ليلة خريفية / اميمة عثمان
في تلك الأجواء الخريفية، جلست تحتضن مفكرتها، وغاصت في الأعماق البعيدة من ذاكرتها؛ حيث لا تعود الأشياء كما حدثت، بل كما أصر القلب على الاحتفاظ بها.
تذكرت تلك الليلة الخريفية التي التقت فيها به.
كانت قد خرجت من المنزل لتتأمل ما خلّفته الأمطار من مياه عالقة حول البيوت وفي تجاويف الطرقات. وقفت وسط بركة من الماء، وكانت أصوات الضفادع تشكل جوقة موسيقية عالية، تتصاعد حينًا وتنخفض حينًا، بينما كانت رائحة المطر والطين تملأ المكان، كأن الأرض نفسها كانت تفتح صدرها بعد عطش طويل.
وعلى مقربة منها، كان صبية يخوضون في المياه، يغمرهم الفرح، ويتعمدون القفز في البرك وكأنهم لم يتعلموا بعد أن يخافوا من الأشياء التي يخشاها الكبار.
تأملت المشهد طويلًا.
لطالما تغنى الشعراء والمغنون بالأمسيات الماطرة، بالمطر، وبالطرقات المبللة، وبذلك الحنين الغامض الذي يتركه المساء في الروح. لكنهم ربما تناسوا عمدًا التفاصيل الأخرى؛ تلك البيوت الطينية التي تستمر في الذوبان عامًا إثر عام، والجدران التي تتهالك تحت وطأة المواسم، ولولا محاولات الترميم والتجديد البدائية، السابقة واللاحقة لمواسم الخريف، لما بقي منها شيء.
وفكرت أن الإنسان ربما يشبه تلك البيوت أكثر مما يظن؛ نقضي أعمارنا في ترميم ما يتصدع في داخلنا، ونخفي آثار الانهيار بطبقات جديدة من النسيان، ثم نسمّي قدرتنا على البقاء حياة.
مرت بخاطرها مئات الأسئلة.
وفجأة، جاء الصوت.
شقّ سكون الليل، ثم ارتد صداه بين الأزقة، كأنه إيقاع غامض يغمر المكان.
التفتت.
فإذا به رجل في الأربعين، حاد النظرات، أسمر مائل إلى الخلاسية، بشارب أسود، وشعر مهجّن بين السواد وشُهبة قليلة، وعلى وجهه نثار من الشامات الموزعة بعفوية. وبين أصابعه كانت سيجارة «البرنجي»، يتصاعد دخانها ببطء، ثم يتلاشى في طرقات الليل.
وقفت مشدوهة.
كانت قد سمعت عنه من قبل.
قالوا: سكير، عربيد، شيوعي، غريب الأطوار.
وكما يفعل الناس دائمًا، اختصروا إنسانًا كاملًا في كلمات قليلة، ثم تناقلوا الكلمات حتى أصبحت حقيقة.
لكنها، وهي تراه للمرة الأولى، لم ترَ كل ما قيل عنه.
رأت رجلًا يقف وحيدًا تحت سماء مثقلة بالمطر، يحيط به دخان سيجارته، ويخفي خلف حدة عينيه شيئًا لم تستطع أن تسميه.
ولم تكن تعرف أن تلك اللحظة العابرة ستصبح فيما بعد من أكثر اللحظات رسوخًا في ذاكرتها.
فبعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا من أبوابها المعتادة؛ يدخلون من شقوق لا نراها، ثم يستقرون في مكان لا تصل إليه محاولات النسيان.
يسكن في أروقة القلب، ملتصقًا بكل حجرة من حجراته.
يصادق كل الخفقات، ويتنزه في كل الأوردة حتى يحفظه القلب عن ظهر قلب.
كان، حين تغفو العين، وما زال، يتسلل إلى حجرة أحلامها خلسة، ويطاردها حلمًا حلمًا، حتى يسودها بالاكتـمال.
تستدعيه أبسط الأشياء.
رائحة المطر.
صوت بعيد.
لحن عابر.
مكان لم تعد تزوره.
ثم يظهر.
مرارًا وتكرارًا.
عند كل خفقة قلب، وكل شاردة ذهن، وكل لحظة صمت تظن أنها نجت فيها منه.
ثم يرسي ارتباطه في أعماق لحن هذا الغناء أو ذاك، حتى يصبح من الصعب عليها أن تعرف: هل تسمع الأغنية فتتذكره، أم أن تذكره هو الذي يجعل للأغنية معنى؟
عبثًا حاولت محوه.
تجاهله.
نسيانه.
بل حاولت أن تحلّ غيره مكانه.
لكن بعض الأشياء لا تُمحى بالإرادة، لأنها لم تبدأ بالإرادة أصلًا.
كان مشبعًا بالإصرار، كأنه مخلوق معها منذ ولدت؛ كأنه بقية حواسها الخمس، أو جزء لا يتجزأ من رفرفة روحها.
وحينها أدركت أن ما نسميه حبًا قد لا يكون دائمًا اختيارًا، وأن بعض اللقاءات لا نذهب إليها بإرادتنا، بل يقودنا إليها شيء أقدم من إرادتنا وأعمق منها.
القدر.
ذلك الشيء الغامض الذي لا نراه وهو يكتب، لكننا نراه حين يبدأ في إظهار سطوره أمامنا.
مكتوب.
محفوظ.
لا يُمحى ولا يُنسى.
وقد يشعر الإنسان به في لحظة خالية من كل شيء إلا منه؛ فيرتبك، لأنه لا يعرف لماذا اختار هذا الوجه بالذات أن يسكن ذاكرته، ولماذا بقي شخص عابر في حياته أكثر حضورًا من أشخاص أقاموا فيها أعوامًا.
وربما لأن بعض اللقاءات لا تأتي لتمنحنا شخصًا، بل لتكشف لنا جزءًا من أنفسنا لم نكن نعرف أنه موجود.
ذلك الرجل الذي التقت به في ليلة خريفية، وسط الماء والطين ودخان «البرنجي»، لم يكن يعرف أنها ستحتفظ بصوته في مكان ما من قلبها، ولم تكن هي تعرف أن تلك النظرة العابرة ستفتح في ذاكرتها بابًا لن يغلق بسهولة.
ولم تكن تعرف أيضًا أن القدر، حين يضع شخصًا في طريق شخص آخر، لا يشرح أسبابه.
فهو لا يقول لماذا الآن، ولا لماذا هو، ولا لماذا هي.
يكتفي بأن يترك اللقاء يحدث.
ثم يمضي.
ويترك لنا بقية العمر كي نفهم.
وربما كان ذلك اللقاء قد كتب عليه أن يكتمل، كما هو مأمور في اللوح المحفوظ، وربما لم يكن مقدرًا له إلا أن يظل يرن أجراس الفؤاد، مصرًا، مؤكدًا، على وجوده.
لكنها كانت تؤمن بشيء واحد:
أن للرؤى تجليًا بالحقيقة، حتى ولو بعد حين.
وأن ما كُتب للروح أن تلتقيه، قد تتأخر خطواته، وقد تضل الطرق إليه، وقد يفصل بينه وبينها عمر كامل من الانتظار، لكنه يجد طريقه في النهاية.
لأن بعض اللقاءات تبدأ في لحظة لا نعرف قيمتها…
ثم نقضي بقية أعمارنا نحاول أن نفهم لماذا حدثت.
وربما…
كان هو القدر.