تحقيق «المسكوت عنه» (5): من جبل موية إلى المتاحف.. سجلات القطع تكشف مسارًا لم ينتهِ عند ويلكوم

 

تحقيق «المسكوت عنه» (5): من جبل موية إلى المتاحف.. سجلات القطع تكشف مسارًا لم ينتهِ عند ويلكوم
تحقيق : محيي الدين شجر

بعد أن توقفنا في الجزء الرابع عند السؤال المتعلق بالجهة التي منحت هنري سولومون ويلكوم حق التنقيب في جبل موية، وطبيعة السلطة التي كانت تحكم السودان آنذاك، ينتقل التحقيق في هذه الحلقة إلى السؤال الأكثر دقة:

ماذا حدث للمكتشفات بعد استخراجها من الموقع؟ وإلى أين ذهبت؟

الإجابة لا توجد في رواية واحدة، وإنما في سلسلة من السجلات التي توزعت بين الأرشيفات والمتاحف والمؤسسات العلمية.

والمثير أن بعض هذه السجلات لا تكتفي بذكر جبل موية باعتباره موقع العثور، وإنما تقدم معلومات عن مصدر القطعة، وتاريخ دخولها إلى المتحف، وأحيانًا عن طريقة تقسيم المكتشفات.

وهنا تبدأ الصورة في الوضوح

المتحف البريطاني.. أرقام تكشف الطريق

تضم قاعدة بيانات المتحف البريطاني حاليًا 516 سجلًا مرتبطًا بعمل فرانك أديسون المنشور عن جبل موية. وتشمل هذه السجلات مواد متنوعة، بينها تمائم، وبقايا حيوانية، وأدوات حجرية، إضافة إلى قطعة موصوفة بأنها سوار مع بقايا هيكل عظمي بشري.

 

فبعض القطع تحمل في خانة الاقتناء عبارة:

«Donated by: Wellcome Institute for the History of Medicine (Eastern Africa)»

أي أنها دخلت المتحف البريطاني عبر مؤسسة مرتبطة بمجموعات ويلكوم.

وفي الوقت نفسه، تسجل بطاقة القطعة عبارة أخرى:

«Division of Finds: National Corporation for Antiquities and Museums (NCAM)»

أي الإشارة إلى تقسيم المكتشفات مع الهيئة القومية للآثار والمتاحف.

وهذه العبارة القصيرة تستحق التوقف طويلًا.

ماذا يعني «تقسيم المكتشفات»؟

لا ينبغي قراءة عبارة Division of Finds باعتبارها دليلًا تلقائيًا على أن كل قطعة وردت في هذه السجلات «نُهبت» أو خرجت بصورة غير قانونية.

فالعبارة، في حد ذاتها، لا تحسم مشروعية عملية التقسيم ولا تحدد شروطها القانونية.

لكنها، في المقابل، تقدم دليلًا وثائقيًا مهمًا على أن عملية لتقسيم المكتشفات كانت مرتبطة بهذه المواد، وأن بالإمكان البحث عن الوثائق التي تحدد طبيعة ذلك التقسيم ونصيب كل طرف منه.

فمثلًا، تسجل بطاقة فأس حجرية من جبل موية تحمل الرقم المتحفي EA75767 أن مصدر الاقتناء هو مؤسسة ويلكوم، وأن تقسيم المكتشفات مرتبط بـ NCAM، بينما يشير سجل المتحف إلى دخول القطعة ضمن مقتنياته عام 1998.

وتتكرر الصيغة نفسها في قطع أخرى، من بينها:

EA75796، EA75760، EA75822 وغيرها.

وهنا تظهر معلومة بالغة الأهمية:

بعض المواد التي خرجت من جبل موية خلال فترة بعثة ويلكوم لم تدخل المتحف البريطاني مباشرة في زمن الحفريات، وإنما ظهرت في سجلاته بعد عقود، وبعضها دخل عام 1998.

