تحقيق «المسكوت عنه» (4): شرعية استعمارية وآثار مبعثرة: من يملك حق منح “امتياز جبل موية”؟
من منح ويلكوم حق التنقيب؟.. الوثائق تكشف علاقة جبل موية بالإدارة الاستعمارية
تحقيق : محيي الدين شجر
بعد أربعة أجزاء تناولنا خلالها قصة جبل موية، وحفريات هنري سولومون ويلكوم، ومصير جانب من الرفات والمقتنيات التي خرجت من الموقع إلى مؤسسات خارج السودان، نصل في هذا الجزء إلى واحدة من أكثر حلقات التحقيق حساسية: من منح ويلكوم حق التنقيب؟ وبأي سلطة؟ وما الذي كان يسمح له به ذلك الترخيص؟
فالسؤال لم يعد متعلقًا فقط بمكان وجود القطع والرفات اليوم، وإنما بكيفية خروجها من السودان في الأصل، والجهة التي كانت تملك سلطة إصدار تصاريح التنقيب في تلك الحقبة.
وتزداد أهمية السؤال عندما نضع تاريخ حفريات جبل موية في سياقه السياسي؛ فقد بدأت أعمال التنقيب في عام 1911، في ظل الحكم الثنائي الأنجلو-مصري، حين لم يكن السودان دولة مستقلة ذات حكومة وطنية تمارس السيادة على أراضيها وتراثها بالمعنى الحديث.
ومن هنا، فإن عبارة «موافقة الحكومة السودانية» تحتاج إلى قدر كبير من التدقيق؛ فالجهة التي منحت التصاريح كانت جزءًا من منظومة الإدارة الاستعمارية التي حكمت السودان آنذاك.

ويلكوم لم يطلب مجرد تصريح محدود
تشير الوثائق والمصادر المرتبطة بأعمال ويلكوم إلى أن طموحه لم يكن مقتصرًا على إجراء حفريات محدودة في موقع جبل موية.
فبعد الموسم الأول من أعماله، تقدم بطلب للحصول على امتياز تنقيب يشمل السودان الأنجلو-مصري على نطاق واسع، إلا أن السلطات لم توافق على الطلب بهذه الصيغة الواسعة.
وبدلًا من ذلك، مُنح ويلكوم رخصة خاصة أتاحت له التنقيب في جبل موية ومناطق واسعة في منطقتي النيل الأزرق والنيل الأبيض.
وهنا تظهر نقطة محورية في التحقيق: ويلكوم لم يكن مجرد باحث مستقل وصل إلى الموقع وأجرى حفريات عابرة، وإنما كان يعمل بموجب امتياز أثري صادر عن السلطة القائمة، وفي نطاق جغرافي واسع.
وتشير سجلات أرشيف ويلكوم إلى حصوله على إذن من حكومة السودان لإجراء حفريات في جنوب البلاد، واستمراره في تمويل الحفريات والمشاركة فيها خلال الفترة من 1910 إلى 1914.
لكن من كانت حكومة السودان؟
هذه المسألة تستحق التوقف عندها، لأنها تمس جوهر القضية.
في عام 1911، لم يكن السودان دولة مستقلة ذات حكومة وطنية منتخبة، وإنما كان خاضعًا لنظام الحكم الثنائي الأنجلو-مصري الذي تأسس عام 1899، وكانت الإدارة البريطانية صاحبة النفوذ الفعلي في إدارة البلاد.
وكان ريجنالد ونجت يشغل منصب الحاكم العام للسودان خلال السنوات التي بدأت فيها أعمال جبل موية واستمرت خلالها الحفريات.
وبالتالي، فإن الترخيص الذي حصل عليه ويلكوم صدر عن السلطة التي كانت تدير السودان في ذلك الوقت، وهي سلطة استعمارية، وليس عن حكومة سودانية وطنية مستقلة.
وهذا التفريق ليس تفصيلًا تاريخيًا، بل عنصر أساسي لفهم طبيعة العلاقة بين المنقب الأجنبي والسلطة التي سمحت له بالعمل.
لم تكن علاقة ويلكوم بالسلطات بلا خلافات
ولا تقدم الوثائق صورة مبسطة عن علاقة ويلكوم بالإدارة الاستعمارية.
