تحقيق «المسكوت عنه» (4): أجساد وذهب.. ماذا وجد «ويلكوم» وأين اختفت آثار جبل موية؟
تحقيق «المسكوت عنه» (4): أجساد وذهب.. ماذا وجد «ويلكوم» وأين اختفت آثار جبل موية؟
خريطة «الأثر والجسد»: أين اختفت تركة جبل موية؟
أرشيفات بريطانيا تحتفظ بالجمجمة والذهب.. والخرطوم بلا «قائمة جرد»
مقدمة
لم تكن بعثة السير هنري ويلكوم إلى جبل موية مجرد حملة تنقيب أثرية عابرة؛ بل كانت عملية تجريف منظم ونقل جماعي لذاكرة موقع جنائي ومجتمعي ضخم امتد استخدامه لآلاف السنين. آلاف المدافن نُبشت، وأجساد بأكملها رُفعت من ترابها، ومقتنيات وضعت لحماية الموتى في رحلتهم الأبدية أُخرجت لتتحول إلى مجرد «عينات علمية» وأرقام مسجلة.
لكن المشهد لا ينتهي عند لحظة خروج هذه المقتنيات من السودان قبل نحو قرن من الزمان، بل يبدأ من السؤال الذي تحاشى الجميع الإجابة عنه بدقة: أين ذهب كل هذا الأثر، وأين تستقر أجساد موتى جبل موية اليوم؟

بين مخازن جامعة كامبريدج، وأرفف المتحف البريطاني، وأرشيفات أكسفورد، ومؤسسات «ويلكوم»، توزعت تركة جبل موية واستقرت في إمبراطوريات متحفية متعددة، في وقتٍ يفتقر فيه السودان حتى اللحظة إلى قائمة موحدة تفكك شفرة هذا الشتات. في هذا الجزء من التحقيق، نفتح ملف الجرد المفقود، نتتبع الأرقام والسجلات الرسمية للمتاحف البريطانية، وننبش في الوثائق التي تثبت نقل الذهب، والأواني، بل وحتى الأجزاء والرفات البشرية، لنصل إلى الحقيقة الأولى التي تسبق أي مطالبة بالاسترداد: معرفة ما أُخذ بالضبط، وأين يختبئ اليوم.
الجرد المفقود.. كم خرج من جبل موية وأين توجد آثاره ورفاته اليوم؟
بعد أن كشفت الأبحاث الحديثة أن جبل موية كان مجتمعًا حيًا وموقعًا جنائزيًا امتد استخدامه لآلاف السنين، يعود التحقيق إلى السؤال الذي ظل معلقًا منذ انتهاء حفريات هنري ويلكوم:
ماذا حدث لكل ما أخرجته البعثة من الموقع؟
الإجابة الأولية موجودة في الأرشيفات البريطانية، لكنها موزعة بين متاحف ومختبرات ومجموعات علمية، الأمر الذي يجعل الوصول إلى الرقم النهائي للمقتنيات والرفات عملية تحتاج إلى مطابقة سجلات الحفريات القديمة بالسجلات المتحفية الحالية.
وتكشف الدراسات التي أعادت فحص أعمال ويلكوم أن غالبية المواد التي استخرجتها البعثة، إلى جانب السجلات والرفات البشرية، شُحنت إلى المملكة المتحدة بعد الحفريات.
وهنا تبدأ عملية الجرد.

—
3135 إنسانًا في 2791 قبرًا
تسجل الدراسات الحديثة، بعد إعادة فحص أرشيف الحفريات، 3135 دفنًا بشريًا في 2791 قبرًا، من بينها 1108 مدافن كانت مصحوبة بمقتنيات جنائزية.
وهذا الرقم الأخير مهم جدًا.
فليس كل قبر كان خاليًا من المقتنيات، بل إن أكثر من ألف مدفن ارتبط بمجموعات من الأشياء التي وُضعت مع الموتى.
لكن هذا لا يعني أن 1108 مجموعات كاملة موجودة اليوم في متحف واحد.
فالمواد توزعت لاحقًا بين مؤسسات مختلفة، وبعضها فقد أو تغيرت طريقة تسجيله أو أصبح جزءًا من مجموعات أخرى.
وهنا تظهر مشكلة أساسية:
> لا توجد حتى الآن قائمة واحدة منشورة تجمع كل ما خرج من جبل موية وتحدد مكانه الحالي قطعةً قطعة.
وهذه، في حد ذاتها، ثغرة تستحق أن يفتحها التحقيق.
