراً مصر.
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبحت مصر الوجهة الرئيسية لأعداد كبيرة من السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم بحثاً عن الأمان. ووفق أحدث بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد السودانيين المسجلين لديها في مصر 851,947 شخصاً حتى 30 يونيو 2026، فيما تستضيف مصر أكثر من مليون لاجئ وطالب لجوء مسجلين من جنسيات مختلفة، ويشكل السودانيون أكبر مجموعة بينهم.
لكن الأرقام، مهما كانت دلالتها، لا تستطيع وحدها أن تنقل الصورة كاملة. خلف كل رقم أسرة تركت منزلها، وطفل انقطعت به ظروف الحرب عن مدرسته، ومريض يبحث عن العلاج، وأب يحمل مسؤولية أسرة لم تعد تعرف متى تعود إلى وطنها. وفي مصر وجد كثير من السودانيين مساحة للحياة والعمل والتعليم والعلاج، في انتظار أن تتهيأ الظروف للعودة إلى السودان.
وهنا يستحق الموقف المصري قراءة تتجاوز لغة الأرقام. فاستضافة أعداد كبيرة من النازحين تفرض أعباء على الدولة والمجتمع المضيف، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية التي تواجهها مصر نفسها. ومع ذلك، ظلت مصر تستضيف السودانيين في المدن والمجتمعات المحلية، بعيداً عن معسكرات مغلقة، وفق سياسة الاستضافة داخل المجتمع.
وفي الجانب الآخر من المشهد، ظل الموقف المصري تجاه الدولة السودانية واضحاً في الخطاب الدبلوماسي الرسمي. ففي سبتمبر 2026 جددت القاهرة تأكيدها دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، وشددت على احترام مبدأ أن يكون الحل السياسي سودانياً، إلى جانب دعم جهود التهدئة وإنهاء الصراع وتخفيف المعاناة الإنسانية. كما أشار المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الدور المصري الداعم لأمن واستقرار السودان والجهود التي تضطلع بها القاهرة إقليمياً ودولياً.
وفي 20 سبتمبر 2026، أكدت مصر مجدداً أهمية وصول المساعدات الإنسانية إلى الشعب السوداني دون عوائق، وحماية المدنيين، واستمرار التنسيق مع الأمم المتحدة ووكالاتها لتخفيف آثار الأزمة الإنسانية. كما جددت في يوليو موقفها الداعم لسيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفضها لأي خطوات تهدد وحدة البلاد.
هذه المواقف تكتسب أهمية خاصة لأن الأزمة السودانية لم تعد محصورة في آثار الحرب على حياة المواطنين، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بمستقبل الدولة ووحدتها واستقرارها. ولذلك فإن أي موقف إقليمي يدعم وحدة السودان وسيادته، ويؤكد أن الحل السياسي ينبغي أن يحفظ إرادة السودانيين، يمثل جانباً مهماً في حماية مستقبل البلاد.
والعلاقة بين السودان ومصر أكبر من ظرف الحرب. فهناك ملفات مشتركة في التجارة والنقل والطاقة والمياه والمعابر، ويمكن لهذه الملفات أن تشكل جسوراً أوسع في مرحلة التعافي وإعادة البناء. وما يحتاجه البلدان في المستقبل ليس فقط معالجة آثار الأزمة، وإنما تحويل الروابط التاريخية والجغرافية إلى مشروعات تعاون أكثر اتساعاً تخدم مصالح الشعبين.
أما الجانب الأعمق في هذه العلاقة، فهو ما لا يظهر في البيانات الرسمية: السوداني الذي عاش في حي مصري، والطالب الذي واصل دراسته، والمريض الذي وجد العلاج، والأسرة التي وجدت مكاناً آمناً لأطفالها، والعامل الذي بدأ حياته من جديد. هذه التفاصيل اليومية هي التي تصنع الذاكرة الحقيقية للشعوب.
ولهذا تأتي كلمة شكراً مصر من موقع التقدير لا المجاملة؛ شكراً لكل مؤسسة أسهمت في تخفيف معاناة السودانيين، ولكل مصري تعامل مع القادم من السودان بروح حسن الجوار، ولكل موقف مصري أكد احترام السودان ووحدته وسيادته.
ولا يعني الشكر أن العلاقات بين الدول تخلو من المصالح والحسابات المشتركة؛ فهذا من طبيعة العلاقات الدولية. لكنه يعني أيضاً أن للشعوب ذاكرتها الخاصة، وأنها تعرف جيداً من وقف إلى جانبها في الأيام الصعبة.
ويبقى الأمل الأكبر أن تنتهي الحرب، ويعود السودانيون إلى وطنهم، وتتحول سنوات النزوح إلى صفحة من الماضي، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها إعادة البناء وتوسيع التعاون وتعزيز الروابط بين السودان ومصر.
فالجغرافيا صنعت الجوار، والتاريخ صنع المعرفة، لكن المواقف هي التي تمنح العلاقات بين الشعوب معناها الأعمق. وفي ذاكرة السودان، ستبقى لمصر مساحة لا تكتبها البيانات وحدها، وإنما ما عاشه الناس وشهدوه في سنوات المحنة.
شكراً مصر.