الحلقة الثانية والأخيرة | من عظام النوبيين إلى التتراسيكلين.. اكتشاف طبي مذهل يكشف كنزًا علميًا أخفاه الزمن

الحلقة الثانية والأخيرة | من عظام النوبيين إلى التتراسيكلين.. اكتشاف طبي مذهل يكشف كنزًا علميًا أخفاه الزمن
تحقيق : محيي الدين شجر

التتراسيكلين في عظام النوبيين.. دواء سبق اكتشافه الرسمي بأكثر من ألف عام

لم تكن الرفات البشرية التي خرجت من مقابر النوبة إلى المختبرات والمتاحف الغربية مجرد بقايا صامتة لحضارة قديمة؛ فقد حملت معها واحدة من أكثر المفاجآت العلمية إثارة في تاريخ الطب.

ففي سبعينيات القرن الماضي، لاحظ عالم الأنثروبولوجيا الحيوية جورج أرميلاغوس ظاهرة غريبة في بعض العظام النوبية القديمة؛ إذ ظهرت عليها إضاءة صفراء مائلة إلى الأخضر عند تعريضها للأشعة فوق البنفسجية.

وفي أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، بدأت الملاحظة تأخذ منحى أكثر أهمية، بعدما تبين أن هذا التوهج يتطابق مع ما يحدث عند وجود مركبات التتراسيكلين في العظام.

كان الاكتشاف صادمًا؛ فالتتراسيكلين لم يُعرف كمضاد حيوي حديث إلا في القرن العشرين، بينما كانت العظام التي يجري تحليلها تعود إلى عصور نوبية قديمة.

هل كان النوبيون يتناولون مضادًا حيويًا؟

ظل السؤال محل جدل لسنوات طويلة.

فكيف يمكن لمجتمع قديم أن يتعرض بصورة متكررة لمادة لم يكن العلم الحديث قد اكتشفها بعد؟

ذهب بعض الباحثين في البداية إلى احتمال أن تكون العظام قد تعرضت للتلوث بعد الدفن، لكن الدراسات اللاحقة قدمت أدلة أكثر قوة على أن التتراسيكلين دخل إلى أجسام أصحابها خلال حياتهم.

وفي عام 2010، أُجريت تحليلات أكثر تطورًا على عينات من العظام القديمة، بالتعاون مع متخصصين في التتراسيكلين، واستخدمت تقنيات كيميائية متقدمة للتأكد من طبيعة المركبات الموجودة فيها.

وأظهرت النتائج وجود مركبات من عائلة التتراسيكلين داخل العظام، بما يتفق مع تعرض أصحابها لها خلال حياتهم، وليس مجرد تلوث سطحي لاحق.

سر المريسة القديمة

قاد البحث إلى أحد الاحتمالات الأكثر إثارة للاهتمام: المشروبات المخمرة المصنوعة من الحبوب.

وكانت المجتمعات النوبية القديمة تعتمد بصورة كبيرة على الحبوب، ومنها الذرة الرفيعة والدخن، في صناعة الأطعمة والمشروبات المخمرة.

وتشير الفرضية العلمية إلى أن ظروف تخمير الحبوب كانت توفر بيئة مناسبة لنمو أنواع من بكتيريا Streptomyces، وهي المجموعة البكتيرية التي تنتج بصورة طبيعية مركبات من عائلة التتراسيكلين.

بمعنى آخر، ربما كان النوبيون يمارسون، عبر خبرة متوارثة وتجربة متكررة، عملية تخمير أنتجت مركبات لها تأثير مضاد للبكتيريا، من دون أن يعرفوا بالطبع مفهوم البكتيريا أو المضادات الحيوية كما نعرفها اليوم.

وهنا تظهر المفارقة التاريخية الكبرى:

حضارة نوبية قديمة ربما كانت تستهلك بصورة منتظمة مادة ذات خصائص مضادة للبكتيريا، قبل أن يتعرف الطب الحديث إلى التتراسيكلين بقرون طويلة.

