ضفاف / نصر الدين بخيت العقابي/ عندما عاد صوت النصري… غنّت الخرطوم للوطن
ضفاف
نصر الدين بخيت العقابي
عندما عاد صوت النصري… غنّت الخرطوم للوطن
لم تكن الخرطوم في عيد القوات المسلحة تستقبل حفلًا فنيًا بالمعنى المعتاد؛ كانت مدينة أنهكتها الحرب تفتح نوافذها للحياة من جديد، وكانت الجماهير التي ذاقت مرارة الخوف والنزوح تستعيد شيئًا من فرحها، وكان صوت محمد النصري يرتفع في سماء العاصمة كأنه يوقظ في وجدان الناس ذاكرة وطن لم تستطع الحرب أن تطفئه.
الآلاف الذين احتشدوا في الحفل لم يأتوا للاستماع إلى النصري وحده، وإن كان صوته قادرًا على جمع القلوب. جاءوا أيضًا للاحتفاء بالسودان، ولتهنئة القوات المسلحة بعيدها، ولإعلان أن الحياة أقوى من الحرب، وأن الخرطوم التي غاب عنها الفرح طويلًا قادرة على أن تستعيده.
وفي وسط هذا المشهد، كانت عودة محمد النصري إلى الغناء تحمل معنى خاصًا.
فالفنان الذي ابتعد عن منصات الغناء خلال سنوات الحرب، لم يبتعد عن الوطن، ولم يغلق قلبه أمام وجع السودانيين. وحين نزح أهل الفاشر إلى العفاض في شمال السودان، تحرك النصري، وسير القوافل إلى المنطقة، حاملًا العون والمساندة، ومؤكدًا أن الفنان يستطيع أن يجعل من حضوره رسالة، ومن محبته للناس موقفًا، ومن شهرته بابًا لخدمة المحتاجين.
محمد النصري واحد من الأصوات التي وجدت طريقها إلى وجدان السودانيين، وارتبط اسمه بالأغنية التي تلامس الأرض والناس والحنين. ولذلك فإن عودته إلى المسرح بعد الحرب لا تحمل معنى العودة الفنية وحدها؛ إنها عودة صوتٍ إلى مدينة بدأت تستعيد صوتها.
فالخرطوم اليوم ليست المدينة التي عرفناها في سنوات الحرب.
لقد عادت إليها الحكومة، وعاد المواطنون إلى أحيائهم، واستعادت العاصمة شيئًا من نبضها، وعاد القصر الجمهوري إلى دوره السيادي بعد إعادة تأهيله، وبدأ رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان مباشرة أعمال الدولة من قلب الخرطوم.
وفي مثل هذه اللحظة، يصبح للغناء معنى يتجاوز الموسيقى.
الفن في أوقات المحن ليس رفاهية تنتظر انتهاء الأزمات؛ إنه جزء من قدرة المجتمع على الصمود، وحفظ الذاكرة، ومقاومة اليأس، وإبقاء جذوة الأمل مشتعلة في النفوس.
وفي السودان، ظل الفن دائمًا قريبًا من الناس في أفراحهم وأحزانهم، وظلت الأغنية السودانية تحمل تفاصيل الوطن، وتروي حكاياته، وتمنح الناس لغةً أخرى للتعبير عن مشاعرهم.
وخلال الحرب، كان لكل سوداني موقعه في معركة البقاء.
الجندي حمل سلاحه في الميدان.
والطبيب حمل أدواته إلى المستشفى.
والمواطن حمل أسرته ونجا بها من الخطر.
والقوافل حملت الغذاء والدواء إلى النازحين.
والفنان حمل مسؤوليته الأخلاقية تجاه مجتمعه.
ومن هنا تأتي قيمة ما فعله النصري، الذي لم يكتفِ بمراقبة المأساة من بعيد، بل ذهب إلى حيث كان الناس يحتاجون إلى الوقوف معهم.
أما القوات المسلحة السودانية، فإن عيدها هذا العام يأتي في مرحلة مختلفة من مسار الحرب.
جيش خاض معارك قاسية دفاعًا عن الدولة وسيادتها، وقدم الشهداء والجرحى، وصمد في أصعب الظروف، حتى بدأت الخرطوم تستعيد عافيتها، وعادت ولاية الجزيرة إلى حضن الدولة، وتوسعت رقعة المناطق التي استعادت فيها القوات المسلحة زمام المبادرة.
