ضفاف/ نصر الدين بخيت العقابي/ الشباب.. رهان الأمم على الغد

ضفاف

نصر الدين بخيت العقابي

الشباب.. رهان الأمم على الغد

في كل وطن جيل يحمل على كتفيه أكثر مما يحمل عمره، جيل يقف في المنطقة الفاصلة بين ذاكرة الأمس واحتمالات الغد، يرى ما صنعه الذين سبقوه، ويتطلع إلى أن يضيف شيئاً من عنده إلى حكاية الوطن. ذلك الجيل هو الشباب.
ولهذا لم يكن اختيار يوم دولي للشباب ترفاً في أجندة الأمم المتحدة، وإنما جاء تعبيراً عن إدراك متزايد بأن قضية الشباب ترتبط مباشرة بقضايا التنمية والسلام والعمل والتعليم ومستقبل المجتمعات. ويُحتفل باليوم العالمي للشباب في 12 أغسطس من كل عام، بهدف لفت انتباه المجتمع الدولي إلى قضايا الشباب والاحتفاء بإمكاناتهم بوصفهم شركاء في المجتمع العالمي. وقد بدأت فكرة هذا اليوم من الشباب أنفسهم في منتدى الشباب العالمي بفيينا عام 1991، ثم اعتمد المؤتمر العالمي لوزراء الشباب في لشبونة عام 1998 يوم 12 أغسطس، وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة ذلك رسمياً في قرارها 54/120 الصادر عام 1999، واحتُفل باليوم للمرة الأولى عام 2000.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح الثاني عشر من أغسطس مساحة سنوية لإعادة طرح السؤال القديم المتجدد: ماذا نريد من الشباب، وماذا أعددنا لهم؟
لكنني أظن أن السؤال الأصح هو: ماذا يريد الشباب منا؟
يريدون وطناً يجدون فيه مكاناً لأحلامهم، وتعليماً يفتح لهم الطريق، وعملاً يحفظ كرامتهم، ومجتمعاً يسمع أصواتهم، ومؤسسات تثق في قدراتهم، وفرصة عادلة لا تجعل مستقبل الإنسان رهناً بميلاده أو ظروفه أو علاقاته.
وفي عام 2026، يأتي اليوم العالمي للشباب تحت شعار «سياقات مختلفة، تطلعات مشتركة»، وهي عبارة تختصر مساحة واسعة من الحقيقة الإنسانية. فالشاب في السودان قد يعيش واقعاً مختلفاً عن شاب في أوروبا أو آسيا أو أفريقيا، لكنهما يلتقيان في تطلعات أساسية: التعليم الجيد، والعمل اللائق، والكرامة، والمشاركة في القرارات التي تمس حياتهما، والصحة، والقدرة على بناء مستقبل آمن ومستدام.
وهنا تتجاوز قضية الشباب حدود العمر.
فالشباب ليسوا رقماً في تعداد السكان، ولا مرحلة زمنية تنتهي ببلوغ سن معينة؛ إنهم طاقة اجتماعية وفكرية واقتصادية يمكن أن تغير شكل المجتمع بأكمله. وعندما تجد هذه الطاقة طريقها إلى العلم والعمل والإبداع، تتحول إلى قوة بناء. وعندما تُغلق أمامها الأبواب، يمكن أن تتحول مشاعر الإحباط إلى عزلة أو اضطراب أو هجرة أو انجراف نحو المخاطر.
وهذا ما يجعل الاستثمار في الشباب واحداً من أذكى الاستثمارات التي يمكن أن تقوم بها الدول.
فالدولة التي تبني مدرسة لا تبني جدراناً فقط، وإنما تبني عقل المستقبل. والتي تنشئ مركزاً للتدريب المهني لا تمنح مهارة فحسب، بل تمنح إنساناً وسيلة للاستقلال والاعتماد على النفس. والتي تفتح ملعباً للشباب لا توفر مساحة للترفيه وحده، بل تمنح المجتمع مدرسة للانضباط والمنافسة والعمل الجماعي.
ومن هنا تأتي أهمية الحركة الرياضية في حياة الشباب.
فالرياضة تستطيع أن تأخذ طاقة الشاب من الفراغ إلى الفعل، ومن العزلة إلى الجماعة، ومن الفوضى إلى الانضباط. وفي الملعب يتعلم الشاب أن النجاح لا يأتي بالموهبة وحدها، وأن الفريق أقوى من الفرد، وأن الخسارة ليست نهاية الطريق، وأن احترام المنافس جزء من قيمة الانتصار.
ولذلك فإن الرياضة الشبابية يجب ألا تُعامل باعتبارها ملفاً ثانوياً. إنها جزء من التربية الاجتماعية، ومن الوقاية الصحية، ومن بناء الشخصية، ومن اكتشاف المواهب، ومن حماية الأجيال من الفراغ الذي قد يكون بوابة لكثير من المخاطر.
