محمد طه محمد أحمد.. عشرون عاماً على رحيل «النسيج المتفرد» بقلم : محيي الدين شجر

محمد طه محمد أحمد.. عشرون عاماً على رحيل «النسيج المتفرد»
بقلم : محيي الدين شجر

في مثل هذا اليوم، السادس من سبتمبر، تمر عشرون عاماً على الرحيل المفجع للكاتب والصحفي السوداني محمد طه محمد أحمد، الذي اغتيل بعد اختطافه من منزله بحي كوبر في الخرطوم مساء الخامس من سبتمبر 2006، في واقعة هزّت الوسط الصحفي والرأي العام السوداني، وظلت واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في تاريخ الصحافة السودانية.

لم يكن رحيل محمد طه مجرد غياب صحفي وكاتب عن المشهد؛ فقد كان الطريقة التي غاب بها صادمة بقدر ما كان الرجل حاضراً في الحياة الصحفية. اختطافه من منزله ليلاً، ثم العثور عليه مقتولاً في اليوم التالي، ترك جرحاً عميقاً في ذاكرة زملائه وأسرته وقراءه، وطرح في ذلك الوقت أسئلة كبيرة حول أمن الصحفيين وحدود حرية الكلمة في السودان.

عشرون عاماً مضت، وما زال السادس من سبتمبر يحمل تلك القسوة في الذاكرة.

وما يجعل استعادة محمد طه اليوم مختلفة بالنسبة لي، أنني لا أتذكره فقط باعتباره اسماً كبيراً في الصحافة السودانية، وإنما أتذكر تجربة صحفية وإنسانية دفعتني، بعد رحيله ، إلى تأليف كتاب عن جانب من حياته وتجربته حمل عنوان «محمد طه محمد أحمد.. النسيج المتفرد».

عرفته الصحافة السودانية كاتباً لا يجيد الوقوف في المنطقة الرمادية. كان يكتب كما يفكر، ويدخل إلى القضايا من أبوابها الصعبة، ويترك خلف كل مقال مساحة واسعة للنقاش والاختلاف. وربما لهذا السبب ظل حاضراً في الذاكرة أكثر من كثيرين سبقوه أو جاءوا بعده.

ومن أكثر ما يلفتني في تجربته الصحفية أنه لم يكن أسيراً للخبر بمعناه التقليدي. وعندما أسس صحيفة «الوفاق»، كان واضحاً أنه يريد لها أن تكون أكثر من صحيفة تنقل الأخبار اليومية؛ أرادها منبراً للرأي، ومساحة للتقارير والتحليلات، ومكاناً يذهب فيه الصحفي إلى ما وراء الخبر بحثاً عن تفسير وخلفيات ومواقف.

كان الخبر عند محمد طه بداية الحكاية وليس نهايتها. فما يهمه لم يكن فقط أن يعرف القارئ ماذا حدث، وإنما أن يسأل: لماذا حدث؟ وما الذي يقف خلفه؟ وإلى أين يمكن أن تقود هذه الأحداث؟
وبعد عشرين عاما هل يمكن أن نقول ان تجربته كانت صائبة والصحافة الإلكترونية اضحت تنقل الأخبار على رأس الثانية..

ومن هنا اكتسبت «الوفاق» شيئاً من شخصية مؤسسها. كانت صحيفة لها صوت واضح، واهتمام كبير بالمقال والتحليل والتقرير، ولم تكن المنافسة عندها تقوم فقط على السبق في نشر الخبر، وإنما على تقديم قراءة مختلفة لما وراء الخبر.

وأعتقد أن هذه النقطة مهمة في فهم شخصية محمد طه الصحفية؛ فقد كان يرى الصحافة باعتبارها أداة للتأثير وصناعة النقاش العام، لا مجرد وسيلة لنقل الوقائع.

وبعد عشرين عاماً، أجد أن الطريقة التي رحل بها محمد طه تجعل الحديث عن تجربته الصحفية أكثر إلحاحاً. فالصحفي يمكن أن يختلف معه القارئ، ويمكن أن يناقش مواقفه ويعارض أفكاره، لكن لا ينبغي أن يكون ثمن الكلمة حياة صاحبها.

وهنا تحديداً تكمن فجيعة السادس من سبتمبر؛ أن صحفياً كان حاضراً بقلمه في الحياة السودانية، وجد نفسه مغيباً عنها بالقوة، تاركاً وراءه أسئلة لم تنتهِ برحيله.

لقد تغيرت الصحافة السودانية كثيراً خلال عشرين عاماً. تغيرت الصحف والمنصات والأدوات، وأصبح الخبر يصل إلى القارئ في ثوانٍ، لكن الحاجة إلى الرأي والتحليل والتفسير التي كان محمد طه يوليها اهتماماً كبيراً لم تتغير.

وربما لهذا السبب ما زالت تجربته تستحق أن تُقرأ، لا باعتبارها صفحة مغلقة في تاريخ الصحافة، وإنما باعتبارها جزءاً من تاريخ مهنة لا تزال تبحث عن إجابات لأسئلة الحرية والمسؤولية والاستقلال.

أستعيد اليوم كتابي «محمد طه محمد أحمد.. النسيج المتفرد»، الذي كتبته بعد رحيله بوقت قصير، لا باعتباره كتاباً جديداً، وإنما باعتباره شهادة كتبت في زمن كانت فيه صدمة الرحيل لا تزال حاضرة، وكانت الحاجة إلى توثيق جانب من حياة الرجل أكبر من مجرد الاكتفاء برثائه.

اخترت يومها عنوان «النسيج المتفرد» لأنني كنت أرى أن محمد طه لم يكن شخصية يمكن اختزالها في موقف واحد أو مرحلة واحدة أو مقال واحد. كان صحفياً وكاتباً وصاحب رأي وشخصية مثيرة للجدل، وفي كل ذلك كان له حضوره الخاص.

بعد عشرين عاماً، لا أملك إلا أن أقول إن بعض الأشخاص يغيبون عن الحياة، لكنهم لا يغادرون الذاكرة.

ومحمد طه محمد أحمد واحد من هؤلاء.

رحمه الله، ورحم كل من رحلوا وهم يحملون أقلامهم وأحلامهم، وجعل ما تركوه من أثر شاهداً على حياتهم.

ويبقى السادس من سبتمبر، ذكرى لاستاذ تعلمت منه الكثير وقلم وتجربة، وذكرى لواحد من أكثر الرحلات الصحفية اختلافاً وإثارة في تاريخ الصحافة السودانية