ضفاف/ نصر الدين بخيت العقابي: مساوي.. حين يغني الشمال للوطن
ضفاف
نصر الدين بخيت العقابي
مساوي.. حين يغني الشمال للوطن
مساوي ليست قرية تُذكر في سطر من تاريخ السودان، ولا اسماً يقف عند حدود الجغرافيا. مساوي أرضٌ ولدت الرجال، وأنجبت عظيمات النساء، وخرج من تربتها رجالٌ حملوا أسماءهم وتجاربهم إلى فضاءات السودان، وأسهموا في صناعة شيء من تاريخه القديم والحديث.
هي الأرض التي ارتبط اسمها بالخليفة الزعيم الميرغني الكبير، وخرج من رحمها رجالٌ عرفوا معنى القيادة والمسؤولية، وعرفوا أن خدمة الوطن ليست موقعاً وظيفياً ولا لقباً يُعلّق على الأبواب، وإنما أثرٌ يبقى في حياة الناس وفي مسيرة البلاد.
وفي سجل أبناء هذه المنطقة نماذج وطنية كثيرة ممن حملوا مسؤوليات كبيرة في الدولة، وفي الإدارة والإنتاج والهندسة والسياسة، وأسهموا في مشروعات كان لها أثرها في مسيرة السودان. ومن بينهم من ارتبط اسمه بمراحل مهمة من العمل في قطاع الكهرباء والسدود، وامتدت مسؤولياته إلى الإشراف على دراسات وتمويل وتنفيذ مشروعات السدود ومحطات إنتاج الكهرباء وشبكات نقلها وتوزيعها.
وما تزال تلك المنشآت، بما أُنجز فيها من جهد، تقف شامخة شاهدة على أن أبناء هذه الأرض لم يكونوا بعيدين عن مشاريع بناء الدولة، بل كانوا في قلب كثير من مراحلها ومؤسساتها.
ولست أذكر هذا لأفتح باباً للمدح أو الخلاف حول الأشخاص، وإنما لأقول إن مساوي حين تُذكر، فإنما تُذكر معها سيرة منطقة رفدت السودان برجال ونساء كان لهم حضورهم في الشأن العام، وتركوا آثاراً تستحق أن تُقرأ في سياق تاريخ السودان الحديث.
لكنني، في الحقيقة، لم أكتب اليوم عن مساوي بسبب تاريخ أحد أبنائها وحده.
ما دفعني للكتابة عن مساوي اليوم شيء آخر.
لقد سمعت مقاتلين كراماً، رجالاً يقفون في الصحراء في الصفوف الأمامية، من أبطال المشتركة، يتحدثون عن الفنانة أحلام مساوي، وسمعت في كلماتهم ما استوقفني طويلاً.
كانوا يفتخرون بها، ويشيدون بمواقفها، ويصفونها بأنها:
«أخت المشتركة».
توقفت عند هذه العبارة.
لأن بعض الكلمات، في أوقات الحرب، تحمل من المعاني ما يفوق حروفها.
حين يقول مقاتل يقف في الصحراء، بعيداً عن أهله وبيته، إن فنانة من شمال السودان هي «أخت المشتركة»، فهو لا يتحدث عن صوت فني فحسب، وإنما يتحدث عن معنى أكبر؛ عن سوداني يرى في سوداني آخر أخاً له، مهما اختلفت الجهة والقبيلة واللون واللهجة.
وهنا تكمن قيمة موقف أحلام مساوي.
هي لم تكن في الصفوف الأمامية تحمل السلاح، لكنها حملت صوتها إلى حيث يقف الرجال.
وفي الحروب، ليست كل المعارك بندقية.
هناك معركة بالكلمة، ومعركة بالموقف، ومعركة بالصورة، ومعركة بالأغنية، وهناك معركة أعمق من كل ذلك: معركة الوعي.
فالعدو الذي يريد للسودان أن يتفتت لا يحتاج دائماً إلى أن يهزم الجيش في الميدان؛ يكفيه أن ينجح في زرع الكراهية بين السودانيين، وأن يقنع الشمالي بأن الغربي عدوه، والشرقي بأن الوسطي خصمه، وأن يجعل القبيلة وطناً بديلاً عن الوطن.
ولهذا فإن فنانة من الشمال تقف بصوتها إلى جانب مقاتلين من مختلف جهات السودان، وتجد نفسها في وجدانهم «أختاً للمشتركة»، إنما تقدم رسالة تتجاوز حدود الفن.
إنها تقول بصوتها:
نحن سودانيون أولاً.
وهذه الرسالة، في زمن الحرب، ليست صغيرة.
والمشتركة نفسها تستحق هنا تحية خاصة، لا باعتبارها قوة تقاتل في الميدان فحسب، وإنما بما قدمه أبناؤها من صورة وطنية مشرقة، وما أظهروه من شجاعة وفراسة وصبر، ومن التحام مع القوات المسلحة في خندق واحد، ووقوف معها في الصف نفسه دفاعاً عن الأرض والإنسان والدولة.
إن هذا الالتحام في حد ذاته رسالة وطنية عميقة؛ فحين يقف أبناء دارفور إلى جانب أبناء بقية السودان في صف واحد، وتلتقي القلوب والبنادق تحت راية الوطن، فإن ذلك يؤكد أن السودان، في جوهره، وطن واحد، وأن الهوية السودانية أوسع من القبيلة والجهة، وأن جغرافيا الوطن لا يمكن أن تمزقها دعاوى العنصرية أو مشاريع التمرد.
وتحية خاصة للقيادة السياسية والعسكرية للمشتركة، ولرجالها الذين اختاروا أن يكونوا في موقع المسؤولية الوطنية في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ السودان. لقد أثبتوا أن دارفور ليست هامشاً في السودان، وليست أرضاً خارج الوطن، وإنما هي قلب أصيل من قلب هذا البلد، وجزء عزيز من تاريخه وحاضره ومستقبله.