وفي هذا السياق، يبرز دور الحركة الرياضية التي ظل الأستاذ محمد دقلي يؤكد أهميتها، خاصة في التعامل مع الشباب باعتبارهم طاقة تحتاج إلى التوجيه والرعاية والفرصة، لا إلى الوعظ وحده.
والتحديات التي تواجه الشباب اليوم لم تعد محدودة في البطالة أو صعوبة الحصول على التعليم.
هناك عالم جديد يتشكل أمام أعيننا.
الذكاء الاصطناعي يعيد رسم سوق العمل، والتكنولوجيا تغير طبيعة المهن، والمعلومات أصبحت متاحة بصورة غير مسبوقة، وفي المقابل أصبحت القدرة على التمييز بين المعرفة الحقيقية والمعلومات المضللة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ولهذا تركز الأمم المتحدة في اليوم العالمي للشباب لعام 2026 على المهارات المستقبلية، ومن بينها الثقافة الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعاون، والتعاطف والقدرة على الصمود. فالاستعداد للغد لم يعد يعني حفظ المعلومات، وإنما امتلاك القدرة على التعلم والتكيف وصناعة الحلول.
وهذه نقطة يجب أن ننتبه إليها في السودان.
نحن لا نحتاج فقط إلى إعادة الشباب إلى مقاعد الدراسة، وإنما نحتاج إلى إعدادهم لعالم العمل الجديد. نحتاج إلى التعليم التقني، والتدريب المهني، والبرمجة، والمهارات الرقمية، واللغات، وريادة الأعمال، والمهن التي يحتاج إليها اقتصاد المستقبل.
والأرقام العالمية تضع أمامنا حجم التحدي. فبحسب مكتب الأمم المتحدة للشباب، يُتوقع أن يدخل نحو 1.2 مليار شاب سوق العمل خلال العقد المقبل، مقابل نحو 420 مليون وظيفة متوقعة عالمياً. وهذه الفجوة تقول بوضوح إن المسألة لم تعد توفير وظائف بالأساليب التقليدية فقط، وإنما إعداد الشباب لخلق الفرص لأنفسهم ولغيرهم.
لكن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نطلب من الشباب أن يواجهوا كل هذه التحولات وحدهم.
فالشاب الذي يعيش تحت ضغط البطالة يحتاج إلى فرصة، لا إلى محاضرة عن الصبر.
والشاب الذي انقطع عن التعليم يحتاج إلى طريق للعودة، لا إلى لوم.
والشاب الذي يواجه ضغوطاً نفسية يحتاج إلى من يسمعه ويساعده، لا إلى أن يُتهم بالضعف.
والشاب الذي يقع في براثن المخدرات أو المنشطات يحتاج إلى علاج واحتواء وبرامج وقاية ومجتمع يفتح له طريق العودة.
إن الصحة النفسية، والتعليم، والعمل، والرياضة، والحماية من المخدرات، كلها قضايا متصلة ببعضها. فالشباب الذين يشعرون بأن لهم مستقبلاً يصبحون أكثر قدرة على مقاومة اليأس، وأكثر استعداداً للمشاركة في بناء مجتمعهم.
ولعل السودان أكثر البلدان حاجة إلى هذا الفهم.
فالحرب لا تدمر المباني وحدها؛ إنها تترك ندوباً في الإنسان، وتقطع مسارات التعليم والعمل، وتدفع الأسر إلى النزوح، وتضع الشباب أمام مسؤوليات وضغوط لم تكن في حساباتهم.
وفي مرحلة إعادة بناء السودان، لا ينبغي أن يكون الشباب في مقاعد المتفرجين.
بل يجب أن يكونوا في قلب عملية البناء.
فهم الأكثر قدرة على استخدام التكنولوجيا، والأسرع في التعلم، والأكثر استعداداً لتجربة أفكار جديدة، والأقرب إلى فهم العالم الذي يتشكل من حولنا.
لكن ذلك يحتاج إلى قرار واضح: أن نتعامل مع الشباب بوصفهم شركاء، لا تابعين.
وهذه الفكرة أصبحت حاضرة بقوة في الخطاب الدولي حول الشباب والسلام والتنمية. ففي عام 2015، اعتمد مجلس الأمن القرار 2250 بشأن الشباب والسلام والأمن، داعياً إلى تعزيز المشاركة الهادفة للشباب في بناء السلام ومنع العنف. وهذا تطور مهم في النظرة الدولية؛ فالشاب لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره شخصاً يحتاج إلى الحماية، وإنما باعتباره أيضاً قوة قادرة على صناعة السلام والتغيير.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لليوم العالمي للشباب.
إنه يذكرنا بأن الشباب لا يريدون أن نقرر مستقبلهم من دونهم.
