الحوار السوداني–السوداني.. وهل تمتد إعادة الترتيب إلى الاتحادات والنقابات؟
الحوار السوداني–السوداني.. وهل تمتد إعادة الترتيب إلى الاتحادات والنقابات؟
بقلم : محيي الدين شجر
مع اقتراب انطلاق الحوار السوداني–السوداني، تتجه الأنظار إلى شكل المشاركة وطبيعة القوى والشخصيات التي ستجلس إلى طاولة الحوار، في ظل حديث عن مشاركة الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية التي ساندت الدولة والجيش ووقفت ضد المليشيا، إلى جانب قطاعات مجتمعية ومهنية وشخصيات قومية.
وفي المقابل، برز اتجاه لدى قوى سياسية ومدنية نحو استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من أي عملية سياسية مقبلة، باعتبار أن المرحلة الجديدة، من وجهة نظر هذه القوى، ينبغي أن تقوم على قوى وشخصيات لا ترتبط بالنظام السابق أو واجهاته السياسية. وهذا الموقف، وإن كان محل خلاف سياسي، أصبح جزءًا من النقاش الدائر حول شكل المرحلة المقبلة ومن يحق له المشاركة فيها.
وهنا يبرز سؤال آخر ربما لا يقل أهمية عن سؤال المشاركة السياسية: إذا كان هناك اتجاه لإبعاد المؤتمر الوطني من المشهد السياسي، فماذا عن الاتحادات والنقابات المهنية التي ظلت تركيبتها، طوال سنوات، مرتبطة بشكل أو بآخر بالحزب الحاكم السابق؟
في تقديري، فإن الإجابة على هذا السؤال قد تكون واحدة من النتائج الطبيعية لإعادة ترتيب المشهد السوداني.
فالحوار السوداني–السوداني، إذا كان المقصود منه فتح صفحة جديدة وإشراك القوى الوطنية التي وقفت مع الدولة والجيش خلال الحرب، فمن الصعب أن يظل ملف الاتحادات والنقابات خارج دائرة المراجعة، خصوصًا أن هذه المؤسسات تمثل قطاعات مهنية واسعة، ولا ينبغي أن تتحول إلى امتداد لأي حزب سياسي أو واجهة لتنظيم بعينه.
ومن هنا أتوقع أن تستتبع الحوار إجراءات أخرى تتعلق بالاتحادات والنقابات، خاصة تلك التي كان مسجل التنظيمات قد أصدر قرارات بشأن عودتها وتحولها إلى لجان تسييرية، بعد قرار رئيس مجلس السيادة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان بتجميد عملها لفترة طويلة عقب اندلاع الحرب.
وقد يكون من بين الإجراءات المتوقعة تجميد لجان التسيير الحالية أو إعادة تشكيل بعضها، والاستعانة بشخصيات مهنية مستقلة، غير حزبية، ومتوافق عليها من القواعد المهنية، تتولى مهمة إدارة المرحلة الانتقالية والترتيب لانتخابات حقيقية تعيد القرار إلى أصحاب المصلحة الحقيقيين.
وهذا ليس في تقديري استهدافًا للعمل النقابي، بل العكس تمامًا؛ فالنقابات والاتحادات لا تستعيد عافيتها إلا عندما تستعيد استقلالها، ويصبح معيار اختيار قياداتها هو الكفاءة والثقة والقبول وسط القواعد، وليس الانتماء السياسي.
ولذلك، فإذا كان منطق المرحلة الجديدة يقوم على استبعاد المؤتمر الوطني من الحوار السياسي، فإن إعادة النظر في وجود شخصيات أو قيادات محسوبة عليه داخل الاتحادات والنقابات تبدو نتيجة منطقية لهذا التوجه، خاصة إذا ثبت أن هذه المؤسسات لم تعد تعبر عن قواعدها المهنية وإنما عن تركيبة سياسية سابقة.
لكن المطلوب هنا ألا يتحول الأمر إلى عملية إقصاء جديدة تحت لافتة التغيير. فاستبدال قيادات حزبية بقيادات حزبية أخرى لن يحل المشكلة، ولن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة مختلفة.
المطلوب هو شخصيات مهنية مستقلة ومتوافق عليها من القواعد، تكون مهمتها الأساسية تهيئة الظروف لإجراء انتخابات حرة وشفافة، بحيث يعود القرار النقابي إلى أصحاب المهنة أنفسهم.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى نقابات واتحادات قوية ومستقلة، لا تعمل كأذرع للأحزاب، ولا تتحول إلى أدوات للصراع السياسي، وإنما تؤدي دورها الطبيعي في الدفاع عن مصالح المهنيين والمساهمة في بناء الدولة.
ومن هنا، فإن الحوار السوداني–السوداني قد لا يكون مجرد جلسات ومؤتمرات ومخرجات سياسية، وإنما قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب أوسع للمشهد السوداني، سياسيًا ومهنيًا ونقابيًا.
ويبقى السؤال: هل تتوقف عملية إعادة الترتيب عند القوى السياسية، أم تمتد إلى المؤسسات التي تشكل واجهة المجتمع المهني والنقابي؟
في تقديري، إذا كان الهدف هو بناء مرحلة جديدة، فإن إعادة بناء النقابات والاتحادات على أساس مهني مستقل ستكون جزءًا لا يمكن تجاهله من هذه المرحلة.