دواجن النيل.. أسرار الحكاية خارج أقفاص (الجداد)!!/ بقلم عبد الماجد عبد الحميد

دواجن النيل.. أسرار الحكاية خارج أقفاص (الجداد)!!

بقلم: عبد الماجد عبد الحميد

■ من أخبار واهتمامات البروفيسور كامل إدريس، رئيس مجلس الوزراء، أنه تدخل شخصياً لحسم تبعية شركة دواجن النيل، حيث أصدر قراراً بتشكيل لجنة وزارية ضمت ثلاثة وزراء اتحاديين إلى جانب واليَي نهر النيل والشمالية، وذلك عقب تباين مواقف عدة جهات بشأن الشركة. وما بين القوسين نقلته نصاً من الخبر الذي خطه قلم الأستاذ الصحفي الألمعي أسامة عبدالماجد، رئيس تحرير صحيفة الشعب. وقد أضاف أسامة عبدالماجد وصفاً للشركة بأنها موروثة من نظام الإنقاذ.

■ لا أعرف لماذا وسم الصديق أسامة دواجن النيل بهذا الوصف، علماً بأنه ومنذ سقوط النظام السابق لا تزال كل الحكومات التي تعاقبت على السلطة، وآخرها حكومة الأمل برئاسة البروفيسور كامل إدريس، تنعم وتستفيد من خير شركات ومؤسسات أنشئت أو حققت نجاحها في ظل نظام الإنقاذ. ويكفي الإشارة إلى أن مكتب رئيس الوزراء يقع داخل مجمع ضخم يتبع لشركة بدأ نجاحها في ظل نظام الإنقاذ.

■ المدهش في خبر صديقنا أسامة عبدالماجد أن لجنة رئيس الوزراء تبحث في نزاع بين عدة جهات حول شركة ناجحة! وما خرجت به اللجنة من توصيات، وفقاً للخبر، أن شركة دواجن النيل تمثل إحدى التجارب الحكومية الناجحة في مجال الإنتاج الداجني، مما يستوجب المحافظة على مكتسباتها وتطويرها والاستفادة من إمكانياتها لجعلها أكثر قدرة على الإسهام في تنمية قطاع الدواجن ودعم الإنتاج المحلي.

ألا يبدو الأمر غريباً أن يتم تشكيل لجنة وزارية للفصل في نزاع بين عدة جهات حكومية حول شركة حكومية ناجحة، وتحديد تبعيتها وملكية أسهمها بين جهات حكومية أيضاً؟!

■ المضحك المبكي في أمر شركة النيل للدواجن أنها تقف شاهداً على نجاح حقيقي على أرض الواقع؛ نجاح ينطلق من حجر زاوية هو شراكة ذكية بين شركة حكومية والسكان المحليين، الذين صاروا جزءاً من حكاية نجاح الشركة وتفوقها على شركات ضخمة في القطاع الخاص.

والمضحك والمبكي في أمر شركة دواجن النيل أنها نهضت من تحت الركام، حيث سهرت مجموعة من شباب السودان الغيورين على أمتهم ووطنهم على إنقاذ التجربة. وبعزيمة سبقها يقين بالله وتوكل عليه، خرجت شركة النيل للدواجن من وهدة الفشل والنسيان إلى ضوء النجاح والتفوق الذي لا تخطئه عين.

■ شركة النيل للدواجن هي إحدى الروافع التي صاحبت تشييد سد مروي، حيث تم إنشاء هيئة تطوير الزراعة التي تتبع لها الشركة بهدف تحقيق الأمن الغذائي، ليس في ولايتي نهر النيل والشمالية وحسب، وإنما في السودان كله. ومن خلال التجربة المعاشة أثبتت شركة النيل للدواجن قدرتها على الإسهام في هذا الهدف، وحققت نموذجاً يستحق الدعم والتطوير.

