تحقيق «المسكوت عنه» (7) والأخير: عودة الباحثين… ومتى سيتحرك السودان ليجمع هذا الماضي في مكانه الصحيح؟
تحقيق «المسكوت عنه» (7) والأخير: جبل موية بعد ويلكوم.. عودة الباحثين تكشف تاريخًا أقدم وتعيد طرح سؤال الرفات والآثار
تحقيق: محيي الدين شجر
من نبش القبور إلى قراءة ما تبقى منها

بعد أكثر من قرن على انتهاء حفريات هنري سولومون ويلكوم في جبل موية، عاد الموقع مرة أخرى إلى دائرة الاهتمام العلمي، لكن هذه المرة بأدوات وأسئلة مختلفة.
فبعد أن توقفت حفريات ويلكوم عام 1914، ظل جبل موية بعيدًا عن أعمال التنقيب واسعة النطاق لعقود.
لكن الموقع لم يختفِ تمامًا من خريطة البحث الأثري.
في أوائل سبعينيات القرن الماضي، عاد عالم الآثار البريطاني ج. دزموند كلارك وفريقه إلى المنطقة، وأجريا أعمال اختبار محدودة في جبل موية، نتج عنها الحصول على عينات فحم أعطت تواريخ بالكربون المشع تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد تقريبًا.
وكانت تلك النتائج الأولى كافية لزعزعة التصور الزمني القديم للموقع، الذي كان قد ارتبط في الدراسات السابقة بفترات أحدث.
لكن العودة الأكبر جاءت بعد ذلك بسنوات طويلة.
2017.. بداية العودة الحقيقية
في أكتوبر 2017، بدأت بعثة علمية مشتركة ضمت باحثين من جامعة كوليدج لندن، وجامعة الخرطوم، والهيئة القومية للآثار والمتاحف السودانية أعمالًا جديدة في جبل موية.
وجاءت البعثة بمشروع مختلف في أهدافه ومنهجه.
لم يكن الهدف إعادة فتح آلاف المدافن، وإنما إجراء حفريات محددة وأخذ عينات وتوثيق الطبقات الأثرية باستخدام وسائل علمية حديثة، شملت علم الآثار النباتي والحيواني، والتحليل العظمي، والفخار، والتأريخ بالكربون المشع، إلى جانب الاستعداد لتحليل النظائر والحمض النووي القديم.
وكانت هذه نقطة تحول في قصة جبل موية.
فالموقع الذي تعاملت معه بعثة ويلكوم بصورة أساسية باعتباره مجالًا واسعًا للمدافن والمكتشفات، أصبح بالنسبة إلى الباحثين الجدد مختبرًا لفهم الإنسان والبيئة والاقتصاد والحركة والتغير المناخي عبر آلاف السنين.
لم يأتوا للبحث عن الذهب
كان الاختلاف بين المرحلتين واضحًا.
فالبعثات الحديثة لم تكن معنية بمجرد العثور على مقتنيات جنائزية، وإنما بالسياق الذي توجد فيه القطعة أو العظمة أو بذرة النبات أو قطعة الفخار.
ولهذا جرى حفر عدد محدود من الخنادق، مع تسجيل الطبقات بدقة، وأخذ عينات من كل مستوى تقريبًا، ودراسة ما تحتويه من بقايا نباتية وحيوانية وأثرية.
وفي بعض الحالات، استهدف الباحثون مدافن كانت تتعرض للتعرية أو أصبحت مهددة، حتى يمكن توثيقها علميًا قبل ضياع معلوماتها.
وهكذا ظهر فارق جوهري:
في البعثات الحديثة أصبح السؤال ليس فقط: ماذا يوجد في القبر؟ وإنما: ماذا يخبرنا القبر عن المجتمع الذي دفن صاحبه فيه؟
جبل موية.. أقدم مما كان يُعتقد
ربما كان أهم ما غيرته الأبحاث الحديثة هو فهم عمر الموقع.
فلم يعد جبل موية يُنظر إليه باعتباره موقعًا يعود إلى فترة تاريخية محدودة.
تشير الأدلة الأثرية الجديدة إلى أن النشاط البشري في الموقع يعود إلى الألفية السادسة قبل الميلاد على الأقل، بينما تؤكد تواريخ الكربون المشع الجديدة وجود نشاط جنائزي مستمر من الألفية الثالثة قبل الميلاد حتى نحو 2000 سنة مضت.
وهنا يجب التفريق بين أمرين:
النشاط البشري في الموقع أقدم من النشاط الجنائزي المؤكد.
وهذا التفريق مهم، لأنه يعني أن جبل موية لم يكن منذ البداية مجرد مقبرة.
