والي الشمالية.. لماذا كل هذا التنمر؟ بقلم: محيي الدين شجر
والي الشمالية.. لماذا كل هذا التنمر؟
بقلم: محيي الدين شجر

في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة للتنمر والسخرية وتصفية الحسابات، يبرز والي الولاية الشمالية، الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد إبراهيم، كواحد من أكثر الولاة الذين تعرضوا لحملات واسعة من السخرية والتعليق على طريقة حديثه ومخاطبته للجمهور.
وتكتظ منصات التواصل الاجتماعي بعشرات المقاطع المصورة التي تقتطع أجزاء من أحاديثه وفعالياته، ثم يعاد تداولها بطريقة ساخرة، حتى أصبح الرجل مادة جاهزة للتندر عند البعض، بصرف النظر عن سياق حديثه أو مضمون ما يقوله.
لكنني، شخصياً، أجد نفسي معجباً بهذا الرجل، لا بسبب اتفاقي معه في كل شيء، وإنما بسبب قدرته على عدم الانشغال بالضجيج.
فالفريق عبد الرحمن لا يبدو منشغلاً كثيراً بما يقال عنه، ولا يدخل في معارك جانبية مع منتقديه، ولا يحاول مطاردة كل مقطع أو تعليق أو إساءة تصدر بحقه. يمضي في عمله، وكأن لديه قناعة بأن المسؤول الذي يريد أن ينجز لا يمكنه أن يقضي يومه في الرد على مواقع التواصل الاجتماعي.
وهذه في حد ذاتها خصلة تستحق التوقف عندها.
وشخصياً، لم يحدث أن التقيت الفريق عبد الرحمن عبد الحميد، رغم زياراتي المتكررة للولاية الشمالية خلال الفترات الماضية، ولذلك فإن ما أكتبه هنا ليس شهادة لقاء أو معرفة شخصية، وإنما انطباع تشكل من متابعة أدائه العام وطريقته في إدارة الولاية، وما يصلني من أحاديث ممن يعرفونه عن قرب.
ويُقال إن الفريق عبد الرحمن من دفعة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وهو ما يجعل اختيار البرهان له لتولي مسؤولية الولاية الشمالية قائماً، في جانب منه، على معرفة سابقة بشخصيته وقدراته.
لكن الأهم بالنسبة لي ليس من اختاره، وإنما ماذا فعل بعد أن أصبح والياً؟
فالمسؤول لا يُقاس بطريقة حديثه أمام الجمهور، ولا بقدرته على صناعة العبارات المنمقة، وإنما بما يتركه من أثر على الأرض.
وأنا أعتقد أن الرجل، من خلال ما أتابعه، يحمل قدراً من الصراحة والبساطة يجعله مختلفاً عن الصورة التقليدية للمسؤول الذي يحرص على كل كلمة وكل حركة أمام الكاميرات.
قد يختلف الناس مع أسلوبه، وقد يجد البعض في طريقة حديثه مادة للسخرية، وهذا حقهم ما دام النقد في حدود الاحترام، لكن تحويل طريقة الكلام أو نبرة الصوت إلى معيار للحكم على المسؤول هو، في تقديري، ظلم كبير.
فالولايات لا تُدار بحسن مخارج الحروف، وإنما بحسن إدارة الموارد وحسن اختيار الرجال والقدرة على اتخاذ القرار.
ومن أكثر ما يلفتني في تجربة الفريق عبد الرحمن، بحسب ما يتردد في أوساط المتابعين، أنه لا يبدو شديد التدخل في تفاصيل عمل مؤسسات الولاية، وإنما منح أعضاء حكومته ومسؤولي الأجهزة التنفيذية مساحات واسعة للحركة واتخاذ القرار.
وهنا تحديداً أرى جانباً مهماً من فلسفة الإدارة.
فالوالي الذي يريد أن يكون هو الوزير والمدير والطبيب والمهندس والمسؤول التنفيذي في كل ملف، غالباً ما ينتهي به الأمر إلى تعطيل مؤسسات حكومته بدلاً من قيادتها.
أما أن تختار فريقاً، ثم تمنحه مساحة للعمل، وتحاسبه على النتائج، فذلك أقرب إلى الإدارة الحديثة.