فالمصادر تشير إلى وجود تحفظات داخل دوائر رسمية بشأن أعمال جبل موية، لأسباب ارتبط بعضها بطبيعة الموقع وتعقيدات العمل فيه، إلا أن ونجت تدخل لدعم استمرار المشروع، لتتواصل الحفريات.
وهنا تظهر مفارقة لافتة: المشروع كان قائمًا على موافقة السلطة الاستعمارية، لكنه لم يكن يحظى بالضرورة بتأييد كامل داخل تلك السلطة.
وهذه الجزئية تجعل المراسلات الرسمية بين ويلكوم والمسؤولين في السودان ذات قيمة خاصة؛ لأنها قد تكشف تفاصيل لا تظهر في الروايات العامة عن الحفريات.
الرفات البشرية.. ملف آخر داخل ملف جبل موية
إذا كان خروج القطع الأثرية يثير أسئلة الملكية، فإن خروج الرفات البشرية يطرح أسئلة أكثر حساسية.
فالوثائق الاستعمارية تكشف أن التعامل مع الرفات لم يكن مسألة هامشية، بل كان محل نقاش داخل مصلحة الآثار نفسها.
وتشير مراسلات تعود إلى عام 1913 إلى نقاش حول الجهة التي تملك حق اختيار المؤسسة التي تتولى دراسة الرفات البشرية، مع طرح مقترحات لمنح متحف الخرطوم أولوية في بعض العينات.
وهذا يكشف أن الرفات البشرية كانت تخضع لنقاش رسمي حول من يملك حق التحكم فيها ودراستها ومصيرها.
ومن هنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه:
إذا كانت هناك محاولة لمنح متحف الخرطوم أولوية في بعض العينات، فما الذي حدث لاحقًا؟ وكم عدد الرفات التي خرجت من السودان وانتهت إلى مؤسسات بريطانية؟
جبل موية لم ينتهِ كله في مؤسسة واحدة
ومن المهم هنا تجنب التعميم.
فالمواد التي خرجت من جبل موية لم تذهب جميعها إلى مؤسسة واحدة، كما أن اختزال القصة في أن ويلكوم «أخذ كل شيء إلى لندن» لا تعكس بالضرورة الصورة التي تظهرها سجلات المؤسسات.
وتشير الدراسات إلى تشتت مواد جبل موية بين عدد من المؤسسات؛ فهناك سجلات للرفات والعينات مرتبطة بمختبر داكوورث، بينما توجد غالبية مجموعة الفخار في المتحف البريطاني، كما وصلت عينات ومكتشفات أخرى إلى متحف بتري ومتحف بيت ريفرز ومتحف الآثار والأنثروبولوجيا بجامعة كامبريدج، إلى جانب مواد أعيدت إلى السودان ومجموعات محدودة وصلت إلى مؤسسات خارج بريطانيا.
وهنا تتحول القضية من سؤال بسيط عن «من أخذ القطع؟» إلى قضية أكثر تعقيدًا:
كيف توزعت مقتنيات موقع أثري سوداني بين مؤسسات متعددة؟
والإجابة لا يمكن أن تكون دقيقة من دون جرد شامل للسجلات المتحفية والأرشيفات المرتبطة بالبعثة.
هل وجود القطعة في بريطانيا يعني أنها مسروقة؟
هنا يجب أن يكون التحقيق أكثر دقة.
فوجود قطعة أثرية سودانية في متحف بريطاني اليوم لا يكفي وحده لإثبات أنها سُرقت بالمعنى القانوني.
فالملكية القانونية لكل قطعة تحتاج إلى بحث مستقل في وثائقها، وظروف استخراجها، والتصاريح التي صدرت بشأنها، والقوانين التي كانت نافذة في ذلك الوقت، وأي اتفاقات أو ترتيبات تتعلق بتقسيم المكتشفات أو نقلها.
لكن في المقابل، فإن وجود تصريح صادر عن إدارة استعمارية لا ينهي النقاش التاريخي أو الأخلاقي.
