في اجتماع مجلس أمناء الزكاة بالبحر الأحمر.. الجباية تتجاوز 42 مليار جنيه ونفرة كبرى بـ18 ملياراً
في اجتماع مجلس أمناء الزكاة بالبحر الأحمر.. الجباية تتجاوز 42 مليار جنيه ونفرة كبرى بـ18 ملياراً
بقلم: محيي الدين شجر

حضرت اليوم اجتماع مجلس أمناء الزكاة بولاية البحر الأحمر، في دورة الانعقاد الأولى للعام 2026، برئاسة رئيس مجلس الأمناء، والي ولاية البحر الأحمر الفريق الركن مصطفى محمد نور، وبحضور مقرر المجلس، أمين ديوان الزكاة بالولاية السيد عبد القادر حسن عبد القادر، وأعضاء المجلس.
كان الاجتماع مخصصاً لمناقشة تقرير أداء الديوان للنصف الأول من العام 2026، إلا أن ما خرجت به من الاجتماع تجاوز مجرد عرض تقرير إداري إلى قراءة في تجربة مؤسسة تعمل وسط ظروف استثنائية، وتحاول في الوقت ذاته توسيع مواردها وتعزيز مصارفها والوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
ولعل أول ما يستحق التوقف عنده هو محور الجباية.
فخلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026، كان الربط المقدر للديوان 21 ملياراً و562 مليوناً و350 ألف جنيه، بينما بلغت الجباية الفعلية 42 ملياراً و29 مليوناً و301 ألفاً و368 جنيهاً، بنسبة أداء بلغت نحو 195% من الربط المقدر للفترة.
وهو رقم يكشف عن جهد كبير بذله العاملون في الديوان، خصوصاً إذا وضعنا في الاعتبار أن المؤسسة تعمل حالياً بنحو 52% فقط من قوتها الوظيفية.
الأكثر لفتاً أن الديوان لم يكتفِ بتحقيق الربط المرحلي، وإنما تجاوز كذلك الربط الكلي المخطط للعام، بنسبة أداء بلغت 101%، وفقاً لما ورد في التقرير المعروض على مجلس الأمناء.
هذه الأرقام، في رأيي، تستحق الإشادة، ليس لأنها تعني زيادة في الإيرادات فقط، وإنما لأن الجباية في نهاية المطاف تمثل الوجه الأول للعمل الزكوي، بينما الاختبار الأصعب هو كيفية تحويل هذه الموارد إلى أثر اجتماعي ملموس.
من الجباية إلى المصارف.. هنا يكمن الاختبار الحقيقي
في محور المصارف الشرعية، بلغت نسبة الصرف الكلية 89%، وهو ما يعكس اتجاهاً واضحاً نحو توظيف الموارد في الأغراض التي تستهدفها الزكاة.
وكان مصرف الفقراء صاحب النصيب الأكبر من الصرف، حيث بلغت جملة ما تم صرفه خلال النصف الأول من العام 855 مليوناً و464 ألفاً و790 جنيهاً، استفاد منه 101,078 مستفيداً، بنسبة أداء بلغت 192% من المخطط ونحو 97% من نصيب المصرف.
ولم يقتصر الصرف على المساعدات المباشرة، وإنما شمل أسر الحماية الاجتماعية، والعلاج بشقيه الداخلي والخارجي، وجرحى العمليات، إلى جانب البرامج الموسمية، ومنها برنامج شهر رمضان للعام 1447هـ، وعيدا الفطر والأضحى.
كما امتد الصرف إلى شرائح متعددة، من الأسر المتعففة والمرضى بالمستشفيات الحكومية والأيتام وأسر الشهداء، إلى دعم الارتكازات وداخليات الطلاب والسجون، فضلاً عن دعم الفقراء في المحليات عبر لجان الزكاة القاعدية.
وهنا أعتقد أن قيمة العمل لا تقاس فقط بحجم الأموال المصروفة، وإنما بعدد الأبواب التي طرقها الديوان للوصول إلى المحتاجين.
مصرف المساكين.. تأجيل الإنفاق ليس تراجعاً
وفي مصرف المساكين، بلغ الصرف خلال النصف الأول 1.881 مليار جنيه، استفاد منه 692 مستفيداً، بنسبة أداء بلغت 89% من المخطط.