فقد استخدمه البشر وعاشوا فيه واستغلوا موارده قبل أن يصبح واحدًا من أكبر المجمعات الجنائزية المعروفة في المنطقة.

السورغم.. بذرة تعيد كتابة التاريخ
ومن أكثر الاكتشافات إثارة أن الباحثين عثروا على بقايا الذرة الرفيعة «السورغم»، وأظهرت تحاليل الكربون المشع أن بعض هذه البقايا يعود إلى نحو 2550–2210 قبل الميلاد.
كما عُثر على بقايا حيوانية شملت الأبقار والأغنام والماعز.
وهذه النتائج لا تقدم مجرد تواريخ.
إنها تفتح نافذة على طبيعة الحياة في المنطقة.
فجبل موية كان جزءًا من بيئة مارس فيها السكان أنشطة مرتبطة بالرعي والزراعة، وتفاعلوا مع التغيرات البيئية على مدى فترات طويلة.
وبذلك أصبحت قصة الموقع مرتبطة أيضًا بتاريخ الزراعة والرعي والتغير المناخي وانتشار الحيوانات المستأنسة في شرق الساحل الأفريقي.
لم يكن جبل موية مجرد مقبرة
هذه واحدة من أهم النتائج التي غيرت الصورة القديمة للموقع.
فدراسة الفخار والطبقات الأثرية أظهرت أن جبل موية لم يكن مجرد مكان لدفن الموتى، وإنما كان موقعًا شهد نشاطًا بشريًا متنوعًا.
وتشير دراسة الفخار إلى أن الموقع كان مأهولًا منذ الألفية السادسة قبل الميلاد، وأن تسلسل الفخار يقدم معلومات عن اختلاف أنماط الصناعة والاستخدام والتغير الاجتماعي عبر الزمن.
وهكذا أصبح جبل موية:
موقعًا للعيش والعمل والرعي والزراعة والتبادل والدفن، وليس مجرد مقبرة ضخمة.
ماذا كشفت الدراسات عن أصحاب القبور؟
الرفات التي أخرجتها بعثة ويلكوم قبل أكثر من قرن أصبحت لاحقًا مادة أساسية لدراسات الأنثروبولوجيا.
ومن خلال هذه الرفات، درس الباحثون أعمار الموتى وأجناسهم والأسنان والإصابات والأمراض وأنماط الغذاء.
لكن الدراسات الحديثة لم تكتفِ بإعادة وصف الهياكل العظمية.
بل أعادت قراءة السجل القديم باستخدام تقنيات لم تكن متاحة في زمن ويلكوم.
وأصبح بالإمكان الجمع بين:
الرفات + الفخار + الحيوانات + النباتات + التواريخ الإشعاعية + البيانات البيئية
لإعادة بناء صورة أكثر تعقيدًا للمجتمع الذي عاش في جبل موية.
الأسنان تكشف طبيعة الغذاء
ومن النتائج اللافتة دراسة الأسنان.
فقد فحصت الباحثة راشيل هوتون ماكدونالد 2411 سنًا من جبل موية، ولم تظهر التسوسات إلا في نسبة ضئيلة للغاية بلغت نحو 0.2%.
وقد استخدمت الدراسة هذه النتيجة في مقارنة سكان جبل موية بمجموعات من الصيادين وجامعي الثمار والرعاة والمزارعين، وخلصت إلى أن النمط السني يتوافق بدرجة أكبر مع المجتمعات الرعوية.
وهذه النتيجة مهمة لأنها تقدم، من خلال الأسنان وحدها، دليلًا إضافيًا على طبيعة الاقتصاد والغذاء لدى سكان الموقع.
بل إن المقارنة مع عينات من النوبة المروية أظهرت فرقًا كبيرًا في معدلات التسوس، وهو ما يفتح نافذة أخرى على الاختلافات الغذائية بين المجتمعات.
الأبقار لم تكن مجرد طعام
ومن التفاصيل التي تستحق التوقف أن الدراسات سجلت وجود عظام أبقار مرتبطة ببعض المدافن، بما في ذلك أجزاء من الحيوان أو دفنات حيوانية منفصلة.
وتشير إحدى الدراسات إلى وجود 55 حالة من عظام الأبقار ضمن سياقات الدفن.
وهذا يطرح سؤالًا عن الدور الرمزي والاقتصادي للحيوان في مجتمع جبل موية.
فوجود الحيوان داخل سياق جنائزي قد لا يكون مجرد مسألة غذائية، وإنما قد يرتبط بالمعتقدات أو المكانة الاجتماعية أو الطقوس الجنائزية.
جبل موية وعلاقته بالمرويين
كشفت الدراسات الحديثة أيضًا عن أدلة على نشاط يعود إلى الفترة المروية.