يريدون أن نسمعهم قبل أن نتحدث باسمهم.
يريدون أن نمنحهم الفرصة قبل أن نسألهم عن النتائج.
يريدون مؤسسات تفتح أبوابها للكفاءة، لا للأسماء.
ويريدون أن يكون معيار التقدم هو القدرة والعمل والإنجاز.
لقد تغير العالم كثيراً، والشباب يتغيرون معه. وما كان يصلح قبل عشرين عاماً قد لا يصلح اليوم، وما يحتاج إليه سوق العمل غداً قد لا يكون هو ما نعد له أبناءنا الآن.
لذلك فإن أعظم خدمة يمكن أن نقدمها للشباب هي أن نعلمهم كيف يتعلمون، وكيف يفكرون، وكيف يعملون، وكيف يختلفون، وكيف يصنعون الحلول.
إننا لا نستطيع أن نمنح كل شاب وظيفة، لكن نستطيع أن نمنحه مهارة.
ولا نستطيع أن نزيل كل العقبات من طريقه، لكن نستطيع ألا نكون عقبة إضافية.
ولا نستطيع أن نضمن له حياة بلا صعوبات، لكن نستطيع أن نبني مجتمعاً يمنحه القدرة على مواجهة الصعوبات.
والأمم التي تفهم هذه المعادلة لا تنظر إلى الشباب باعتبارهم تكلفة، وإنما باعتبارهم ثروة وطنية متجددة.
فكل شاب يتعلم هو إضافة إلى قوة المجتمع.
وكل شابة تدخل سوق العمل هي أسرة أكثر قدرة على الاستقرار.
وكل موهبة رياضية تجد من يرعاها قد تصبح عنواناً لوطن.
وكل مشروع صغير ينجح قد يفتح أبواباً لآخرين.
وكل شاب يشارك في صناعة القرار يتعلم معنى المسؤولية.
وفي السودان، لا أعتقد أن لدينا رفاهية تأجيل هذا الملف.
نحن بحاجة إلى مشروع وطني للشباب، مشروع لا يختصرهم في الرياضة، ولا في التوظيف، ولا في التعليم وحده، وإنما ينظر إليهم كمنظومة متكاملة: تعليم، تدريب، عمل، رياضة، ثقافة، صحة نفسية، حماية اجتماعية، مشاركة عامة، وفضاء واسع للابتكار.
فالمستقبل الذي نريده للسودان لن تصنعه المباني وحدها، ولن تعيده الطرق والجسور وحدها؛ سيصنعه الإنسان الذي يقف داخل هذه المؤسسات ويديرها بعلم ووعي ونزاهة.
وهذا الإنسان هو شاب اليوم.
لذلك، فإن الاحتفال الحقيقي باليوم العالمي للشباب لا يكون في منصة ترفع فيها الشعارات، ولا في كلمات جميلة تنتهي بانتهاء المناسبة.
الاحتفال الحقيقي يبدأ من قرار.
قرار بأن نفتح أبواب التعليم.
قرار بأن نوسع فرص العمل.
قرار بأن نعيد للرياضة دورها التربوي.
قرار بأن نحاصر المخدرات والمنشطات.
قرار بأن نرعى الصحة النفسية.
قرار بأن ندرب الشباب على مهارات العصر.
وقرار أكبر من ذلك كله: أن نثق فيهم.
فالشباب لا ينتظرون أن يأتي المستقبل من مكان بعيد؛ إنهم يعيشون في قلبه، ويصنعون ملامحه كل يوم.
وفي اليوم العالمي للشباب، ربما يكون من الإنصاف ألا نقول لهم فقط: أنتم مستقبل الوطن.
بل نقول لهم:
أنتم حاضر الوطن أيضاً.
أنتم الطاقة التي يمكن أن تستعيد بها البلاد عافيتها، والعقول التي يمكن أن تعيد بناء ما تهدم، والأيدي التي يمكن أن تزرع بعد الحرب، والأصوات التي يمكن أن تفتح طريق الحوار، والقلوب التي تستطيع أن تحمل السودان إلى مساحة أوسع من الأمل.
فإذا أحسنا إعداد الشباب، فقد أعددنا للوطن طريقاً طويلاً نحو النهوض.
وإذا أهملناهم، فإن الخسارة لن تكون في جيل واحد، وإنما في سنوات كاملة من عمر الوطن.
ولهذا يبقى اليوم العالمي للشباب أكثر من مناسبة دولية؛ إنه مرآة نرى فيها مقدار اهتمامنا بالإنسان الذي سيحمل الراية بعدنا.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد انطفاء كل الاحتفالات:
هل نريد من شبابنا أن يرثوا المستقبل، أم نريد أن نمنحهم الأدوات التي تمكنهم من صناعته؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين وطن ينتظر غده، ووطن يبدأ في صناعة غده من اليوم.