لم يكن ذلك “اكتشافًا” بالمعنى العلمي الحديث، ولم يكن النوبيون يعرفون التركيب الكيميائي للمادة أو آلية عملها، لكنه يكشف قدرة المجتمعات القديمة على الوصول إلى نتائج علاجية من خلال الملاحظة والتجربة والتوارث.

من العظام إلى إعادة كتابة التاريخ

لم يكن اكتشاف التتراسيكلين وحده هو المفاجأة.

فالدراسات الحديثة على الرفات النوبية ساهمت أيضًا في إعادة النظر في بعض التصورات القديمة التي وضعها علماء آثار وأنثروبولوجيا في بدايات القرن العشرين.

كان جزء من الدراسات الاستعمارية المبكرة ينظر إلى الحضارة النوبية باعتبارها متأثرة بصورة عميقة بمصر، وفي بعض الحالات جرى التعامل معها باعتبارها أقل قدرة على إنتاج حضارة مستقلة.

لكن الأبحاث الأحدث في علم الآثار والأنثروبولوجيا والجينات والعظام تقدم صورة أكثر تعقيدًا، تؤكد أن سكان وادي النيل الأوسط امتلكوا تاريخًا محليًا طويلًا وتطورًا حضاريًا خاصًا بهم، وأن العلاقة مع مصر لم تكن ببساطة علاقة “حضارة متقدمة” بأخرى تابعة.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

كم من تاريخ السودان جرى تفسيره بعين الباحث الأجنبي، بدلًا من أن يُروى من داخل السودان نفسه؟

المفارقة الكبرى.. العلم استفاد من الرفات التي نقلها الاستعمار

هذه واحدة من أكثر النقاط حساسية في القصة.

فالرفات التي نُقلت من السودان في ظل البعثات الأجنبية أصبحت لاحقًا مادة لأبحاث علمية ساعدت على اكتشاف معلومات مهمة عن النظام الغذائي والصحة والأمراض والممارسات العلاجية لدى سكان النوبة القدماء.

لكن القيمة العلمية لهذه الرفات لا تلغي السؤال الأخلاقي المتعلق بكيفية إخراجها من السودان.

فالعلم يمكن أن يستفيد من المادة، لكن ذلك لا يجيب بالضرورة عن سؤال الملكية والكرامة الإنسانية.

هل يكفي أن تنتج قطعة أثرية أو رفات بشرية معرفة علمية حتى يصبح إخراجها من بلدها الأصلي مشروعًا؟

هذا السؤال الذي كان يمكن تجاهله قبل قرن، أصبح اليوم في قلب النقاش العالمي حول إعادة الآثار والرفات البشرية إلى أصحابها ومجتمعاتها الأصلية.

من “التقسيم” إلى النهب الصريح

بعد أكثر من قرن على حملات التنقيب الأجنبية، تغيرت الظروف جذريًا.

لم تعد المشكلة فقط في آثار خرجت من السودان بموجب قوانين استعمارية ونظام “التقسيم”، وإنما ظهر شكل آخر أكثر قسوة من فقدان التراث.

فمع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تعرضت مؤسسات ومتاحف ومواقع أثرية مهمة للنهب والتدمير، وفي مقدمتها المتحف الوطني في الخرطوم.

هذه المرة لم يكن الأمر يتعلق ببعثة أثرية حصلت على تصريح من إدارة استعمارية، ولا باتفاق لتقسيم المكتشفات.

إنه نهب في زمن الحرب.

قطع أثرية عمرها آلاف السنين أصبحت مهددة بالاختفاء إلى الأبد، فيما فتحت الحرب الباب أمام شبكات تهريب يمكن أن تنقل القطع من السودان إلى دول أخرى، ثم إلى سوق الفن والآثار العالمية.

وهكذا وجد السودان نفسه أمام مفارقة تاريخية مؤلمة:

قبل أكثر من مئة عام خرجت آثاره من البلاد تحت مظلة قانون استعماري.

واليوم تخرج آثار أخرى تحت غطاء الفوضى الأمنية والحرب.

الفرق بين النهب القديم والنهب الجديد

قد يبدو المشهدان متشابهين في النتيجة، لكنهما مختلفان في الوسيلة.