لكن الصورة أكثر تعقيدًا من القول إن جبل موية كان ببساطة «موقعًا مرويًا».
فالموقع كان يقع في الطرف الجنوبي من المجال المروي، وتشير الأبحاث إلى وجود تفاعلات بين السكان المحليين والتقاليد الخارجية، مع أدلة على أن المنطقة لم تكن بالضرورة خاضعة لسيطرة سياسية مروية مباشرة.
وهذا يفتح سؤالًا مهمًا:
هل كان سكان جبل موية جزءًا من الدولة المروية؟
أم كانوا مجتمعًا محليًا مستقلًا يتفاعل معها؟
وهل كان الموقع منطقة حدود وتبادل بين مجموعات ثقافية مختلفة؟
هذه الأسئلة جعلت جبل موية مهمًا ليس فقط لفهم تاريخ السودان، وإنما لفهم التفاعل بين وادي النيل وشرق الساحل الأفريقي.
ماذا حدث للرفات بعد أكثر من قرن؟
وهنا تعود المفارقة التي رافقت التحقيق منذ بدايته.
فالمعلومات الجديدة التي نعرفها اليوم عن سكان جبل موية جاءت في جانب مهم منها من رفات خرجت من السودان خلال بعثة ويلكوم.
فقد أظهرت إعادة دراسة أرشيف الحفريات أن 3135 جثمانًا أخرجت من 2791 قبرًا، وأن غالبية المواد، بما فيها السجلات والمواد الهيكلية، نُقلت إلى المملكة المتحدة. كما أصبحت الرفات البشرية محفوظة في مختبر داكوورث بجامعة كامبريدج.
وهنا يظهر التناقض التاريخي:
الرفات خرجت من السودان، لكنها أصبحت لاحقًا مصدرًا لمعرفة علمية جديدة عن السودان.
وهذه المعرفة نفسها أعادت اليوم الاعتبار إلى جبل موية بوصفه موقعًا محوريًا في تاريخ المنطقة.
من ويلكوم إلى الباحثين الجدد.. تغير السؤال
ربما يكون هذا هو التحول الأكبر في قصة جبل موية.
فالسؤال في زمن ويلكوم كان إلى حد كبير:
ماذا يوجد داخل هذه القبور؟
أما السؤال في الدراسات الحديثة فأصبح:
من هم هؤلاء الناس؟ كيف عاشوا؟ ماذا أكلوا؟ كيف تحركوا؟ كيف تغيرت بيئتهم؟ وما علاقتهم بالمجتمعات المحيطة بهم؟
ومن «جمع المكتشفات» انتقل البحث إلى قراءة السياق.
ومن القطعة المنفردة إلى المجتمع.
ومن القبر إلى البيئة.
ومن الأثر إلى الإنسان.
لكن الموقع لم يقل كلمته الأخيرة
رغم كل ما جرى في جبل موية، فإن الجزء الأكبر من الموقع لم يُستكشف بصورة شاملة.
فالمجمع تبلغ مساحته نحو 10.4 هكتارات، وكانت بعثة ويلكوم قد حفرت جزءًا منه فقط، بينما ظلت أجزاء أخرى من الموقع دون تنقيب شامل.
والبعثات الحديثة نفسها جاءت أساسًا لاستكشاف ما تبقى من الرواسب الأثرية من خلال حفريات محدودة وموجهة.
وهذا يعني أن جبل موية لا يزال يحتفظ بأسرار لم تُكشف.
فما تحت الأرض قد يحمل إجابات عن:
– بدايات الاستقرار في المنطقة.
– تطور الرعي والزراعة.
– العلاقات بين السكان والمجموعات المجاورة.
– طبيعة التبادل والحركة.
– التحولات المناخية.
– وتطور الطقوس الجنائزية عبر آلاف السنين.
ماذا أضافت البعثات الحديثة إلى ما تركه ويلكوم؟
يمكن تلخيص التحول في أربع نقاط:
أولًا: أعادت تحديد عمر الموقع، وأظهرت أن تاريخه أقدم وأكثر امتدادًا مما كان معروفًا.
ثانيًا: أثبتت أن جبل موية لم يكن مجرد مقبرة، بل شهد نشاطًا بشريًا واقتصاديًا وبيئيًا متنوعًا.
ثالثًا: أعادت قراءة الرفات والمقتنيات القديمة باستخدام تقنيات علمية حديثة.
رابعًا: أعادت إدخال جبل موية في النقاش العلمي حول تاريخ شرق الساحل الأفريقي والتفاعل بين المجتمعات القديمة.