وقد تبدو النسبة منخفضة مقارنة ببعض المصارف الأخرى، إلا أن التقرير أوضح أن ذلك يرتبط برصد وتخصيص مبالغ من هذا المصرف لصالح النفرة الكبرى المقرر تنفيذها في أكتوبر المقبل.
وهذا يضعنا أمام مفهوم مختلف للصرف؛ فليس الهدف أن تنفق المؤسسة مواردها لمجرد تحقيق نسبة صرف مرتفعة، وإنما أن توجهها وفق الأولويات والبرامج الأكثر أثراً.
الغارمون.. الزكاة خلف أبواب السجون
أما مصرف الغارمين، فقد بلغت جملة الصرف فيه خلال النصف الأول من العام 762 مليوناً و374 ألفاً و287 جنيهاً، بنسبة أداء بلغت 179% من المخطط ونحو 91% من نصيب المصرف، واستفاد منه 1,312 شخصاً.
وشمل الصرف عدداً من نزلاء السجون وحالات الغرم الشرعي.
وهذا واحد من المصارف التي قد لا تحظى بالقدر الكافي من الانتباه عند الحديث عن الزكاة، رغم أن أثرها الإنساني والاجتماعي بالغ، لأنها تتعامل مع أشخاص قد تتحول الديون المستحقة عليهم إلى سبب في فقدان الحرية وتفكك الأسر.
في سبيل الله.. دعم يتجاوز المصارف التقليدية
وفي مصرف في سبيل الله، بلغ إجمالي الصرف خلال النصف الأول من العام 175 مليوناً و953 ألفاً و127 جنيهاً، بنسبة أداء بلغت 224% من المخطط و113% من نصيب المصرف، وفق التقرير.
وشمل الصرف 8,171 مؤسسة وفرداً.
كما أشار التقرير إلى أن نصيب الأمانة العامة من دعم القوات المسلحة ومخصص الدعوة والإعلام الاتحادي بلغ 470 مليوناً و728 ألفاً و175 جنيهاً، موضحاً أن ارتفاع نسبة الصرف إلى نصيب المصرف ارتبط بالدعم العيني الاتحادي، ومنه 1,500 جوال ذرة بما يعادل نحو 174 مليون جنيه.
18 مليار جنيه.. النفرة التي تستحق المتابعة
لكن ربما كان أكثر ما استوقفني خلال الاجتماع هو مقترح برنامج نفرة المصارف الكبرى المقرر تنفيذها في أكتوبر 2026، بإجمالي 18 مليار جنيه.
فالنفرة تستهدف، وفق ما عُرض على المجلس، الوصول إلى عشرات الآلاف من المستفيدين عبر برامج تمتد من المشروعات الفردية إلى المشروعات الجماعية والإنتاجية والخدمية، والتدريب، وإسناد المرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب مشروعات الصيد والزراعة والطاقة الشمسية والمياه ومحطات التحلية.
والهدف الأكثر أهمية هو السعي إلى إخراج نحو 950 أسرة من دائرة الفقر إلى مرحلة الاكتفاء.
وهذا تحديداً هو المعيار الذي ينبغي أن نحاسب به أي برنامج لمكافحة الفقر: ليس كم أسرة حصلت على مساعدة اليوم، وإنما كم أسرة تستطيع أن تقف على قدميها غداً.
الزكاة من الإغاثة إلى الإنتاج
من وجهة نظري، فإن انتقال ديوان الزكاة بالبحر الأحمر بصورة أكبر نحو المشروعات الإنتاجية يمثل اتجاهاً يستحق الدعم.
فالأسرة التي تحصل على مشروع صغير، والصياد الذي يحصل على أدوات تعينه على العمل، والمزارع الذي يحصل على التقاوي ومدخلات الإنتاج، والمرأة أو الشاب الذي يحصل على التدريب ووسيلة إنتاج، يمكن أن يتحولوا مع الوقت من مستفيدين إلى منتجين، وربما إلى مكلفين بالزكاة.
وهنا تتحول الزكاة من مواجهة آثار الفقر إلى معالجة أحد جذوره.
الوالي ومجلس الأمناء.. رقابة وإشادة في آن واحد
خلال الاجتماع، أدار والي البحر الأحمر ورئيس مجلس الأمناء النقاش بمتابعة واضحة، وطرح العديد من الاستفسارات حول ما ورد في التقرير.