■ السؤال الذي يقفز بين يدي قرار السيد رئيس مجلس الوزراء بتشكيل لجنة للنظر في مستقبل وتبعية شركة حكومية ناجحة مثل شركة النيل للدواجن هو: لماذا لا يوجه رئيس الوزراء بتشكيل لجنة وزارية مماثلة للنظر في حال وواقع عدد من شركات الدواجن الحكومية وغيرها من الشركات الحكومية المتعطلة والخاسرة، لإقالة عثرتها ووضع حلول عاجلة لانتشالها من وهدة الفشل الذريع الذي يحيط بها من كل جانب؟

■ في ذات الخبر الذي نشرته صحيفة الشعب، هنالك إضافة تقول إن اللجنة الموقرة توصلت إلى قناعة بأن تستمر الشركة وتبقى لمواصلة مسيرة نجاحها، مع توفير مزيد من المعينات والضمانات التي تمكنها من ذلك.

لكن الجانب القاتم من الصورة، الذي لم تذكره صحيفة الشعب، هو أن ترتيبات إعادة توزيع ملكية الشركة تمضي فعلياً، ومن ذلك أن أنصبة الملكية قد تم توزيعها بالفعل، إذ حازت حكومة الولاية الشمالية على 30% من أسهم الشركة، ووزارة المالية الاتحادية على 30%، وهيئة تطوير الزراعة على 25%، وولاية نهر النيل على 15% من الأسهم.

■ وهذا التوزيع، في رأيي، يثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبل الشركة، خصوصاً إذا أدى تعدد الجهات المالكة إلى تعدد مراكز القرار أو تضارب الصلاحيات.

والسؤال هنا ليس اعتراضاً على حق الدولة في إعادة تنظيم ملكية شركاتها، وإنما: هل سيؤدي هذا التوزيع إلى تعزيز الشركة وتطويرها، أم يتحول إلى مصدر جديد للتجاذب الإداري والمالي؟

■ هذا التوزيع يعني، في تقديري، بداية ما أخشى أن يتحول إلى تفكيك تدريجي لهذه الشركة الناجحة، خصوصاً أنها بدأت فعلياً في فقد عدد من كوادرها الشابة التي قررت ترك الجمل بما حمل.

وبهذا قد نشهد بداية نهاية تجربة متميزة كانت تستحق الدعم والتأييد، لا ترسيخ التنازع حولها بما قد يضعفها ويحولها، بمرور الوقت، إلى واحدة من مئات الشركات الحكومية التي سقطت على الأرض بسبب التعثر وتعدد مراكز القرار.

■ لا أحد يعترض على حق الحكومة في مراجعة أو إعادة تنظيم ملكية مؤسساتها، لكن المعيار الحقيقي يجب أن يكون واضحاً: هل سيجعل القرار شركة دواجن النيل أقوى أم أضعف؟

فالشركات الحكومية لا تُقاس فقط بعدد الجهات التي تملك أسهماً فيها، وإنما بقدرتها على الإنتاج، وتحقيق العائد، والمحافظة على كوادرها، والإسهام في الاقتصاد الوطني.

■ شركة دواجن النيل تجربة تستحق أن تُحمى من التنازع، وأن تُدعم بما يكفي لتتوسع، وأن تكون نموذجاً لشركات حكومية أخرى، بدلاً من أن تنضم إلى قائمة المؤسسات التي تعثرت بسبب تضارب الصلاحيات وتعدد مراكز القرار.

وكأن نجاحها أصبح في حد ذاته سبباً لفتح أبواب التنازع حولها، بدلاً من أن يكون حافزاً لدعمها وتطويرها.

■ وفي النهاية، يظل السؤال قائماً: هل ستنجح الحكومة في حماية تجربة دواجن النيل وتطويرها، أم أن تعدد الجهات حولها سيقود إلى نتيجة لا يريدها أحد؟

إن أردت معرفة الأسباب التي دفعت وتدفع بعضهم لوأد تجربة شركة ناجحة مثل دواجن النيل، فابحث عن أسرار الحكاية خارج أقفاص (الجداد)!!