تحقيق / سودان سوا يواصل تفجير المفاجآت / من ذهب ملوك كوش إلى التتراسيكلين في عظام النوبيين.. كيف نُهبت آثار السودان مرتين(1_2)

الحلقة الأولى | كنوز كوش المنهوبة.. كيف “قسّم” الاستعمار آثار السودان بين المتاحف الأجنبية؟

.

من مقابر ملوك النوبة إلى متاحف بوسطن وهارفارد.. قصة قانون جعل خروج الآثار يبدو “شرعيًا”

لم تبدأ قصة فقدان السودان لجزء من تراثه مع الحرب الحالية.

قبل أكثر من قرن، كانت بعثات أثرية أجنبية تدخل السودان بتصاريح رسمية، وتحفر في مقابر ملوك وملكات النوبة، ثم تغادر البلاد محملة بالذهب والمجوهرات والفخار والتماثيل وحتى الرفات البشرية.

لم يكن ما يحدث يسمى نهبًا في الوثائق الرسمية آنذاك.

كان له اسم أكثر نعومة: “التقسيم” أو Partage.

لكن خلف المصطلح كانت هناك منظومة استعمارية كاملة سمحت لبعثات أجنبية بالحصول على جزء كبير من المكتشفات، في وقت لم يكن للسودانيين فيه القرار الحقيقي بشأن مصير تراث بلادهم.

والقصة تبدأ مع عالم آثار أمريكي أصبح اسمه مرتبطًا بأهم الاكتشافات النوبية في القرن العشرين: جورج أندرو ريزنر.

جورج ريزنر.. العالم الذي جاء إلى السودان

وُلد جورج أندرو ريزنر عام 1867 في الولايات المتحدة، ودرس في جامعة هارفارد، قبل أن يتجه إلى علم الآثار والعمل في مصر.

وفي السنوات الأولى من القرن العشرين، أصبح أحد أبرز علماء الآثار العاملين في وادي النيل، قبل أن ينتقل اهتمامه جنوبًا نحو النوبة والسودان.

كانت الظروف السياسية آنذاك مواتية تمامًا للبعثات الأجنبية.

فالسودان كان خاضعًا لما عُرف بـالحكم الثنائي الأنجلو-مصري، بينما كانت بريطانيا صاحبة النفوذ الفعلي الأكبر في إدارة البلاد.

وبدأت البعثات الأثرية الأجنبية تحصل على تصاريح للتنقيب في مواقع سودانية غنية بآثار الحضارات النوبية والكوشية.

وفي 8 فبراير 1913، وصل ريزنر إلى منطقة مروي، ثم اتجه إلى كرمة، لتبدأ واحدة من أكبر الحملات الأثرية التي شهدها السودان.

استمرت أعماله لعقود، وشملت عددًا كبيرًا من المواقع المهمة في شمال السودان.

كرمة.. المدينة التي كشفت عظمة حضارة النوبة

كانت كرمة واحدة من أهم محطات ريزنر.

فالموقع كان عاصمة مملكة نوبية قديمة، واحتوى على آثار ضخمة ومقابر امتدت على مساحة هائلة.

كشفت أعمال التنقيب عن فخار مميز، وأدوات ومجوهرات ومواد جنائزية، إضافة إلى عدد كبير من المدافن.

لكن أهمية كرمة لم تكن في كمية الآثار الموجودة فيها فقط.

لقد كانت شاهدًا على وجود مجتمع منظم وقوي امتلك تقاليده السياسية والدينية والفنية الخاصة.

ومع كل موسم تنقيب، كانت صناديق جديدة تغادر السودان.

من كرمة إلى نوري والكورو ومروي

لم يتوقف ريزنر عند كرمة.

امتدت أعماله إلى مواقع ارتبطت بممالك النوبة وكوش، بينها جبل البركل، نوري، الكورو ومروي.

