من «مجلس أعلى للمرأة» إلى «مستشارية المرأة والطفل».. أين حق مريم الهندي؟ بقلم: محيي الدين شجر
من «مجلس أعلى للمرأة» إلى «مستشارية المرأة والطفل».. أين حق مريم الهندي؟
بقلم: محيي الدين شجر
بعد صدور قرار رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس بتعيين الأستاذة سليمي إسحق محمد رئيسةً لمستشارية المرأة والطفل بدرجة وزير اتحادي، توقفت أمام القرار طويلاً، ليس اعتراضاً على التعيين، ولا انتقاصاً من الأستاذة سليمي، وإنما لأن القرار أعاد إلى ذاكرتي فكرة طرحتها المهندسة والقيادية مريم الهندي قبل أكثر من عام، وكنت قد اطلعت شخصياً على الخطابين اللذين حملَا مقترحها إلى رئيس مجلس الوزراء. عبر مكتبه..
المسألة، في تقديري، تستحق أن تُقال بوضوح لا لبس فيه :
مريم الهندي كانت صاحبة فكرة إنشاء كيان مؤسسي أعلى ومستقل يُعنى بالمرأة السودانية، وطرحتها رسمياً إلى السيد كامل إدريس قبل أن نرى اليوم مستشارية للمرأة والطفل بدرجة وزير.
قد يختلف الاسم، وقد تختلف الصيغة التنظيمية، وقد تتوسع الاختصاصات لتشمل الطفل إلى جانب المرأة، لكن جوهر الفكرة واحد: رفع قضية المرأة من مجرد إدارة محدودة داخل وزارة إلى مستوى مؤسسي أعلى، يتمتع بوزن سياسي وصلاحيات أوسع وقدرة أكبر على صناعة القرار.
وهنا تحديداً يأتي حق مريم الهندي الذي ينبغي ألا يضيع وسط زحام القرارات والتعيينات.
خطاب أول.. ثم خطاب ثانٍ
كنت قد اطلعت على الخطاب الأول الذي تقدمت به مريم الهندي إلى رئيس مجلس الوزراء، والمؤرخ في 31 يوليو 2025، والذي طرحت فيه فكرة إنشاء مجلس أعلى أو قومي للمرأة السودانية.
ثم اطلعت على خطابها الثاني المؤرخ في 6 أغسطس 2025، والذي جاء استكمالاً للخطاب الأول، وفيه لم تكتفِ بطرح الفكرة، وإنما شرحت أسبابها ومبرراتها، وانتقلت إلى تقديم تصور أكثر تحديداً لطبيعة الجسم المقترح واختصاصاته.
وفي الخطاب الثاني، طرحت مريم الهندي خيارين واضحين أمام رئيس الوزراء:
إما تحويل إدارة المرأة إلى وزارة مستقلة لشؤون المرأة والتمكين،
أو إنشاء مجلس أعلى للمرأة يتبع لرئاسة مجلس الوزراء ويضع السياسات ويوجه الرؤية الوطنية.
و الطرح تضمن مبررات تتعلق بضعف تأثير الإدارة القائمة، ومحدودية صلاحياتها التنفيذية، وغياب الميزانية المستقلة، وضعف القدرة على بناء الشراكات الدولية، فضلاً عن عدم وجود استقلال مؤسسي كافٍ لقضايا المرأة.
كما أرفقت، ، تصوراً للهيكل المقترح.
واليوم أصبحت الفكرة قراراً
بعد أكثر من عام، يصدر رئيس مجلس الوزراء قرارا بإنشاء مستشارية للمرأة والطفل بدرجة وزير اتحادي.
وهنا لا يمكن تجاوز السؤال:
أين حق صاحبة الفكرة الأولى؟
قد يقول البعض إن المستشارية ليست مجلساً أعلى، وبالتالي لا توجد مطابقة حرفية بين المقترحين.
وهذا صحيح من ناحية التسمية والهيكل.
لكن القضية ليست في تطابق الاسم، وإنما في جوهر التحول المؤسسي.
مريم الهندي طالبت برفع مستوى الاهتمام الرسمي بالمرأة إلى كيان أعلى من إدارة صغيرة داخل وزارة، والدولة اليوم تنشئ كياناً جديداً للمرأة والطفل بدرجة وزير.
هذه نقطة التشابه التي لا يمكن تجاهلها.
لا أحد يملك الأفكار.. لكن لصاحب المبادرة حق الاعتراف
من الطبيعي أن تكون للدولة رؤيتها الخاصة، وأن تعيد صياغة المقترحات التي تصل إليها، وأن تغير أسماء المؤسسات واختصاصاتها وهياكلها.
لكن هناك فرقاً بين تبني الفكرة وتطويرها وبين إسقاط اسم صاحب المبادرة منها تماماً.
ليس من الضروري أن تتولى مريم الهندي المنصب حتى يُحفظ حقها.
وليس من الضروري أيضاً أن تُقصى الأستاذة سليمي إسحق من موقعها حتى تحصل مريم على حقها الاعتباري.