—
من القبر إلى المتحف.. أين ذهبت المكتشفات؟
توضح الدراسات أن الرفات البشرية وسجلات الحفريات ارتبطت بمختبر داكوورث بجامعة كامبريدج، بينما توجد عينات من الفخار في المتحف البريطاني ومتحف بتري في لندن، وتوجد مجموعة من القطع الأثرية في متحف الآثار والأنثروبولوجيا بجامعة كامبريدج. كما توجد سجلات وصور ووثائق أخرى في مؤسسة غريفيث بأكسفورد.
أما أرشيف Wellcome نفسه، فيحتفظ بملف واسع عن جبل موية، يضم مراسلات وتقارير وعقودًا وصورًا ودراسات عن الرفات البشرية. كما تشير سجلاته إلى أن الأشياء التي استُخرجت من الموقع نُقلت إلى مخزن ويلكوم في لندن.
وهكذا لم تعد قضية جبل موية مرتبطة بمؤسسة واحدة.
بل أصبح جزء من تاريخ الموقع موزعًا بين:
المتحف البريطاني، جامعة كامبريدج، متحف بتري، أكسفورد، Wellcome Collection، ومجموعات علمية أخرى.
—
516 سجلًا في المتحف البريطاني
وتقدم قاعدة بيانات المتحف البريطاني نقطة انطلاق مهمة للجرد.
فصفحة Addison 1949 / Jebel Moya تسجل حاليًا 516 مادة مرتبطة بالعمل المنشور عن حفريات جبل موية.
ومن بين السجلات:
EA100460 — تميمة.
EA100462 — بقايا حيوانية.
EA98765 — سوار مرتبط ببقايا هيكل عظمي بشري.
إضافة إلى عدد كبير من الأدوات الحجرية، من بينها فؤوس تحمل أرقام تسجيل مختلفة، وجميعها مدرجة في قاعدة المتحف باعتبار جبل موية موقع العثور عليها.
لكن الرقم 516 يحتاج إلى تفسير دقيق.
فهو لا يعني أن 516 قطعة هي «كل ما خرج من جبل موية»، ولا يعني أنها جميعًا «مقتنيات منهوبة».
إنه عدد السجلات التي ترتبط في قاعدة المتحف البريطاني بمنشور أديسون عن جبل موية.
لكن أهميته تكمن في أنه يقدم لنا بداية عملية لجرد يمكن توسيعه إلى بقية المؤسسات.
—
رفات بشرية في قاعدة المتحف
ومن بين السجلات اللافتة في قاعدة المتحف البريطاني سجل يحمل الوصف:
Armlet; human skeletal remains
أي سوار مع بقايا هيكل عظمي بشري، ويحمل الرقم EA98765، وموقع العثور المسجل هو جبل موية.
هذه ليست رواية عن وجود رفات في بريطانيا.
إنها بطاقة متحف رسمية تسجل مادة من جبل موية وتصفها بأنها مرتبطة ببقايا بشرية.
لكن الأمر لا يتوقف هنا.
—
جمجمة وحصوات بشرية.. سجلات أخرى
تحتفظ Science Museum Group أيضًا بمواد مرتبطة بحفريات ويلكوم في جبل موية.
ومن بينها أربع حصوات بولية بشرية من المقبرة، مسجلة تحت الرقم A631395، ويصفها السجل صراحة بأنها «human remains and calculi».
وهذه التفاصيل قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، لكنها تكشف شيئًا بالغ الأهمية في طبيعة ما خرج من الموقع:
لم تكن المواد المنقولة مجرد حلي وأوانٍ وأدوات، بل شملت أجزاء ومواد من أجساد الموتى أنفسهم.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
> كم عدد الرفات والأجزاء البشرية التي ما زالت موجودة في المؤسسات البريطانية؟
—
لكن أين توجد المجموعة الأكبر؟
الدراسات الأكاديمية تعطينا إجابة أولية.
فالسجلات والرفات العظمية الباقية من بعثة ويلكوم ارتبطت بـ Duckworth Laboratory في جامعة كامبريدج، بينما توجد سجلات الحفريات في داكوورث وغريفيث بأكسفورد.
وهذا يعني أن ملف الرفات لا يمكن حسمه بالبحث في المتحف البريطاني وحده.
بل يجب الرجوع إلى داكوورث نفسه.
والأهم أن الباحثين أعادوا بالفعل استخدام أرشيف داكوورث لإنشاء سجل محدث للمدافن، يجمع بين سجلات الحفريات القديمة وقاعدة البيانات العظمية.
وهذا يثبت أن المعلومات الأصلية لم تختفِ.
إنها موجودة.
لكنها موزعة بين المؤسسات.
—
ماذا عن الذهب؟
هنا نصل إلى السؤال الذي ظل حاضرًا في هذا التحقيق منذ البداية:
هل خرج ذهب من جبل موية؟
الإجابة: نعم، توجد وثيقة أرشيفية تؤكد وجود دلاية ذهبية ضمن الأشياء المفهرسة في ملف جبل موية لدى Wellcome Collection.