وفي نوري والكورو، دخل إلى عالم ملوك كوش، حيث دُفن حكام حكموا السودان وأجزاء من مصر، ومن بينهم الملك بيي “بعانخي” الذي أسس الأسرة الخامسة والعشرين في مصر.

أما مروي، فقد كشفت عن عالم آخر من الحضارة الكوشية، بمقابرها وأهراماتها ومجوهراتها وتماثيلها.

كانت المكتشفات هائلة.

لكن السؤال الذي لم يكن يملك السودانيون آنذاك القدرة على الإجابة عنه هو:

من يملك هذه الآثار بعد إخراجها من الأرض؟

القانون الاستعماري.. كيف أصبح إخراج الآثار قانونيًا؟

هنا تظهر الحلقة الأهم في القصة.

فالسودان في ذلك الوقت لم يكن دولة مستقلة تملك قرارها الكامل بشأن آثارها.

وضعت الإدارة الاستعمارية نظامًا لإدارة الآثار والتنقيب، وأصبحت البعثات الأجنبية مطالبة بالحصول على تراخيص.

ومن خلال هذه المنظومة ظهر نظام Partage، أو “التقسيم”.

وبموجب هذا النظام، كان من الممكن أن تحصل البعثة الأثرية التي تمول عمليات التنقيب على جزء من المكتشفات، بينما تذهب حصة أخرى إلى المؤسسة الأثرية السودانية.

ظاهريًا، يبدو الأمر اتفاقًا بين طرفين.

لكن المشكلة الجوهرية كانت في سؤال:

من كان يمثل السودان في هذا الاتفاق؟

فهيئة الآثار التي كانت تشرف على العملية كانت جزءًا من الإدارة الاستعمارية، ولم يكن للسودانيين دور حقيقي في تحديد مصير تراثهم.

وبذلك أصبح القانون الذي وضعته السلطة الحاكمة هو نفسه الإطار الذي سمح بخروج جزء من هذا التراث.

نصف المكتشفات تقريبًا.. إلى أين ذهبت؟

نتيجة هذا النظام، انتقلت كميات كبيرة من آثار النوبة إلى خارج السودان.

وأصبحت مؤسسة متحف الفنون الجميلة في بوسطن ومتحف بيبودي بجامعة هارفارد من أهم المؤسسات التي احتفظت بمجموعات كبيرة من آثار النوبة التي خرجت خلال بعثات ريزنر.

وبمرور الوقت، أصبحت مجموعة بوسطن من أهم مجموعات الآثار النوبية خارج السودان.

قطع من الذهب والمجوهرات، وتماثيل، وفخار، وأدوات جنائزية، ومواد مرتبطة بالملوك والملكات، أصبحت جزءًا من مجموعات متاحف أمريكية كبرى.

لكن ما خرج من السودان لم يكن ذهبًا وفخارًا فقط.

كان هناك شيء أكثر حساسية..

رفات بشرية.

عندما أصبحت عظام النوبيين “عينات علمية”

كانت المقابر القديمة مصدرًا ضخمًا للرفات البشرية.

ومن أبرز المواقع مقابر كرمة، التي ظلت مستخدمة لقرون طويلة، واحتوت على أعداد ضخمة من المدفونين.

وفي بعض المدافن، اكتُشفت مجموعات من الجثث حول مدافن ملكية، وهو ما دفع ريزنر وغيره من علماء عصره إلى وضع تفسيرات حول طبيعة هذه المدافن.

في إحدى الحالات، فُسرت جثث موجودة في ممر يؤدي إلى دفن ملكي باعتبارها ربما ضحايا لتضحية بشرية.

لكن العلم الحديث بدأ لاحقًا في إعادة فحص هذه الفرضيات.

فدراسة الرفات قدمت أدلة أكثر تعقيدًا حول هوية هؤلاء الأشخاص وعلاقتهم بالمجتمع الذي عاشوا فيه، كما أظهرت أهمية الرفات في فهم التاريخ الحقيقي للنوبة.

لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في طريقة موتهم.

كانت في ما حملته عظامهم من أسرار عن حياتهم.

علماء الاستعمار.. وحضارة لم يفهموها بالكامل

لم تكن مشكلة البعثات الأجنبية في السودان مجرد إخراج الآثار.

فبعض التفسيرات العلمية التي ظهرت في بدايات علم الآثار السوداني كانت متأثرة بأفكار عصرها الاستعمارية والعنصرية.

كان هناك ميل لدى بعض الباحثين إلى تفسير الحضارة النوبية من خلال علاقتها بمصر، والتقليل من قدرتها على التطور بصورة مستقلة.

وكان ريزنر نفسه يرى في بعض مراحل عمله أن كثيرًا من العناصر الحضارية النوبية مرتبطة بصورة وثيقة بالمصريين.

لكن الدراسات اللاحقة قدمت صورة أكثر تعقيدًا.

فحضارات كرمة وكوش ومروي لم تكن مجرد هامش للحضارة المصرية.

لقد كانت حضارات ذات أنظمة سياسية واقتصادية ودينية وفنية خاصة، وامتلكت تأثيرًا وصل في مراحل معينة إلى قلب مصر نفسها.

وهنا تكمن المفارقة:

الآثار التي خرجت من السودان إلى المتاحف الأجنبية أصبحت لاحقًا من أهم الأدلة التي ساعدت العلماء على إعادة اكتشاف استقلال الحضارة النوبية.

 

لكن أعظم مفاجأة كانت داخل العظام

بعد عقود من خروج تلك الرفات من السودان، بدأ علماء الأنثروبولوجيا في فحصها بتقنيات لم تكن متاحة لريزنر ولا لعلماء عصره.

وفي سبعينيات القرن العشرين، ظهرت ملاحظة غريبة:

بعض العظام النوبية القديمة كانت تتوهج بلون أصفر مخضر عند تعريضها للأشعة فوق البنفسجية.

في البداية لم يكن واضحًا ما سبب ذلك.

ثم بدأت الفرضية الأكثر إثارة بالظهور:

هل تحتوي هذه العظام على التتراسيكلين؟

كان السؤال يبدو مستحيلًا.

فكيف يمكن لأشخاص عاشوا قبل أكثر من ألف عام أن يتعرضوا لمضاد حيوي لم يكتشفه الطب الحديث إلا في القرن العشرين؟

لكن الأبحاث اللاحقة جعلت المفاجأة أكبر.

فالعظام كانت تحمل بالفعل آثارًا من مركبات التتراسيكلين، بما يشير إلى تعرض أصحابها لها أثناء حياتهم.

وهنا بدأت قصة واحدة من أكثر المفاجآت العلمية إثارة في تاريخ السودان.

الحلقة الثانية والأخيرة..

كيف وصل التتراسيكلين إلى أجسام النوبيين قبل أكثر من ألف عام؟

هل كانت المريسة أو المشروبات المخمرة المصنوعة من الحبوب هي مفتاح اللغز؟

وكيف يمكن لحضارة قديمة أن تستخدم، من خلال الخبرة والتجربة، مادة ذات خصائص مضادة للبكتيريا دون أن تعرف شيئًا عن البكتيريا أو علم المضادات الحيوية؟

ثم كيف انتقلت قصة الرفات من المختبرات إلى سؤال أكبر:

هل يمكن لإنجاز علمي حديث أن يبرر الطريقة التي خرجت بها تلك الرفات من السودان؟

وفي الجزء الثاني والأخير، ننتقل من التتراسيكلين في عظام النوبيين إلى الفصل الأكثر قسوة في القصة:

من “التقسيم” الاستعماري قبل قرن إلى نهب المتحف الوطني في الخرطوم خلال الحرب.. كيف تتعرض كنوز السودان للنهب للمرة الثانية؟