دارفور أرض السودان، وأهل دارفور أهل السودان.
ومن أراد أن يفهم السودان، فعليه أن ينظر إلى المشهد كاملاً؛ إلى مقاتل من دارفور يقف مع القوات المسلحة، وإلى فنانة من الشمال تغني له، وإلى سوداني من الشرق والوسط والجنوب يقف في المكان نفسه دفاعاً عن وطن واحد.
هنا تسقط أوهام العنصرية.
وهنا تتهاوى دعاوى الذين يريدون اختزال السودان في قبيلة أو جهة.
وهنا أيضاً يصبح الرد على كل عنصري ومتمرد واضحاً:
دارفور ليست وطناً منفصلاً، ولن تكون. دارفور أرض السودان، وأهلها جزء أصيل من الشعب السوداني.
المشتركة، في معناها الوطني، صورة من صور السودان الذي نريده؛ سودان تتجاور فيه الجهات، وتتلاقى فيه القبائل، وتلتقي فيه الألوان واللهجات، تحت راية وطن واحد.
ولذلك لم أستغرب أن يسمّي أولئك الرجال أحلام مساوي «أخت المشتركة».
فبين مساوي والصحراء مسافة طويلة في الجغرافيا، لكنها قصيرة جداً في وجدان الوطن.
حين يصل صوت من الشمال إلى مقاتل يقف في الصحراء، فيسمعه وكأنه صوت أهله، فهذه لحظة تكشف شيئاً مهماً عن السودان: أن ما يجمع أبناءه، في لحظات الحقيقة، أعمق من كل ما يحاول أصحاب الفتن أن يزرعوه بينهم.
أحلام مساوي لم تغنِّ للمشتركة وحدها.
لقد غنت لمعنى السودان الذي يريد أن يبقى موحداً.
غنت للقوات المسلحة، وللقوات النظامية، وللمشتركة، وللمقاتلين الذين يقفون في ميادين القتال، ولأسر الشهداء، وللجرحى، ولكل سوداني يرى أن هذا الوطن يستحق أن نحمي وحدته قبل أن نختلف على تفاصيله.
ولهذا فإن التحية لها ليست لأنها فنانة فقط، وإنما لأنها أدركت أن للفن مسؤولية عندما يمر الوطن بمحنة.
قد تختلف الأذواق، وقد تختلف القراءات، وقد يختلف الناس في تقييم الأشخاص والمواقف، وهذا من طبيعة الحياة.
لكن هناك لحظات يصبح فيها السؤال أكبر من كل الخلافات:
مع من يقف قلبك عندما يكون الوطن في المحنة؟
وفي هذه اللحظة أقول لأحلام مساوي:
أنا أيضاً أخ لكل أولئك المقاتلين الذين يقفون في الصفوف الأمامية، بكل تشكيلاتهم وتنوعهم، دفاعاً عن الأرض والوطن، وعن كرامة الإنسان السوداني، وعن نساء السودان وأطفاله ومدنيه الذين دفعوا ثمناً باهظاً لهذه الحرب.
التحية للقوات المسلحة السودانية، والتحية للقوات النظامية، والتحية للمشتركة، ودرع السودان، والبراون، والمقاومة الشعبية، ولكل من يقف دفاعاً عن السودان وأمنه ووحدته.
والرحمة لشهداء الوطن، والشفاء العاجل للجرحى والمصابين.
أما مساوي، فإنني كلما حاولت الكتابة عنها شعرت أن المقال الواحد لا يكفي.
تحتاج مساوي إلى أن نجلس في جزيرتها ومسيدها أياماً، وأن نصغي إلى أهلها، ونستمع إلى حكاياتها، ونقرأ سير رجالها ونسائها، ثم نحاول أن نكتب.
فأنا لست من مساوي، وزرتها في حياتي مرة واحدة فقط، لكنني عرفت بعض أبنائها وبناتها في العمل العام، ورأيت في حضورهم شيئاً يجعلني أؤمن بأن بعض القرى أكبر من مساحتها الجغرافية، وأن بعض الأماكن تختزن من التاريخ ما يحتاج إلى صفحات طويلة حتى يُروى.
مساوي واحدة من تلك الأماكن.
أرض ولدت رجالاً، وأنجبت نساءً، ورفدت السودان بتجارب وأسماء، واليوم يصل صوت إحدى بناتها إلى رجال يقفون في الصحراء، فيسمونها باسم لا تمنحه الألقاب الرسمية:
أخت المشتركة.
وما أجمل أن تكون الكلمة جسراً بين الشمال والغرب، وبين القرية والصحراء، وبين الفنانة والمقاتل.
وما أجمل أن ينتصر صوت السودان على أصوات الكراهية.
فالسودان الذي نحلم به ليس سوداناً تتشابه فيه الوجوه، وإنما سودان تتعدد فيه الوجوه ويبقى القلب واحداً.
سودان لا يخاف من تنوعه، ولا يجعل اختلاف أبنائه سلاحاً ضد بعضهم.
سودان يعرف أن الشمال ليس بعيداً عن الغرب، وأن الشرق ليس غريباً عن الوسط، وأن دارفور ليست خارج قلب السودان، وأن كل هذه الجهات، مهما تباعدت خرائطها، تنتهي عند معنى واحد اسمه:
الوطن.
ولذلك، حين يقول مقاتل في الصحراء لفنانة من مساوي:
أنتِ أختنا.
فإن السودان كله، في تلك اللحظة، يكون قد قال كلمته.
شعب واحد.. جيش واحد.. ووطن واحد.