واللافت أنه جمع بين الدور الرقابي والإشادة بالأداء، مؤكداً أن النقاش والاستفسارات لا تنتقص من حجم العمل الذي بذله الديوان.
وهذا في تقديري هو الشكل الصحي للعمل المؤسسي؛ فالمؤسسة الناجحة لا تخشى الأسئلة، ولا تعتبر المراجعة انتقاصاً من جهودها، وإنما تنظر إليها باعتبارها وسيلة لتطوير الأداء وضمان وصول الموارد إلى مستحقيها.
كما أن طريقة عرض التقرير أمام مجلس الأمناء، وما صاحبها من نقاش حول الجباية والمصارف والتحديات، تؤكد أهمية أن تكون الشفافية والمساءلة جزءاً أصيلاً من العمل الزكوي.
نقص العاملين.. تحدٍ لا ينبغي تجاهله
يبقى نقص الكادر البشري أحد أبرز التحديات التي تواجه الديوان، في ظل عمله بنسبة لا تتجاوز 52% من قوته الوظيفية.
لكن هناك مؤشراً إيجابياً يتمثل في فتح وظائف جديدة عبر مفوضية الاختيار، واجتياز عدد مقدر من المتقدمين للامتحانات، بما يرجح إمكانية تعزيز القوة العاملة خلال الفترة المقبلة.
وهي خطوة مهمة، لأن التوسع في الجباية والمصارف والبرامج الإنتاجية يحتاج بالضرورة إلى جهاز إداري وفني قادر على المتابعة والوصول إلى المحليات والقرى ومواقع الإنتاج.
المطلوب الآن.. حماية الأثر
التحديات التي تواجه النفرة كبيرة: ارتفاع معدلات الفقر، وآثار الحرب والنزوح، والتضخم، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، ومحدودية التخزين، وقلة العاملين ووسائل النقل، فضلاً عن ضعف أداء بعض لجان الزكاة القاعدية.
لكن نجاح الديوان في تحقيق جباية تجاوزت 42 مليار جنيه خلال ستة أشهر يضع أمامه مسؤولية أكبر: الحفاظ على هذه الموارد وتوجيهها بأعلى قدر من الكفاءة والشفافية.
فالأرقام الكبيرة في الجباية لا ينبغي أن تكون نهاية القصة، بل بدايتها.
والتحدي الحقيقي الذي ينتظر ديوان الزكاة بالبحر الأحمر في المرحلة المقبلة هو أن يرى المواطن أثر هذه الأموال في حياته، وأن تتحول النفرة من أرقام في تقرير إلى مشروعات قائمة، وأسر منتجة، ومياه تصل إلى المحتاجين، وشباب يجدون فرصة للعمل، ونساء يمتلكن أدوات الإنتاج، وأسر تخرج فعلاً من دائرة الفقر.
وأخيراً..
خرجت من اجتماع مجلس أمناء الزكاة بالبحر الأحمر بانطباع أن الديوان قطع شوطاً مهماً في تنظيم موارده وتوسيع جبايته وتنويع مصارفه، وأن هناك جهداً يستحق الإشادة من العاملين فيه، ومن أمين الديوان، ومن مجلس الأمناء الذي مارس دوره في المتابعة والنقاش، ومن والي الولاية الذي ترأس الاجتماع وحرص على الوقوف على التفاصيل.
والإشادة هنا ليست مجاملة، وإنما قراءة لما ورد في تقرير رسمي نوقش أمام مجلس الأمناء من أرقام ونتائج وبرامج.
لكن الإشادة الحقيقية ستكون في أكتوبر، عندما تبدأ نفرة الـ18 مليار جنيه.
فإذا تحولت هذه الأموال إلى مشروعات منتجة، واستطاعت النفرة أن تخرج مئات الأسر من الفقر إلى الاكتفاء، فسيكون ديوان الزكاة بالبحر الأحمر قد أثبت أن الزكاة ليست مجرد مال يُجمع ويُوزع، وإنما أداة لبناء الإنسان واستعادة قدرته على الاعتماد على نفسه.
وهذا هو النجاح الذي يستحق أن يُحتفى به.