طالبة طب سودانية تفتح باب الأمل لفاقدي السند.. مشروع بحثي لاستعادة الهوية ولمّ شمل العائلات

ابنة إعلامية سودانية تفتح ملف «فاقدي السند» بفكرة طبية جريئة.. طالبة طب تقترح الاستعانة بالـDNA لاستعادة الهوية والعائلة

طالبة طب سودانية تضع البصمة الوراثية في مواجهة واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيداً.. مشروع بحثي قد يفتح الطريق أمام فاقدي السند لمعرفة أصولهم واستعادة حقهم في الهوية

في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه الأطفال مجهولي النسب أو فاقدي السند في السودان، برزت فكرة بحثية تقودها طالبة طب سودانية، تسعى إلى توظيف العلم والتكنولوجيا في معالجة واحدة من أكثر القضايا الإنسانية والقانونية حساسية، عبر الاستفادة من البصمة الوراثية (DNA) في التعرف على الهوية وربط الأطفال المجهولين بأسرهم البيولوجية.

وطرحت هبة ياسر، طالبة الطب بكلية الرياض العالمية، مشروعاً بحثياً بعنوان:

Assessing the Feasibility of a Genetic-Assisted Family Identification and Reunification System for Unidentified Newborns in Sudan

ويبحث المشروع إمكانية إنشاء منظومة تساعد في تحديد هوية الأطفال حديثي الولادة مجهولي الهوية، وربطهم بأسرهم البيولوجية عند توافر البيانات والعينات الوراثية اللازمة، بما قد يساهم مستقبلاً في معالجة جانب مهم من أزمة فاقدي السند في السودان.

من «مجهول الهوية» إلى إنسان يحمل اسماً وعائلة

الفكرة التي تطرحها هبة لا تتوقف عند الجانب الطبي، وإنما تمتد إلى أبعاد قانونية واجتماعية وإنسانية واسعة؛ فالهوية ليست مجرد رقم في سجل مدني، وإنما بوابة للحصول على عدد كبير من الحقوق، بينها التعليم والعلاج والمعاملات الرسمية وإثبات صلات القرابة.

ويقوم التصور البحثي على إمكانية إدراج السجلات الوراثية ضمن منظومة بيانات الهوية الوطنية وفق ضوابط قانونية وتقنية صارمة، والاستفادة من تقنيات الفحص الجيني عند الحاجة لإثبات صلات القرابة والوصول إلى الهوية البيولوجية.

وفي حال تطوير الفكرة واعتمادها بعد استكمال الدراسات اللازمة، يمكن أن تصبح مثل هذه المنظومة أداة مساعدة في التعامل مع حالات الأطفال الذين فقدوا معلوماتهم الأسرية أو تعذر التعرف على ذويهم، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي مر بها السودان وما رافقها من نزوح وتشتت للأسر وفقدان للوثائق والبيانات.

الحرب تضاعف الحاجة إلى حلول جديدة

وتكتسب الفكرة أهمية إضافية في ظل الحرب التي شهدها السودان منذ أبريل 2023، وما ترتب عليها من نزوح واسع وتشتت للأسر وفقدان للوثائق والاتصال بين أفراد العائلات، وهي ظروف تجعل البحث عن وسائل علمية لحفظ الهوية ولمّ شمل الأسر قضية تتجاوز الإطار التقليدي.

غير أن تطبيق أي نظام يعتمد على البيانات الوراثية يحتاج إلى تشريعات واضحة وضمانات قوية لحماية الخصوصية، لأن المعلومات الجينية من أكثر أنواع البيانات الشخصية حساسية.

ومن أبرز الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات قبل الانتقال من الفكرة إلى التطبيق: من يملك البيانات الوراثية؟ ومن يحق له الوصول إليها؟ وكيف يتم تخزينها؟ وما الجهات المخولة باستخدامها؟ وما الضمانات التي تمنع تسريبها أو استغلالها في غير الأغراض المحددة قانوناً؟

مشروع طالبة.. وفكرة قابلة لأن تتحول إلى دراسة وطنية

المشروع، في مرحلته الحالية، فكرة بحثية وليست نظاماً مطبقاً على أرض الواقع، ويحتاج إلى مزيد من الدراسات العلمية والقانونية والأخلاقية والتقنية، إلى جانب تقييم التكلفة والبنية التحتية المطلوبة لإنشاء قواعد بيانات وراثية آمنة.

لكن أهمية المشروع تكمن في أنه يحاول نقل قضية فاقدي السند من دائرة المعالجات التقليدية إلى مساحة جديدة تستفيد من التطور العلمي في مجال الوراثة والطب الشرعي وقواعد البيانات.

وقد يكون تطوير الفكرة مستقبلاً بحاجة إلى تعاون بين الجامعات وكليات الطب والمختبرات المتخصصة ووزارة الصحة والجهات المسؤولة عن السجل المدني ووزارة العدل والجهات المعنية بحماية الطفل، بما يسمح بدراسة إمكانية إنشاء نموذج سوداني يستجيب للواقع المحلي ويحمي في الوقت نفسه حقوق الأفراد وخصوصيتهم.

ابنة الإعلامية سهام منصور

وتحظى هبة ياسر باهتمام أسرتها، إذ إنها ابنة الإعلامية السودانية سهام منصور، التي تتابع المشروع وتسعى إلى أن يجد الاهتمام والرعاية من المؤسسات العلمية والجهات المختصة، أملاً في أن تتجاوز الفكرة حدود مشروع طلابي إلى بحث أوسع يمكن تقييمه وتطويره والاستفادة منه إذا أثبتت الدراسات العلمية والقانونية جدواه.

وتقدم هبة، من خلال مشروعها، نموذجاً لدور طلاب الجامعات في محاولة التعامل مع قضايا المجتمع من زاوية علمية، بدلاً من الاكتفاء بتشخيص المشكلة، عبر البحث عن حلول تستند إلى تخصصاتهم الأكاديمية والتطورات العلمية الحديثة.

وفي بلد أنهكته الحرب والنزوح وفقدان الوثائق وتشتت الأسر، تبدو قضية الهوية ولمّ شمل العائلات واحدة من الملفات التي تستحق البحث الجاد.

وقد لا تكون البصمة الوراثية حلاً سحرياً لكل حالات فاقدي السند، لكنها يمكن ــ إذا ثبتت جدواها ووُضعت لها الضوابط اللازمة ــ أن تصبح أداة علمية إضافية تساعد بعض السودانيين على الإجابة عن سؤال بالغ القسوة: من أنا؟ ومن أين أتيت؟ وأين عائلتي؟