في المرحلة الاستعمارية، جرى بناء منظومة قانونية وإدارية سمحت للبعثات الأجنبية بالتنقيب وتقسيم المكتشفات.

أما اليوم، فإن القطع التي تُنتزع من المتاحف والمواقع الأثرية لا تستند إلى أي نظام قانوني.

لكن النتيجة في الحالتين واحدة:

جزء من الذاكرة السودانية يغادر السودان.

والفرق أن السودان المستقل اليوم يملك الحق الكامل في الدفاع عن ممتلكاته الثقافية، بينما كان السودانيون قبل قرن يعيشون تحت إدارة استعمارية لم تكن لهم فيها سلطة حقيقية على تقرير مصير آثارهم.

الآثار السودانية.. ثروة تتجاوز الذهب

تكمن خطورة فقدان الآثار في أن القطعة الأثرية ليست مجرد تمثال أو إناء أو قطعة ذهب.

إنها وثيقة.

الفخار يوثق أنماط الحياة والتجارة.

المجوهرات تكشف الذوق والثروة والمكانة الاجتماعية.

المدافن تكشف المعتقدات والممارسات الجنائزية.

العظام تكشف الغذاء والأمراض والهجرة والعلاقات السكانية.

وفي حالة الرفات النوبية، كشفت العظام حتى عن قصة مرتبطة بتاريخ المضادات الحيوية.

أي أن تهريب قطعة أثرية لا يعني فقدان قيمتها المادية فقط، بل قد يعني فقدان معلومة علمية لا يمكن تعويضها.

هل يستطيع السودان استعادة ما خرج منه؟

هذا هو السؤال الأصعب.

فبعض القطع خرجت في ظروف استعمارية، وبعضها الآخر خرج باعتباره غنائم حرب، بينما تُسرق اليوم قطع أخرى من المتاحف والمواقع الأثرية.

ولكل حالة مسار قانوني مختلف.

لكن التحول العالمي في السنوات الأخيرة تجاه إعادة الممتلكات الثقافية إلى بلدانها الأصلية يمنح السودان فرصة لفتح ملف واسع، لا يقتصر على القطع التي نُهبت خلال الحرب.

فالمطلوب ليس فقط مطاردة القطع المسروقة حديثًا، وإنما أيضًا إعادة فحص تاريخ القطع السودانية الموجودة في المتاحف والمجموعات الأجنبية، ومعرفة ظروف خروجها، والوثائق التي استندت إليها عمليات نقلها، وما إذا كانت هناك مطالبات سودانية سابقة بشأنها.

من بوسطن إلى الخرطوم.. سؤال واحد

القصة التي بدأت في مقابر النوبة قبل أكثر من قرن لا تنتهي عند متحف أجنبي.

ففي مكان ما من السودان، كانت تلك العظام جزءًا من مجتمع حي.

وفي مكان آخر من العالم، أصبحت لاحقًا مادة علمية ساهمت في كشف قصة التتراسيكلين.

وفي متاحف أخرى، ما تزال مجوهرات وتماثيل وفخار وقطع جنائزية تحمل أسماء ملوك وملكات عاشوا على أرض السودان.

ثم جاءت الحرب لتفتح فصلًا جديدًا من القصة.

وهكذا تتكرر المأساة، وإن اختلفت الأدوات:

بالأمس خرج التراث تحت سلطة استعمارية وضعت قوانينها الخاصة.

واليوم يواجه التراث خطر الرصاص والنهب والتهريب.

وبين المرحلتين يظل السؤال الأكبر:

متى يستطيع السودان أن يستعيد حقه في رواية تاريخه، وحقه في استعادة ما يمكن استعادته من ذاكرته الموزعة بين متاحف العالم؟

فكنوز كوش لم تُنهب مرة واحدة.

بعضها خرج قبل قرن باسم “العلم والتقسيم”، وبعضها مهدد اليوم بالخروج باسم الحرب والفوضى.

والخسارة في الحالتين ليست ذهبًا أو حجرًا فقط..

إنها أجزاء من ذاكرة السودان.