كسلا والخريف.. هل تنجح البنية التحتية في إنهاء «موسم الطوارئ»؟ محيي الدين شجر
كسلا والخريف.. هل تنجح البنية التحتية في إنهاء «موسم الطوارئ»؟ محيي الدين شجر
لم يعد الخريف في كسلا مجرد موسم تنتظره المدينة بقلق، عام بعد عام
بل أصبح اختباراً سنوياً لقدرة البنية التحتية على حماية الأحياء والطرق والمرافق العامة من المياه.
والذاكرة تحتفظ بكثير من المآسي والدماء والدموع..
لقد اطلعت على قبل أيام على حزمة مشروعات البنية التحتية ضمن خطة الخريف الآمن 2026، بهدف معالجة نقاط تجمع المياه، وتأهيل الطرق الحيوية وإنشاء وتطوير شبكات تصريف الأمطار،
ومالفت نظري حقا انها تضمنت أفكار جديدة
والجديد هذا العام أن المشهد يبدو مختلفاً؛ فبدلاً من الاكتفاء بفتح المصارف وإزالة الأتربة عند هطول الأمطار، تتجه محلية كسلا إلى تنفيذ حزمة واسعة من مشروعات الكباري والعبارات والردميات وتصريف المياه.
أكثر من 40 عبارة تستعد المدينة لتركيبها في عدد من الأحياء، ضمن مشروع تتجاوز قيمته الإجمالية 1.59 مليار جنيه، تبدأ مرحلته الأولى بنحو 380 مليون جنيه. كما تشمل الخطة إنشاء وتأهيل عدد من الكباري والعبارات في المواقع الحرجة، إلى جانب أعمال الردميات وتأهيل المسارات، فيما تبلغ تكلفة ردميات طريق مكتب الصرف الصحي وحدها أكثر من 195 مليون جنيه.
وهنا يصبح السؤال ملحا : هل تتحول كسلا بالفعل من مدينة تنتظر الخريف كل عام لتبدأ في التعامل مع آثاره، إلى مدينة تستعد له عبر بنية تحتية دائمة؟
المؤشرات تقول إن هناك محاولة جادة للانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها. فخلال عامي 2025 و2026، جرى توجيه نحو 3.4 مليارات جنيه لمشروعات المصارف، وهو رقم كبير يعكس حجم المشكلة من جهة، وحجم الإنفاق عليها من جهة أخرى.
ولكن هل يكفي الإنفاق وحده لصناعة بنية تحتية ناجحة.؟
فالمعيار الحقيقي لأي مشروع لتصريف مياه الأمطار يتمثل في قدرته على الصمود أمام الأمطار الغزيرة، واستيعاب المياه، وعدم تحوله بعد سنوات قليلة إلى جزء جديد من المشكلة.
كسلا تحتاج إلى أن تنظر إلى مياه الخريف باعتبارها جزءاً من التخطيط الحضري، لا كارثة موسمية. فالمدينة التي تتوسع أحياؤها وتزداد طرقها ومبانيها تحتاج إلى منظومة تصريف تتناسب مع هذا التوسع، وإلى ربط الطرق والكباري والمصارف والعبارات في شبكة واحدة تعمل بكفاءة.
والأهم أن مشروعات البنية التحتية لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء موسم الخريف. فالصيانة الدورية وتنظيف المصارف ومراجعة العبارات والكباري ومراقبة نقاط تجمع المياه يجب أن تكون جزءاً دائماً من إدارة المدينة.
لقد دفعت كسلا خلال سنوات ثمناً باهظاً لمشكلات الخريف، من تعطّل الطرق إلى غرق بعض المناطق وتضرر الممتلكات وتعقيد حركة المواطنين. ولذلك فإن الانتقال من الحلول الإسعافية إلى الحلول الهندسية المستدامة ليس ترفاً، بل ضرورة.
380 مليون جنيه للمرحلة الأولى، وأكثر من 40 عبارة، ومليارات صُرفت على المصارف خلال عامين؛ كلها أرقام تمنح خطة «الخريف الآمن» وزناً كبيراً، لكنها في الوقت نفسه تضع المسؤولين أمام مسؤولية أكبر: أن تتحول هذه الأموال إلى مشروعات تعمل بكفاءة، وأن يشعر المواطن فعلياً بأن الخريف القادم لن يكون نسخة من الخريف السابق.
كسلا لا تحتاج إلى أن تنتصر على الخريف في كل عام بمعركة جديدة؛ ما تحتاجه هو أن تبني من الآن ما يجعل الخريف أقل خطراً في كل عام.
ذلك هو الاختبار الحقيقي لـ«الخريف الآمن»: ليس كم ملياراً أُنفق، وإنما كم شارعاً لم يغرق، وكم حيّاً لم تحاصره المياه، وكم طريقاً ظل مفتوحاً عندما هطلت الأمطار.