ومن هنا تعود القضية إلى السودان
بعد أكثر من قرن، أصبحت قيمة جبل موية أكبر من مجرد عدد القطع الموجودة في المتاحف.
فالموقع يقدم سجلًا نادرًا لتاريخ مجتمع سوداني عاش وتحرك وتغير عبر آلاف السنين.
والرفات التي خرجت من الموقع أصبحت مصدرًا لدراسات علمية.
والفخار أصبح وسيلة لإعادة بناء التسلسل الزمني.
والبذور والعظام أصبحت أدوات لفهم البيئة والغذاء والاقتصاد.
والخرائط والسجلات أصبحت أساسًا لإعادة بناء الموقع.
لكن معظم هذه المعرفة ما زالت موزعة بين مؤسسات ومختبرات وأرشيفات خارج السودان.
وهنا تتضح أهمية ما وصل إليه التحقيق في الجزء السادس:
القضية ليست فقط استعادة قطعة أثرية، وإنما استعادة القدرة على معرفة تاريخ الموقع من مصادره الأصلية.
جبل موية.. القصة التي بدأت بالحفر ولم تنتهِ بالرفات
قبل أكثر من قرن، جاء هنري سولومون ويلكوم إلى جبل موية.
حفر المدافن.
أخرج الرفات والمقتنيات.
ونُقلت أجزاء كبيرة من المواد إلى خارج السودان.
ثم جاء باحثون بعده.
أعيدت قراءة القطع.
وأعيد فحص الرفات.
وأعيد تأريخ الموقع.
واكتُشفت أدلة على الزراعة والرعي والنشاط البشري القديم.
وتغيرت صورة جبل موية من «مقبرة غامضة» إلى موقع يحمل سجلًا طويلًا للحياة البشرية في السودان.
لكن المفارقة الكبرى بقيت:
كلما عرف العالم أكثر عن جبل موية، أصبح السؤال عن مصير ما خرج منه أكثر إلحاحًا.
فالمعرفة الجديدة لم تغلق ملف ويلكوم.
بل أعادت فتحه.
ليس فقط بالسؤال:
ماذا أخذ؟
وإنما:
ماذا ترك؟
وماذا بقي في الأرض؟
وماذا بقي في الأرشيف؟
وأين توجد اليوم رفات آلاف الأشخاص الذين أصبحت أجسادهم جزءًا من تاريخ علم الآثار والأنثروبولوجيا؟
وأين توجد القطع التي حملت أرقامًا متحفية وأسماء مؤسسات، بينما ظل أصلها الأول:
جبل موية – السودان؟
كلمة أخيرة.. ما الذي تركه التحقيق؟
ربما لا يستطيع هذا التحقيق وحده أن يحدد مصير كل قطعة خرجت من جبل موية.
ولم يكن ذلك هدفه.
فالتحقيق لم يبدأ بحكم مسبق، ولم ينتهِ باتهام شامل.
بل حاول أن يضع أمام القارئ سلسلة من الأسئلة والوثائق والسجلات:
منح التنقيب؟
ماذا أخرجت البعثة؟
أين ذهبت المكتشفات؟
كيف ظهرت لاحقًا في المتاحف؟
ماذا حدث للرفات البشرية؟
ماذا تقول سجلات «تقسيم المكتشفات»؟
وماذا كشف الباحثون الذين عادوا إلى جبل موية بعد ويلكوم؟
والإجابة الكاملة على هذه الأسئلة ليست مهمة للصحافة وحدها.
إنها مهمة للباحث السوداني، وللمؤسسات السودانية، وللمتاحف التي تحتفظ بهذه المواد، وللمجتمع العلمي الذي لا يمكنه دراسة تاريخ مجتمع ما بمعزل عن السؤال الأخلاقي حول مصير بقاياه ومصادره.
فإذا كان جبل موية قد أعاد كتابة جزء من تاريخ السودان القديم، فإن السودان يحتاج الآن إلى أن يعيد كتابة سجل جبل موية نفسه.
لا من خلال الرواية وحدها.
بل من خلال الوثيقة.
ومن خلال الجرد.
ومن خلال البحث العلمي.
ومن خلال معرفة أين ذهبت الأشياء التي خرجت من الأرض.
فجبل موية ليس مجرد موقع أثري سوداني.
إنه ذاكرة آلاف البشر، وسجل آلاف السنين، وقصة لم تنتهِ بعد.
وربما يكون السؤال الذي سيبقى مفتوحًا بعد انتهاء هذا التحقيق هو:
«إذا كان العالم قد عاد إلى جبل موية ليكتشف ماضيه من جديد، فمتى يعود السودان ليجمع هذا الماضي في مكانه الصحيح؟»
انتهت السلسلة.