حقيقة التحقيق مع بنوك لم تسدد ملايين الدولارات من حصيلة الصادر؟

حصائل الصادر تحت المجهر.. أين تقف البنوك وأين تبدأ مسؤولية الرقابة؟ محيي الدين شجر

لا يستهدف هذا المقال اتهام أي مصرف أو مسؤول، ولا يفترض وقوع مخالفة قبل اكتمال أي مراجعة أو تحقيق رسمي، وإنما يطرح تساؤلات مهنية حول كفاءة منظومة متابعة حصائل الصادر والرقابة عليها، في ظل ما يتداول من معلومات عن وجود مبالغ لم تتم تسويتها.

تُعد حصائل الصادر أحد المصادر المهمة للنقد الأجنبي، ولذلك فإن انتظام استردادها وتوريدها وفق الإجراءات المعتمدة يمثل مسألة اقتصادية تتجاوز العلاقة بين المصدر والمصرف، وتمس قدرة الجهاز المصرفي والدولة على إدارة موارد النقد الأجنبي.

ومن هنا يبرز السؤال: هل جميع البنوك ملتزمة بصورة كاملة بمتابعة واسترداد حصائل الصادر وتسويتها وفق الضوابط المعمول بها؟

السؤال  يستحق إجابة واضحة من الجهات المختصة، خصوصاً في ظل الحديث المتداول عن مراجعات تجري بشأن عدد من عمليات حصائل الصادر.

وتتداول أوساط مصرفية معلومات عن وجود مراجعات أو تحقيقات تتعلق بعدد من البنوك ومبالغ مالية لم تتم تسويتها، من بينها حديث عن ثلاثة بنوك وملايين الدولارات. وهذه المعلومات تظل في إطار التداول، ولم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة أو اعتبارها نتائج نهائية لأي تحقيق.

وهنا تحديداً ينبغي أن تتقدم المؤسسات الرسمية بخطوة إلى الأمام.

فإذا كانت هناك مراجعات بالفعل، فإن الرأي العام الاقتصادي يحتاج إلى معرفة طبيعة المشكلة، دون الإضرار بسرية التحقيقات أو الإجراءات القانونية: هل يتعلق الأمر بتأخير في التسوية؟ أم مشكلات في المستندات؟ أم عمليات تصدير لم تتم متابعتها في الوقت المناسب؟ أم أن هناك أسباباً أخرى؟

أين تقف مجالس إدارات البنوك؟

إذا ثبت من خلال المراجعة وجود مبالغ متأخرة لفترات طويلة، فإن السؤال الإداري المشروع هو: كيف تعمل منظومة الرقابة الداخلية داخل البنك؟

مجلس الإدارة ليس جهة تنفيذية تتدخل في تفاصيل العمليات اليومية، لكنه يمثل المستوى الأعلى في الحوكمة والرقابة، وتدخل ضمن مسؤوليته التأكد من وجود نظم فعالة لإدارة المخاطر والمراجعة والامتثال.

ومن هنا يصبح من المهم معرفة ما إذا كانت ملفات حصائل الصادر تصل بصورة دورية إلى لجان المراجعة والمخاطر ومجلس الإدارة، وما إذا كانت هناك مؤشرات إنذار مبكر للحالات المتأخرة.

فالمشكلة ــ إن وُجدت ــ لا ينبغي أن تظهر بعد تراكم مبالغ كبيرة، بل يفترض أن تكشفها أنظمة الرقابة الداخلية في مراحل مبكرة.

بنك السودان والرقابة المستمرة

وفي المقابل، فإن مسؤولية الرقابة لا تتوقف عند مجالس إدارات المصارف.

فبنك السودان المركزي، باعتباره الجهة المختصة بالإشراف والرقابة على الجهاز المصرفي، لديه دور أساسي في متابعة مدى التزام المصارف بالضوابط المنظمة لحصائل الصادر، ورصد أي تأخير أو خلل واتخاذ الإجراءات التي تسمح بها القواعد المعمول بها.