فماذا حدث بين عامي 1914 و1998؟

وأين كانت هذه القطع طوال تلك الفترة؟

وهل كانت ضمن مجموعات ويلكوم؟ وهل جرى نقلها أو إعادة تصنيفها أو تقسيمها قبل وصولها إلى المتحف البريطاني؟

هذه أسئلة لا تجيب عنها بطاقة المتحف وحدها، لكنها تقود إلى المرحلة التالية من التحقيق.

من 1914 إلى 1998.. أين كانت القطع؟

إذا كانت بعض القطع وصلت إلى المتحف البريطاني عام 1998، فإن رحلة القطعة لم تكن ببساطة:

جبل موية → لندن → المتحف البريطاني.

بل يبدو أن هناك مرحلة أو مراحل وسيطة تحتاج إلى إعادة بناء وثائقي.

وتظهر السجلات أن بعض القطع دخلت المتحف البريطاني من خلال مؤسسة Wellcome Institute، وهو ما يفتح بابًا لتتبعها داخل مجموعات ويلكوم قبل انتقالها إلى المتحف.

كما تشير مواد أرشيف ويلكوم إلى أن المواد المرتبطة بجبل موية كانت محفوظة ضمن مجموعاته، إلى جانب ملفات واسعة عن الحفريات والبعثة.

وبذلك يمكن رسم مسار أولي للقطعة:

جبل موية → بعثة ويلكوم → مجموعات ومخازن ويلكوم → عمليات نقل أو تقسيم للمجموعات → متاحف ومؤسسات أخرى.

لكن هذه السلسلة لم تُفك بالكامل بعد.

وهنا تكمن أهمية الأرشيف.

أرشيف ويلكوم.. كنز التحقيق الحقيقي

ربما لا تكمن أهم مادة في ملف جبل موية اليوم في قطعة أثرية بعينها، وإنما في الأرشيف الذي يمكن أن يكشف قصة هذه القطع.

فمؤسسة ويلكوم تحتفظ بملف خاص بجبل موية يعود إلى الفترة 1910–1939، ويضم مراسلات وتقارير ومذكرات وعقودًا للعاملين وصورًا ودراسات متعلقة بالرفات البشرية، إلى جانب وثائق أخرى مرتبطة بالحملة.

كما توجد قائمة جرد خاصة بعنوان Gebel Moya تعود إلى الفترة 1928–1934، وتضم قوائم بالأوراق المرتبطة بجبل موية، إلى جانب الأفلام ومواد أخرى.

ويظهر في أرشيف ويلكوم عدد كبير من النتائج المرتبطة باسم Jebel Moya، إضافة إلى الصور والأفلام والمواد الرقمية.

وهذا يجعل الأرشيف واحدًا من أهم المفاتيح للإجابة عن السؤال الذي ظل مفتوحًا منذ أكثر من قرن:

«ماذا خرج من جبل موية، وإلى أين ذهب؟»

وليس المتحف البريطاني وحده

إذا كان المتحف البريطاني يوفر مئات السجلات المرتبطة بجبل موية، فإن هذه ليست سوى نافذة واحدة على مصير المكتشفات.

فالمواد المرتبطة بحفريات جبل موية توزعت بين مؤسسات ومجموعات علمية ومتحفية أخرى، من بينها مختبر داكوورث في كامبريدج، ومتحف بتري، ومتحف الآثار والأنثروبولوجيا بجامعة كامبريدج، إلى جانب مؤسسات أخرى.

كما يحتفظ Griffith Institute في أكسفورد بمواد مهمة مرتبطة بحفريات جبل موية، تشمل ألبومات صور ومذكرات لأعضاء البعثة ومواد فنية.

وهذا يعني أن أي محاولة لإعداد جرد شامل لمكتشفات جبل موية لا يمكن أن تقتصر على لندن، بل تحتاج إلى خريطة دولية للمجموعات المتفرقة.

حتى الفأس الحجرية لها «سيرة»

لنأخذ مثالًا واحدًا يوضح أهمية تتبع السجل المتحفي.

الفأس الحجرية المسجلة برقم:

EA75822

تحمل بيانات متعددة:

– موقع العثور: جبل موية.
– الطبقة: B.
– رقم المتحف: EA75822.
– رقم التسجيل: 1998,1102.123.
– مصدر الاقتناء: Wellcome Institute for the History of Medicine (Eastern Africa).
– تقسيم المكتشفات: NCAM.
– حالة العرض: محفوظة في المتحف وليست معروضة حاليًا.

هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة بالنسبة إلى القارئ العادي.

لكنها بالنسبة إلى التحقيق مفصلية.

لأنها تثبت أن القطعة ليست مجرد أثر مجهول المصدر؛ بل تمتلك سلسلة من البيانات يمكن استخدامها في إعادة بناء مسارها.

وقطعة أخرى، تحمل الرقم EA75869، مرتبطة بموقع Saqadi New Trench في جبل موية، وتحمل بدورها بيانات تربطها بمؤسسة ويلكوم وتقسيم المكتشفات، مع تسجيل دخولها إلى المتحف في عام 1998.

كل رقم من هذه الأرقام يمكن أن يصبح مدخلًا إلى وثيقة جديدة.

وماذا عن القطعة الذهبية؟

هنا تصبح القضية أكثر إثارة، ولكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى قدر كبير من الدقة.

فأرشيف ويلكوم لا يحتوي فقط على المراسلات والتقارير والصور، وإنما يسجل ضمن مقتنيات جبل موية دلاية ذهبية.

وهذا يثبت وجود مقتنى ذهبي مرتبط بالموقع.

لكن السجلات التي أمكن توثيقها حتى الآن لا تقدم قائمة نهائية تحدد:

– عدد القطع الذهبية التي عُثر عليها.
– وزنها الإجمالي.
– أرقامها الأصلية.
– الجهة التي تسلمتها.
– ومكان وجود كل قطعة اليوم.

ولذلك سيكون من الخطأ صحفيًا الانتقال من وجود دلاية ذهبية إلى الحديث عن «كميات هائلة من الذهب» دون وثائق.

والصياغة الأدق هي:

«تثبت سجلات ويلكوم وجود مقتنى ذهبي مرتبط بجبل موية، بينما لا تزال الكمية الإجمالية للمقتنيات الذهبية ومصيرها الحالي بحاجة إلى جرد كامل.»

وهذا الجرد، إن تم، قد يكشف معلومات جديدة عن طبيعة المكتشفات التي خرجت من الموقع.

الرفات البشرية.. الملف الأكثر حساسية

إذا كانت القطع الأثرية تدخل في نقاش الملكية وتقسيم المكتشفات، فإن الرفات البشرية تطرح سؤالًا مختلفًا وأكثر حساسية.

فالسجل البريطاني نفسه يتضمن مادة من جبل موية موصوفة بأنها سوار مع بقايا هيكل عظمي بشري.

كما توجد مواد بشرية مرتبطة بحفريات جبل موية في مؤسسات علمية أخرى.

وتبرز هنا أهمية Duckworth Laboratory في كامبريدج، التي ارتبطت بها رفات بشرية من حفريات ويلكوم.

لكن السؤال الذي يجب أن يوجهه التحقيق ليس فقط:

كم عدد الرفات التي خرجت من السودان؟

بل أيضًا:

أين توجد اليوم؟ وكيف جرى تسجيلها؟ وهل ما زالت محفوظة كاملة أم في صورة أجزاء أو عينات؟

وهل توجد سجلات تحدد مصدر كل عينة ومكان العثور عليها ورقمها القديم والجهة التي انتقلت إليها؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة لأن الرفات البشرية ليست مجرد «مكتشفات» يمكن التعامل معها بالطريقة نفسها التي تعامل بها القطع الحجرية أو الفخارية.

هل لدينا الآن رقم نهائي؟

لا.

وهذه نقطة يجب أن نكون صريحين بشأنها.

لدينا سجلات للحفريات والمدافن والأفراد الذين وثقتهم البعثة.

ولدينا سجلات متحفية لقطع محددة.

ولدينا أرشيفات تحتوي على قوائم ووثائق وصور ومراسلات.

لكننا لم نعثر، حتى الآن، على سجل واحد نهائي يجمع كل الرفات وكل القطع التي خرجت من جبل موية، ويحدد مكان وجود كل واحدة منها اليوم.