فالأسئلة الأعمق هي:
من كان يملك القرار؟
ومن كان يمثل السودان؟
وهل كانت المؤسسات السودانية قادرة فعليًا على التفاوض أو الاعتراض؟
وما الشروط التي رافقت الترخيص؟
وماذا حدث للمكتشفات بعد استخراجها؟
التصريح لا يغلق الملف
من هنا، فإن الصياغة الأكثر دقة ليست القول إن كل ما خرج من جبل موية كان «منهوبًا»، ولا القول إن وجود تصريح يجعل القضية منتهية.
فوجود تصريح رسمي يعني أن العملية كانت معترفًا بها من السلطة القائمة في ذلك الوقت، لكنه لا يحسم وحده مسألة الملكية الحالية، ولا يحسم كذلك سؤال العدالة التاريخية لخروج الآثار من السودان.
ولهذا فإن جوهر التحقيق لا يتوقف عند سؤال:
هل كان لدى ويلكوم تصريح؟
بل يتجاوز ذلك إلى أسئلة أكثر عمقًا:
من أصدر التصريح؟
وبأي سلطة؟
وما شروطه؟
وهل تضمن قواعد لتقسيم المكتشفات؟
وهل كان لمتحف الخرطوم نصيب محدد؟
ومن قرر مصير الرفات البشرية؟
وما الذي خرج من السودان بالفعل؟
وما الذي عاد إليه؟
أرشيف ويلكوم.. مفتاح جديد للتحقيق
المفارقة أن جزءًا مهمًا من الإجابات قد يكون محفوظًا داخل أرشيف المؤسسة المرتبطة باسم ويلكوم نفسه.
فأرشيف جبل موية يتضمن مراسلات بعثة عام 1911، ومذكرات وتقارير، وعقودًا للعاملين، وتقارير عن الحفريات، ودراسات للرفات البشرية، وصورًا لأعمال التنقيب، وسجلات ومقتنيات مرتبطة بالموقع.
وهذا يعني أن التحقيق لا ينبغي أن يعتمد على الروايات المتناقلة وحدها.
فالوثائق الأصلية موجودة، والسؤال هو: هل يمكن جمعها ومقارنتها بالسجلات الموجودة في المتاحف والمؤسسات التي تحتفظ اليوم بمواد جبل موية؟
من «التصريح» إلى المسؤولية التاريخية
ربما تكون أهم نتيجة لهذا الجزء أن قصة جبل موية لا يمكن اختصارها في عبارة: «ويلكوم حصل على تصريح، إذن كل ما فعله كان قانونيًا».
وفي الوقت نفسه، لا يجوز القفز إلى النتيجة المقابلة بالقول إن «كل ما خرج من جبل موية سُرق» دون فحص وثيقة كل قطعة ومسارها القانوني والتاريخي.
لكن هناك حقيقة لا خلاف على أهميتها:
الحفريات جرت في السودان تحت سلطة استعمارية، ثم خرجت مواد من الموقع إلى بريطانيا، وتوزعت لاحقًا بين مؤسسات متعددة، ولا يزال جانب من الرفات والمقتنيات خارج السودان حتى اليوم.
وهذه الحقيقة وحدها كافية لفتح ملف توثيقي ورسمي واسع.
والسؤال الذي يقودنا إلى الجزء السابع
بعد معرفة الجهة التي منحت ويلكوم حق التنقيب، وطبيعة السلطة التي أصدرت الترخيص، والنقاشات التي دارت حول الرفات والمكتشفات، يبقى السؤال الأكثر أهمية:
ماذا تقول سجلات المتاحف نفسها عن رحلة مقتنيات جبل موية؟
في الجزء السابع، ننتقل من الوثيقة إلى القطعة، ومن قصة الحفريات إلى أرقام الاقتناء والسجلات المتحفية؛ للبحث عن المواد التي تحمل ارتباطًا مباشرًا بجبل موية وويلكوم، ومعرفة أين توجد اليوم، وكيف دخلت تلك المؤسسات، وما الذي يمكن إثباته بشأن أصلها ومسارها.
ومن هنا يمكن أن يبدأ العمل على سؤال أكبر:
هل يستطيع السودان إعداد قائمة موثقة بمقتنيات جبل موية الموجودة خارج البلاد؟ وما الذي ينبغي أن تكون له الأولوية في أي مطالبة مستقبلية بالاسترداد: الرفات البشرية، أم القطع الأثرية، أم الحلي والمعادن، أم الوثائق والسجلات التي توثق تاريخ الموقع؟