لكن هل نستطيع القول إننا نعرف الآن كمية الذهب التي خرجت؟
لا.
وهذا فارق ضروري.
لدينا دليل على وجود قطعة ذهبية، ولدينا إشارات إلى مواد ومقتنيات جنائزية متنوعة، لكن لم نصل بعد إلى كشف كامل يحدد عدد القطع الذهبية وأوزانها ومواقعها الحالية.
ولذلك فإن التحقيق المهني لا يقول:
> «ويلكوم أخرج كميات ضخمة من الذهب».
بل يقول:
> «تثبت السجلات وجود مقتنيات ذهبية من جبل موية، بينما لا يزال حجم الذهب الذي خرج من الموقع ومصير كل قطعة بحاجة إلى جرد كامل.»
—
ولماذا يصعب تحديد العدد؟
لأن حفريات ويلكوم جرت قبل أكثر من مئة عام.
ولأن المادة لم تبقَ في مكان واحد.
ولأن التقرير الأثري الأساسي صدر بعد ذلك بسنوات طويلة في ثلاثة مجلدات بعنوان The Wellcome Excavations in the Sudan، صدر المجلد الخاص بجبل موية عام 1949، بينما نُشرت المجلدات التالية في 1950 و1951.
كما أن بعض المواد تغيرت أرقامها أو انتقلت من مجموعة إلى أخرى.
ولهذا فإن الوصول إلى الرقم النهائي يتطلب عملًا يشبه التحقيق الجنائي في سجلات المتاحف:
رقم الحفرة.
رقم القبر.
رقم القطعة.
وصف القطعة.
اسم المؤسسة التي استلمتها.
رقم التسجيل الجديد.
مكانها الحالي.
—
الجرد الذي لم يكتمل
وهنا يمكن أن نطرح للمرة الأولى سؤالًا مباشرًا:
أين القائمة السودانية لمقتنيات جبل موية؟
ليست المقصودة قائمة جديدة من التخمينات.
بل قائمة تجمع ما هو موجود أصلًا في الأرشيفات البريطانية.
فالمواد موجودة في قواعد البيانات.
والصور موجودة.
وسجلات الحفريات موجودة.
والكتاب الأساسي موجود.
والرفات مسجلة.
والقطع تحمل أرقامًا متحفية.
لكن هذه المواد لم تُجمع حتى الآن ــ في حدود ما تمكن التحقيق من الوصول إليه ــ في سجل سوداني موحد يحدد مصير كل مادة خرجت من الموقع.
وهنا قد تكون أهم خطوة في ملف جبل موية:
> أن يبدأ السودان جردًا رسميًا لمقتنيات الموقع الموجودة خارج البلاد.
—
قبل المطالبة.. نحتاج إلى معرفة ما نطالب به
هذه هي النقطة التي يجب أن تحكم المرحلة المقبلة من التحقيق.
فلا يمكن أن نقول:
«أعيدوا كل آثار جبل موية».
قبل أن نعرف:
ما هي؟
وكم عددها؟
وأين توجد؟
وكيف خرجت؟
ومن يملكها قانونيًا اليوم؟
ولهذا فإن المرحلة المقبلة ليست مجرد حملة لاستعادة الآثار.
إنها أولًا عملية جرد وتوثيق.
ثم تأتي المساءلة.
ثم الاسترداد.
—
والسؤال الذي يفتح الجزء الخامس
إذا كانت سجلات بعثة ويلكوم لا تزال موجودة، وإذا كان الباحثون استطاعوا بعد أكثر من قرن إعادة بناء سجل للمدافن وربطه بالرفات الموجودة في كامبريدج، وإذا كانت المتاحف نفسها تستطيع اليوم تحديد قطع من جبل موية بأرقامها ومواقع العثور عليها، فإن السؤال أصبح واضحًا:
> لماذا لا يُنجز جرد كامل لمقتنيات جبل موية الموجودة خارج السودان؟
ومن هنا ينتقل التحقيق في الجزء السادس من سؤال:
«ماذا خرج من جبل موية؟»
إلى سؤال أكثر حساسية:
من كان يملك حق إخراج هذه الآثار والرفات؟ وكيف خرجت من السودان؟
وهنا سندخل إلى **الإدارة الاستعمارية التي كانت تحكم السودان وقت الحفريات، وشروط الامتياز الذي حصل عليه ويلكوم، وما تقوله الوثائق عن تقسيم المكتشفات ونقلها إلى بريطانيا، ثم نصل إلى السؤال الأهم: ما الذي يستطيع السودان المطالبة باسترداده اليوم؟**