إلى مدير جهاز المخابرات العامة المحترم / ملتقى الإعلاميين.. حين يُقصى أصحاب المصلحة

ملتقى الإعلاميين.. حين يُقصى أصحاب المصلحة

بقلم : محيي الدين شجر

بعد أن عرفنا أن الجهة التي دعت الصحفيين والإعلاميين إلى ملتقى الإعلاميين الذي نظمه الاتحاد العام للصحفيين السودانيين هي جهاز المخابرات العامة، حق لنا أن نستأذن الفريق أحمد إبراهيم مفضل، مدير عام جهاز المخابرات العامة، في أن نقول له:

تحية واحترامًا..

قولكم «لم يكن بالإمكان دعوة جميع الصحفيين» إلى الملتقى الذي انعقد في الخرطوم قول مفهوم من حيث المبدأ، فلا يمكن أن تضم قاعة واحدة كل صحفيي السودان.

لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم تتم دعوة الجميع؟

السؤال هو: من وضع معايير الاختيار؟ وعلى أي أساس اختير المدعوون؟

للأسف الشديد، بدا للكثيرين أن التركيز انصرف إلى الشكل والحضور والاستعراض.
لا اعتراض مطلقا في حضور قامات إعلامية نحترمها من دول العالم وبينهم أصدقاء نحبهم..

ولكن الصحفيون الذين مارسوا المهنة قبل الحرب، وعاشوا سنوات الحرب، وواصلوا العمل بعدها، هم الأقدر من غيرهم على الحديث عن قضايا الإعلام السوداني، لأنهم لا يتحدثون عن تجربة سمعوا بها أو قرأوا عنها، وإنما عن تجربة عاشوها يومًا بيوم.

كان يمكن أن يكون الملتقى فرصة تاريخية لجمع هؤلاء الصحفيين مع غيرهم ، والاستماع إليهم، ومعرفة ما تعرضت له الصحافة السودانية ومؤسساتها والعاملون فيها خلال الحرب، وما الذي يحتاجه الإعلام حتى يستعيد عافيته.

لكن أن يجد صحفيون لهم سنوات طويلة في المهنة، وعاشوا الحرب داخل السودان، أنفسهم خارج قائمة المدعوين، بينما يظهر في القائمة أشخاص لا يعرف كثير من أهل المهنة صلتهم بالإعلام من أساسه، فهذه هي المفارقة التي تستحق التوقف عندها.

لا نكتب هذا الكلام بحثًا عن دعوة، ولا اعتراضًا على غياب أسماء بعينها.

إنا ، لا أكتب بدافع شخصي، وإنما أكتب من زاوية أوسع: مصلحة الوطن الذي نحبه، والمصلحة العليا التي كانت تقتضي أن تكون البداية صحيحة.

فالملتقى الذي يناقش قضايا الإعلام في مرحلة الحرب وما بعدها لا ينبغي أن يبدأ بإقصاء صحفيين لهم سهم وطني كبير، لأن ذلك لا يخلق حوارًا مهنيًا، وإنما قد يترك ضغينة في نفوس زملاء كان يمكن أن يكونوا شركاء في بناء إعلام ما بعد الحرب.

والبلد الذي خرج من حرب قاسية لا يحتمل مزيدًا من الإحساس بالإقصاء.

هناك صحفيون ظلوا في الخرطوم وسط القصف، وصحفيون نزحوا إلى بورتسودان ومدن أخرى، وصحفيون عملوا في ظروف بالغة القسوة، وبعضهم لم يجد مكتبًا أو استوديو أو حتى مقومات العمل الصحفي الأساسية.

وفي بورتسودان تحديدًا، كان الصحفيون يعملون في ظروف يعرفها كل من عاش تلك الفترة، وتحت حرارة قاسية، في وقت كانت مؤسسات الدولة تستأجر مقار دولارية ومكاتب وثيرة..

ومع ذلك واصلوا العمل.

نقلوا أخبار الحكومة، وتابعوا مؤسسات الدولة، ونقلوا أصوات المواطنين، وغطوا الأزمات، وحاولوا أن يحافظوا على حضور الإعلام السوداني في وقت كان السودان فيه يواجه واحدة من أخطر أزماته في تاريخه الحديث.

هؤلاء هم أصحاب المصلحة الحقيقيون في أي حوار عن إعلام الحرب.

أما اتحاد الصحفيين، فلنا معه تجارب سابقة، ايام الحرب هذه وكان أملنا أن يكون الاتحاد مظلة جامعة لكل الصحفيين.