والسؤال هنا ليس عن معاقبة أحد، وإنما عن مدى فاعلية نظام المتابعة نفسه.

هل توجد قاعدة بيانات محدثة تظهر حجم حصائل الصادر المستحقة لكل مصرف؟ وكم تم تسويته؟ وما حجم المتأخر؟ وما أسباب التأخير؟

هذه الأسئلة الفنية قد تكون أكثر أهمية من البحث عن المسؤول بعد وقوع المشكلة.

وماذا عن اللجنة الاقتصادية لمجلس السيادة؟

إذا تأكد وجود مشكلة ذات حجم مؤثر في حصائل الصادر، فإن اللجنة الاقتصادية لمجلس السيادة يمكن أن يكون لها دور مهم في إطار اختصاصها، ليس بالتدخل في الإجراءات الفنية أو التحقيقات المصرفية، وإنما بطرح الأسئلة الاقتصادية الكبرى.

ما حجم الأموال محل المراجعة؟ وهل تمثل ظاهرة محدودة أم مشكلة أوسع؟ وهل تحتاج منظومة الصادر إلى تطوير في إجراءاتها الرقابية؟

هذه أسئلة تتعلق بالاقتصاد الوطني، خصوصاً في ظل حاجة السودان إلى النقد الأجنبي وتمويل الواردات ودعم استقرار سوق الصرف.

بين الحقيقة والشائعة

في الملفات المصرفية الحساسة، هناك خط فاصل مهم بين المعلومة المتداولة والحقيقة المثبتة.

لذلك فإن الحديث عن «ثلاثة بنوك» أو «ملايين الدولارات» يجب ألا يتحول إلى اتهام إعلامي قبل صدور نتائج مراجعة أو تحقيق من جهة مختصة.

وفي الوقت نفسه، فإن عدم وجود إعلان رسمي لا يعني أن الأسئلة يجب أن تختفي.

بل على العكس، فإن طرح الأسئلة المهنية قد يساعد على تعزيز الشفافية وحماية القطاع المصرفي من الشائعات، خصوصاً إذا جاءت الإجابات من المؤسسات المختصة وبالأرقام.

المطلوب ليس الاتهام.. بل الإجابة

السودان يحتاج اليوم إلى جهاز مصرفي قوي وشفاف، وإلى منظومة رقابة قادرة على اكتشاف الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة.

ولهذا فإن المطلوب مراجعة دورية لملف حصائل الصادر، ليس بحثاً عن الإدانة، وإنما للتأكد من سلامة الدورة المالية بأكملها: من المصدر، إلى المصرف، إلى التسوية النهائية.

وإذا كانت المعلومات المتداولة غير صحيحة، فإن توضيح ذلك رسمياً يضع حداً للشائعات.

وإذا كانت هناك مبالغ قيد المراجعة، فإن إعلان ذلك بالقدر الذي تسمح به الإجراءات القانونية يوضح الصورة.

وإذا أثبتت المراجعات وجود مخالفات، فهناك جهات مختصة قادرة على اتخاذ الإجراءات وفق القانون.

المهم ألا تبقى قضية حصائل الصادر في منطقة رمادية بين الشائعة والصمت.

ففي اقتصاد يعاني من ضغوط كبيرة على النقد الأجنبي، لا يكفي أن نسأل: أين ذهبت الأموال؟

سؤال : هل لدينا منظومة رقابية تمنع ضياعها أو تأخرها من الأساس؟

وهنا تقع المسؤولية المشتركة بين الإدارات التنفيذية للمصارف، ومجالس إداراتها، ولجان المراجعة والمخاطر، والجهات الرقابية، وصانع القرار الاقتصادي.

الرقابة الحقيقية تبدأ عندما تصبح هناك مؤشرات تستدعي السؤال.