ولهذا لم يكن الحضور الجماهيري الكبير في الحفل تفصيلًا هامشيًا.
الآلاف الذين جاءوا كانوا يحملون في حضورهم رسالة واضحة: نحن نرى تضحياتكم، ونقدر ما قدمتموه من أجل الوطن.
جاءوا ليهنئوا الجيش بعيد ميلاده، وليحتفلوا بعودة الخرطوم، وليمنحوا أبناء القوات المسلحة تحية شعبية تليق بما قدموه.
وفي ذلك المشهد، بدا الأمر وكأن الشعب يصافح جيشه بالغناء والهتاف.
الجندي يحمي الأرض.
والفن يحمي الذاكرة.
الجندي يقف في المتاريس أمام الخطر.
والفنان يقف على المسرح في مواجهة اليأس.
الأول يدافع عن حدود الوطن، والثاني يحرس روحه.
وهكذا تلتقي البندقية والأغنية في مساحة واحدة: حب السودان.
ولعل أجمل ما في عودة النصري أن صوته لم يعد إلى المنصة في مناسبة عادية، وإنما عاد من بوابة الخرطوم، وفي عيد القوات المسلحة، وبين جماهير خرجت من سنوات الحرب وهي تبحث عن لحظة فرح تستحق أن تُحفظ في الذاكرة.
عندما غنى النصري، لم تكن الخرطوم تستمع إليه وحده.
كانت المدينة تستمع إلى نفسها.
كانت تستعيد شيئًا من صوتها القديم، من لياليها، من أفراحها، ومن قدرتها على أن تكون مدينة للحياة لا ساحة للحرب.
وحين ارتفعت أصوات الجماهير تحيةً للقوات المسلحة، امتزج التصفيق بالغناء، واختلط الفرح بدموع الذين فقدوا أحبة، وتجاورت ذكرى الشهداء مع أحلام الأحياء.
كان المشهد أكبر من منصة وأضواء وجمهور.
كان وطنًا يحاول أن يستعيد روحه.
وكان النصري، الذي حمل قوافل العون إلى العفاض في أيام النزوح، يحمل في هذه العودة رسالة مختلفة: أن الحياة تستطيع أن تبدأ من جديد، وأن السودان الذي أتعبته الحرب قادر على النهوض.
وهنا تأتي مسؤولية الفن في المرحلة المقبلة.
فكما انتصر الجيش في ميادين القتال، فإن على الفنانين والمثقفين والإعلاميين أن يخوضوا معركة بناء الوعي، وترميم الوجدان، وجمع ما بعثرته الحرب في النفوس.
السودان لا يحتاج إلى إعادة بناء الحجر وحده؛ يحتاج إلى إعادة بناء الإنسان.
يحتاج إلى أن يستعيد أغنيته، وشعره، ومسرحه، وذاكرته، وقدرته على الحلم.
ويحتاج إلى أصوات تقول إن الوطن أكبر من الحرب، وإن السودان أوسع من جراحه.
ومن هنا يصبح محمد النصري أكثر من فنان عاد إلى الغناء.
إنه صوت من أصوات الحياة وهي تستعيد مكانها.
فغنِّ يا نصري للخرطوم التي عادت.
غنِّ للسودان.
غنِّ للجنود الذين ظلوا في مواقعهم.
غنِّ للشهداء الذين دفعوا ثمن الوطن.
غنِّ للنازحين الذين حملوا السودان في قلوبهم من الفاشر إلى العفاض.
غنِّ لكل أم انتظرت ابنها، ولكل أسرة تنتظر أن تعود إلى بيتها، ولكل سوداني ظل متمسكًا بالأمل رغم قسوة الأيام.
غنِّ للوطن الذي يستحق أن نختلف من أجله، وأن نبنيه معًا، وأن نترك لأبنائنا سودانًا أكثر أمنًا واستقرارًا ووحدة.
لقد عاد صوت النصري إلى الخرطوم، وعادت معه أغنية كانت تنتظر هذه اللحظة.
وفي عيد الجيش، لم يكن النصري يغني للوطن وحده… كان الوطن كله يغني معه.
المجد والخلود للشهداء، والتحية لقواتنا المسلحة، والسلام للسودان.