ولعل ما تحقق في القطاع الصحي بالولاية الشمالية خلال الفترة الماضية يمثل أحد النماذج التي تستحق الدراسة، بعيداً عن المبالغات والمديح السياسي، لأن الصحة من أكثر القطاعات التي يشعر المواطن بنتائجها بصورة مباشرة.
وفي المقابل، فإن الحديث عن إغلاق ب«الذرائع» و«قفل البلف» أمام شبكات المصالح والمستفيدين من المال العام، إن كان دقيقاً، فإنه قد يفسر جانباً من شراسة الحملات التي تستهدف الرجل.
فالذي يقترب من مصالح الناس يجد من يدافع عنه، والذي يقترب من مصالح المستفيدين يجد من يحاربه.
وهذه ليست قاعدة مطلقة، لكنها حقيقة يعرفها كل من عمل في الشأن العام.
ولذلك فإنني لا أستطيع أن أتعامل مع كل ما يُقال عن الفريق عبد الرحمن باعتباره نقداً موضوعياً، كما لا أستطيع في المقابل أن أعتبر كل ما تقوم به حكومته نجاحاً لمجرد أنني أميل إلى طريقته في الإدارة.
المسؤول العام يجب أن يبقى تحت النقد والمساءلة، وهذه ليست إساءة إليه، بل حق للمواطن.
لكن النقد شيء والتنمر شيء آخر.
أن تنتقد قراراً حكومياً، أو تسأل عن مشروع متعثر، أو تطالب بكشف أوجه صرف المال العام، فهذا عمل مشروع ومطلوب. أما أن تختزل تجربة رجل في طريقة نطقه لكلمة، أو حركة يده، أو مقطع مبتور من خطاب، فذلك لا يخدم الولاية ولا المواطن.
ويقال إن الرجل، بعيداً عن مكتبه وضجيج السياسة، يعيش حياة بسيطة؛ قليل الأصدقاء، وفي أوقات فراغه يذهب إلى مزرعته، ولا يبدو شديد الاهتمام بالأضواء والمجالس.
إن صحت هذه الصورة، فهي تعجبني أكثر من كثير من مظاهر الاستعراض التي أصبحت جزءاً من حياة بعض المسؤولين.
المسؤول الذي يستطيع أن يعيش بعيداً عن التصفيق، يستطيع غالباً أن يسمع صوت المواطن بصورة أوضح.
ولعل أكثر ما أراه جديراً بالإشادة في تجربة الرجل هو أنه، ، ترك مساحات واسعة لأعضاء حكومته للعمل، ولم يحاول أن يجعل كل إنجاز يُنسب إليه شخصياً.
النجاح الحقيقي للمسؤول أن تصبح المؤسسة أقوى من شخصه.
وفي النهاية، لا أكتب هذا المقال دفاعاً مطلقاً عن الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد، ولا أزعم أن تجربته خالية من الأخطاء. فالولاية الشمالية، مثلها مثل أي ولاية، أمامها تحديات كبيرة في الخدمات والتنمية والاقتصاد والبنية التحتية، ومن حق أهلها أن يسألوا وأن يحاسبوا وأن ينتقدوا.
لكنني أكتب لأنني أرى أن الرجل يستحق أن يُحاكم على حصيلة عمله لا على مقاطع السخرية منه، وعلى القرارات التي اتخذها لا على الطريقة التي يتحدث بها، وعلى ما تركه في مؤسسات الولاية لا على ما يقال عنه في مجموعات التواصل الاجتماعي.
وفي السودان اليوم، ربما نحتاج إلى مسؤولين لا يملكون وقتاً للرد على كل إساءة، لأن وقتهم مشغول بالعمل.
دعوا الرجل يعمل، وحاسبوه على النتائج.
فإن نجح، فذلك حق الشمالية وأهلها قبل أن يكون مجداً لواليها، وإن أخفق، فليُسأل بالأرقام والحقائق والوثائق.
أما التنمر، فلا يبني مستشفى، ولا يشيد طريقاً، ولا يوفر دواءً، ولا يخلق فرصة عمل.
وفي النهاية.. لا يهم كثيراً كيف يتحدث الوالي أمام الكاميرا، بقدر ما يهم ماذا يقول الواقع عندما نتجول في شوارع الولاية ومؤسساتها ومستشفياتها.