الاثنان يمكن أن يجتمعا دون تناقض.
سليمي إسحق تتولى اليوم مسؤولية المؤسسة الجديدة، وهذا حقها وتكليفها، أما مريم الهندي فلها حق سابق يتعلق بالفكرة والمبادرة والطرح.
ومن الإنصاف أن يُقال ذلك صراحة.
وهل كانت مريم أولى بالمنصب؟
هذا سؤال آخر لا يمكن تجاهله، وإن كان يحتاج إلى قدر من الهدوء والموضوعية.
عندما اطلعت على الخطابين في وقت سابق، قلت في سري إن مريم الهندي، التي سبق أن طُرح اسمها لمنصب رئيس الوزراء، كما طُرح اسمها لمنصب وزير شؤون مجلس الوزراء، هي من الأسماء التي كان يمكن النظر إليها بجدية لتولي مسؤولية الكيان الذي اقترحته بنفسها.
ليس لأنها صاحبة الفكرة فقط، وإنما لأن صاحب المبادرة حين يقدم تصوراً متكاملاً ويطالب بإنشاء مؤسسة جديدة، يكون من الطبيعي أن يُنظر إليه ضمن دائرة المرشحين لتولي مسؤولية تحويل الفكرة إلى واقع.
لكن اختيار شخص آخر للمنصب لا يلغي حق صاحبة المقترح.
وهنا ينبغي الفصل بين أمرين:
حق الدولة في اختيار من تراه مناسباً، وحق صاحب الفكرة في الاعتراف بسبقه.
وفي المقابل، ليس من العدل أن يمر القرار وكأن فكرة رفع مستوى تمثيل المرأة إلى كيان أعلى قد ولدت اليوم مع صدور القرار.
الفكرة لها تاريخ، ولها صاحبة، ولها خطابات وتواريخ ومسار يمكن الرجوع إليه.
وهذا هو جوهر القضية.
حق مريم لا يتعارض مع نجاح المستشارية
بل على العكس.
إذا نجحت مستشارية المرأة والطفل في أداء دورها، ونجحت الأستاذة سليمي إسحق في تحويلها إلى مؤسسة فاعلة، فإن ذلك لا ينتقص من مريم الهندي، وإنما يؤكد أن الفكرة التي دافعت عنها كانت في الاتجاه الصحيح.
والأجمل أن تُذكر مريم باعتبارها إحدى صاحبات المبادرات المبكرة التي دفعت باتجاه إنشاء كيان أعلى للمرأة السودانية، وأن يُقال إن مقترحها كان سابقاً لقيام المؤسسة بصيغتها الحالية.
هذا هو الإنصاف.
لا سحب للقرار، ولا انتقاص من الوزيرة، ولا مطالبة بإلغاء التعيين.
فقط الاعتراف بأن هناك من سبق إلى الفكرة.
«براءة الاقتراح» لا «ملكية المنصب»
مريم الهندي لا تحتاج، في هذه القضية، إلى أن نقول إن المنصب ملك لها لأنها اقترحت إنشاء المؤسسة.
المناصب العامة ليست ملكاً لأحد.
لكن للأفكار أصحابها، وللمبادرات أصحاب سبق، وللتصورات أصحاب فضل.
ولهذا فإن التعبير الأدق ربما يكون:
مريم الهندي لا تطالب بملكية المنصب، وإنما بحقها في «براءة الاقتراح».
وإذا كانت مستشارية المرأة والطفل اليوم قد جاءت استجابة لحاجة حقيقية في الدولة السودانية، فإن الاعتراف بمن سبق إلى طرح فكرة رفع الملف إلى مستوى مؤسسي أعلى لن يضعف القرار، بل سيجعله أكثر احتراماً.
كلمة أخيرة
حين قرأت خطابَي مريم الهندي في وقت سابق، لم أكن أعرف أنني سأعود إليهما بعد أكثر من عام، وأنا أرى فكرة قريبة من مقترحها تتحول إلى قرار رسمي.
لكنني عدت إليهما اليوم.
ولذلك أكتب هذه الكلمات لا دفاعاً عن منصب، ولا اعتراضاً على تعيين، وإنما دفاعاً عن حق أدبي واعتباري لا ينبغي أن يضيع.
فقد تختلف المسميات:
مجلس أعلى للمرأة.. وزارة لشؤون المرأة والتمكين.. مستشارية للمرأة والطفل.
وقد تختلف الهياكل والصلاحيات.
لكن يبقى السؤال قائماً:
من طرحت الفكرة قبل أن تصبح قراراً؟
والإجابة، بالنسبة لي، واضحة:
إنها مريم الهندي.
ومن الإنصاف أن يُقال ذلك.
فقد يذهب المنصب إلى شخص آخر، وقد تتغير التسمية، وقد تتبدل الهياكل، لكن لا ينبغي أن تتبدل ذاكرة الفكرة، ولا أن يُمحى اسم صاحب المبادرة منها.