وهذا لا يمثل ضعفًا في التحقيق.

بل هو تحديد دقيق للفجوة التي يكشفها التحقيق.

فالمشكلة ليست فقط في معرفة ما يوجد داخل المتاحف اليوم، وإنما في معرفة ما كان موجودًا أصلًا ضمن مكتشفات الحملة، وكيف جرى تقسيمه، وما الذي حدث لكل جزء منه بعد ذلك.

من هنا يبدأ حق السودان

المرحلة التالية من التحقيق لا ينبغي أن تبدأ بإطلاق اتهام عام، وإنما بالمطالبة بالوثائق.

ومن أهم ما يجب البحث عنه:

– قوائم المكتشفات الأصلية.
– قوائم تقسيم المكتشفات.
– سجلات نقل القطع.
– أرقام التسجيل القديمة والجديدة.
– سجلات الرفات البشرية.
– الوثائق التي تحدد ما عاد إلى السودان وما بقي خارجه.
– وأي مراسلات توضح الأساس الذي جرى بموجبه تقسيم المكتشفات.

فإذا كانت المتاحف تستطيع اليوم أن تقول:

هذه القطعة من جبل موية.

وأن تقول:

هذه القطعة جاءت من Wellcome.

وأن تسجل:

هذه القطعة دخلت المتحف عام 1998.

فإن السؤال المنطقي التالي هو:

«أين بقية القطع؟»

من الجرد إلى الاسترداد

الاسترداد، إذا كان هو الهدف النهائي، لا يبدأ من المطالبة بإعادة كل شيء بصورة عشوائية.

بل يبدأ من قائمة موثقة.

قائمة نضع أمام كل قطعة فيها:

اسمها، رقمها، صورتها، موقع العثور عليها، رقمها القديم، رقمها الحالي، الجهة التي تحتفظ بها، طريقة انتقالها، وتاريخ انتقالها.

ثم يوضع ملف مستقل للرفات البشرية، نظرًا إلى خصوصيتها القانونية والأخلاقية والعلمية.

بعد ذلك يستطيع السودان تحديد الملفات التي تستحق المطالبة الرسمية، وما يحتاج إلى تفاوض، وما يمكن طلب نسخه رقميًا، وما يستوجب بحثًا قانونيًا أعمق.

وهكذا تتحول القضية من حديث عام عن «آثار خرجت من السودان» إلى ملف موثق قطعةً قطعة.

والسؤال الأخطر لم يُطرح بعد

إذا كان المتحف البريطاني يسجل أن بعض مكتشفات جبل موية وصلت إليه من مؤسسة ويلكوم، ويسجل في الوقت نفسه تقسيم المكتشفات مع NCAM، فإن هناك سؤالًا محوريًا يبرز في منتصف هذه السلسلة:

«أين سجل تقسيم المكتشفات الأصلي؟»

ومن الذي قرر أن تذهب هذه القطعة إلى بريطانيا؟

وما الذي كان نصيب السودان؟

وهل توجد قائمة كاملة بالمكتشفات التي جرى تقسيمها؟

وهل توجد وثائق تثبت أن القطع التي أصبحت لاحقًا ضمن مجموعات المتاحف البريطانية كانت ضمن نصيب محدد وفق شروط التقسيم المعمول بها آنذاك؟

هذه الوثيقة، إذا عُثر عليها، قد تكون واحدة من أهم وثائق ملف جبل موية كله.

لأنها لن تخبرنا فقط أين انتهت القطعة، وإنما قد تجيب عن السؤال الأهم:

كيف خرجت أصلًا؟

وفي الحلقة السادسة، نفتح ملف «تقسيم المكتشفات» نفسه، ونبحث في نصيب السودان، وما إذا كانت أجزاء من مكتشفات جبل موية قد عادت إلى المتاحف السودانية، وما الذي يمكن أن تكشفه الوثائق عن المسار الذي سبق وصول القطع إلى المؤسسات الأجنبية.

فمن هنا، لا يعود التحقيق يبحث عن القطع فقط…

بل يبحث عن الوثيقة التي تروي قصة خروجها.