لكن تجربتنا، وتجارب عدد كبير من الزملاء بعد الحرب، جعلتنا نرى أن الاتحاد لم ينجح في إقناع قطاع واسع من الصحفيين بأنه يمثلهم جميعًا، بل ترسخت لدى كثيرين قناعة بأنه أقرب إلى دائرة من الشلليات والعلاقات منه إلى مؤسسة مهنية جامعة.

وقد تكون هذه قناعة قابلة للنقاش، لكن المؤكد أن الثقة بين الاتحاد وعدد كبير من الصحفيين ليست في أفضل حالاتها.

ولذلك لا ننتظر كثيرًا من الاتحاد في مسألة إنصاف الصحفيين الذين غابوا عن الملتقى.

لكننا ننتظر من الجهة التي رعت ودعت إلى الملتقى أن تنظر إلى القضية من زاوية أوسع من زاوية الاتحاد.

فجهاز المخابرات العامة، باعتباره الجهة التي وجهت الدعوات بحسب ما أصبح معلومًا، كان يستطيع أن يسأل سؤالًا بسيطًا قبل اعتماد القائمة:

من هم الصحفيون الذين حملوا عبء المهنة خلال الحرب؟

ومن هم الذين كانوا في الخرطوم عندما كانت الحرب في أشدها؟

ومن عاد إلى الخرطوم في وقت مبكر؟

ومن عمل في الولايات؟

ومن حمل كاميرته وقلمه إلى مواقع الأحداث؟

ومن ظل ينقل أخبار الدولة والمواطنين في الأيام التي كان فيها صوت السودان نفسه مهددًا بالانقطاع؟

هذه الأسئلة وحدها كانت ستقود إلى قائمة مختلفة، وربما إلى ملتقى أكثر مهنية وأكثر صدقًا.

وإذا كان المطلوب الحديث عن قضايا الإعلام، فالأولوية ينبغي أن تكون للخبرة والتجربة والمهنية، لا لمجرد الحضور أو العلاقات أو الأسماء اللامعة.

ومن يريد أن يتحدث عن الحرب، فليس من العدل أن يتساوى من عاشها ميدانيًا مع من لم يرها إلا بعد انتهائها.

ومن يريد أن يتحدث عن الإعلام في الخرطوم، فمن الطبيعي أن يستمع إلى الصحفي الذي كان هناك، لا أن يكتفي بمن جاء إليها بعد سنوات.

ومن يريد أن يضع تصورًا لإعلام ما بعد الحرب، فالأجدر أن يبدأ بالصحفيين الذين دفعوا ثمن استمرار المهنة، لا بمن كان بعيدًا عنها ثم عاد عندما أصبحت الظروف أكثر أمانًا.

نحن لا نطالب بإقصاء أحد.

نطالب فقط بألا يكون الإقصاء هو طريق اختيار الآخرين.

ولا نريد أن يتحول نقدنا إلى خصومة مع زملاء شاركوا في الملتقى؛ فلكل واحد منهم تقديره ومكانته وتجربته.

لكننا نخشى أن يؤدي سوء الاختيار إلى نتيجة أخطر من مجرد ملتقى لم يشارك فيه البعض: أن يشعر صحفيون قدموا الكثير لوطنهم بأنهم غير مرغوب فيهم، وأن تذهب رسالة الملتقى في الاتجاه المعاكس تمامًا لما كان ينبغي أن تذهب إليه.

كان يمكن أن يكون هذا الملتقى بداية لجمع شمل الصحفيين بعد الحرب.

وكان يمكن أن يكون رسالة تقول إن السودان الجديد يحتاج إلى إعلام يجمع ولا يفرق.

وكان يمكن أن تكون الدعوات نفسها رسالة احترام للذين ظلوا في الميدان.

البداية الصحيحة كانت تقتضي أن يجلس أصحاب المصلحة الحقيقيون أولًا، ثم يأتي بعد ذلك كل شيء.

فالإعلام السوداني ليس مجموعة صور تذكارية من ملتقى، ولا قائمة أسماء في كشف دعوات.

الإعلام السوداني ذاكرة وطن، وتجربة أجيال، ومهنة دفع أصحابها أثمانًا باهظة خلال الحرب.

ولهذا نقولها بوضوح، لا بحثًا عن مقعد ولا طلبًا لدعوة:

إذا كان الهدف فعلًا هو إصلاح الإعلام السوداني، فابدأوا بالصحفيين الحقيقيين… أولئك الذين ظلوا يحملون القلم و هم الصحفيين عندما سقطت أشياء كثيرة من حولهم.
محيي الدين شجر
رئيس رابطة الصحفيين السودانيين