دعوة حكومية للصحفيين تُربك رواية «الحوار الوطني المستقل» بقلم محيي الدين شجر
دعوة حكومية للصحفيين تُربك رواية «الحوار الوطني المستقل» بقلم محيي الدين شجر
رأي : سودان سوا
حين تتولى جهة حكومية دعوة الصحفيين وتتكفل بنقلهم بالطائرات، يصبح السؤال مشروعاً: أين تنتهي المبادرة الوطنية وأين تبدأ يد السلطة؟
ثمة شيء غريب في الطريقة التي يجري بها الإعداد لما سُمي بـ«الحوار السوداني ـ السوداني».
قيل لنا إن المبادرة ليست مبادرة حكومية، وإنها جاءت من «نفر وطني» من السودانيين، وإن دور السلطة يقتصر على توفير المناخ والدعم اللازم لإنجاح حوار يجمع السودانيين بعيداً عن الاستقطاب السياسي.
لكن الوقائع التي بدأت تظهر تطرح سؤالاً أكبر من مجرد تفاصيل التنظيم:
إذا كان الحوار مبادرة سودانية وطنية مستقلة، فلماذا تتولى جهة حكومية توجيه الدعوات للصحفيين؟ ولماذا تتكفل بتكاليف نقل عشرات الصحفيين بالطائرات من خارج البلاد، إلى جانب عشرات الصحفيين القادمين من الولايات؟
هنا تحديداً تصبح المسألة بحاجة إلى تفسير واضح.
فمن يدفع تكلفة السفر ليس مجرد متفرج على المناسبة. ومن يحدد المدعوين ليس بالضرورة مجرد جهة لوجستية. ومن يتحمل نفقات حضور المشاركين يصبح، بحكم الواقع، طرفاً فاعلاً في عملية الإعداد، حتى لو لم يجلس في المنصة أو يترأس الجلسات.
والسؤال الأكثر إحراجاً:
إذا كان «النفر الوطني» هو صاحب المبادرة، فلماذا لم يتولَّ هو الدعوة والاختيار والترتيب؟
ومن وضع قائمة الصحفيين؟
ومن قال إن هذا الصحفي يمثل الصحافة السودانية، بينما لم تتم دعوة صحفي آخر؟
وما المعايير التي جرى على أساسها اختيار العشرات من الخارج والولايات؟
هل هي معايير مهنية؟ أم سياسية؟ أم جغرافية؟ أم أن هناك معايير أخرى لا نعرفها؟
المشكلة ليست في استضافة الصحفيين، ولا في تسهيل سفرهم، ولا حتى في تحمل تكاليف حضورهم.
المشكلة في التناقض بين الخطاب والممارسة.
فإذا كان رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان قد تحدث عن مبادرة تقدم بها سودانيون وطنيون، فإن تدخل جهة حكومية في توجيه الدعوات وتوفير النقل والإنفاق على الحضور يفتح الباب أمام قراءة مختلفة تماماً للمشهد.
وقد يقول قائل إن الحكومة توفر فقط الدعم اللوجستي.
حسناً.
لكن حتى الدعم اللوجستي يحتاج إلى شفافية: من طلبه؟ ومن حدده؟ ومن اختار المستفيدين منه؟ وهل يحق لأي صحفي تنطبق عليه الشروط أن يستفيد منه، أم أن هناك قائمة معدة سلفاً؟
لأن القضية في النهاية ليست طائرة تقل صحفياً من مكان إلى آخر.
القضية: من يختار من يتحدث باسم المجتمع؟
وهنا تبرز خطورة ما ظل بعض المعارضين يقوله طوال الفترة الماضية، من أن الحوار ليس حواراً سودانياً مستقلاً، وإنما حوار تديره السلطة القائمة وتحدد أطرافه ومساراته.
ربما تكون هذه الاتهامات غير صحيحة.
لكن طريقة الإعداد الحالية تمنح أصحاب هذا الرأي مادة مجانية للدفاع عن موقفهم.
وهذا تحديداً ما كان يجب على منظمي الحوار تفاديه.
فإذا كانت السلطة تريد فعلاً إثبات أن الحوار ليس حوارها، فإن عليها أن تكون أول من يبتعد عن تفاصيل الاختيار والدعوات، وأن تترك للقائمين على المبادرة ـ إن كانت مستقلة فعلاً ـ مهمة تحديد المشاركين وإدارة العملية بشفافية كاملة.
أما أن تقول شيئاً، ثم تأتي الممارسة لتوحي بشيء آخر، فهذه هي المشكلة.
والأخطر من ذلك كله هو تحويل الصحافة إلى ديكور في مشهد سياسي جاهز.
الصحفيون ليسوا جمهوراً يُستدعى لملء المقاعد، ولا شهود زور على توافق لم يحدث، ولا مطلوباً منهم أن يمنحوا الحوار شرعية إعلامية لمجرد أنهم حضروا.
الصحافة وظيفتها أن تسأل.
أن تنتقد.
أن تختلف.
أن تكشف التناقضات.
وأن تقول للسلطة: هذا صحيح، وهذا خطأ، وهذا يحتاج إلى إجابة.
لذلك فإن استدعاء عشرات الصحفيين من الخارج، وعشرات آخرين من الولايات، لا ينبغي أن يكون هدفه صناعة صورة إعلامية ضخمة للحوار، وإنما توفير مساحة حقيقية للأصوات المختلفة.
وإلا فإننا سنكون أمام مشهد كبير في الشكل، صغير في المضمون.
حوار كثيرون لا يسمعون فيه بعضهم بعضاً.
دعونا نكون أكثر صراحة:
إذا كانت الدعوات حكومية، والنقل حكومياً، والتكاليف حكومية، والاختيار غير واضح، ثم قيل لنا بعد ذلك إن الحوار «مبادرة من سودانيين وطنيين»؛ فمن حق السوداني أن يسأل:
أين المبادرة وأين الحكومة؟
ليس عيباً أن تدعم الدولة حواراً وطنياً.
بل ربما يكون دعمها ضرورياً.
لكن العيب أن يكون الدعم موجوداً ثم يُقال إن الدولة لا علاقة لها بالحوار.
فالشفافية أفضل من التذاكي.
والوضوح أفضل من محاولة رسم مسافة وهمية بين السلطة والحوار.
أما إذا كان الحوار فعلاً سودانياً مستقلاً، فليثبت منظموه ذلك عملياً:
أعلنوا من دعا المشاركين، ومن اختارهم، وما هي المعايير، ومن دفع تكاليف السفر، ومن يملك القرار في جدول الأعمال، ومن يحدد المتحدثين.
عندها فقط يمكن أن نطمئن إلى أننا أمام حوار حقيقي.
أما بالطريقة الحالية، فإننا بلا شك أمام
حوار الطرشان… السلطة تتحدث، والمدعوون يستمعون، ثم الجميع يخرج ليعلن أن السودانيين قد تحاوروا واتفقوا!
والسودان في الحقيقة لا يحتاج إلى حوار لإنتاج صورة توافقية.
السودان يحتاج إلى حوار يستطيع فيه المختلف أن يدخل القاعة وهو مطمئن إلى أنه لن يُطلب منه أولاً أن يتخلى عن صوته حتى يُسمح له بالكلام.
انهم بهذه التصرفات يحرجون الرئيس البرهان..