المسكوت عنه( 3)من هو هنري سولومون ويلكوم؟ قصته في السودان بين الطب والآثار والجدل

من هو هنري سولومون ويلكوم وقصته في السودان

تحقيق :محيي الدين شجر

بعد أن تناولنا في الأجزاء السابقة نشاط هنري سولومون ويلكوم في السودان، من المختبرات الطبية في الخرطوم إلى سنار وجبل موية وما ارتبط بمشروعه من خدمات وشكاوى، نتوقف قبل مواصلة تفاصيل القصة عند الرجل نفسه؛ فمن المهم أن نعرف من هو ويلكوم، وما خلفيته، وكيف تشكلت شخصيته واهتماماته التي قادته في النهاية إلى السودان.

فويلكوم لم يكن مجرد ممول لبعثة أثرية، بل كان صيدلانياً ورجل أعمال وجامعاً للآثار ومحسناً وداعماً للبحث العلمي، وقد تركت حياته ومسيرته أثراً واسعاً في الطب والبحث العلمي وجمع المقتنيات التاريخية. وتكشف أوراقه الشخصية المحفوظة في Wellcome Collection عن جوانب متعددة من حياته، بينها أعماله الطبية، ومشروعاته الأثرية في السودان، وزواجه وطلاقه ومراسلاته الشخصية.

**فمن هو هنري سولومون ويلكوم؟ وكيف قادته رحلته من صناعة الدواء والبحث العلمي إلى السودان وجبل موية؟**

وصل هنري سولومون ويلكوم إلى السودان في أعقاب معركة أم درمان، وكانت زيارته الأولى خلال عامي 1900 و1901. كان ويلكوم صيدلانياً ورجل أعمال أمريكياً استقر في بريطانيا وأصبح من أبرز رجال صناعة الأدوية، لكنه حمل معه إلى السودان اهتماماً بالطب والبحث العلمي والعمل الخيري، قبل أن يتحول لاحقاً إلى الآثار.

البداية: الطب والبحث العلمي

بدأ ارتباط ويلكوم بالسودان من بوابة البحث الطبي. فقد عرض على حكومة السودان المساعدة في إنشاء مختبرات علمية في الخرطوم، وتكفل بتوفير الأجهزة والمعدات اللازمة لها.

وفي فبراير 1903 تأسست مختبرات ويلكوم للأبحاث في كلية غوردون التذكارية بالخرطوم، وضمت أقساماً للبكتريولوجيا والحشرات والكيمياء، وكان السير أندرو بالفور أول مدير لها. وركزت المختبرات على دراسة الأمراض الاستوائية، وفحص المياه والأغذية، والأبحاث المرتبطة بالصحة العامة والزراعة والمواد ذات الأهمية الاقتصادية للسودان.

وأصبحت هذه المختبرات لاحقاً تعرف باسم مختبرات ويلكوم للأبحاث الاستوائية، وأسهمت في نشأة وتطور البحث الطبي المنظم في السودان.

من مختبرات ويلكوم إلى معمل استاك

استمرت مختبرات ويلكوم في أداء دورها في البحث الطبي حتى أعيد تنظيمها لاحقاً.

وفي 1927–1928 أنشئت مختبرات استاك للأبحاث الطبية في الخرطوم تخليداً لذكرى السير لي ستاك، واستضاف المبنى الوحدة البكتريولوجية التابعة لمختبرات ويلكوم. وأصبحت مختبرات استاك في عام 1935 جزءاً من مصلحة الخدمات الطبية في السودان.

وبذلك ارتبط اسم ويلكوم بصورة مباشرة بتاريخ البنية الأولى للبحث الطبي في السودان، فيما أصبح معمل استاك أحد الفروع التي خرجت من منظومة مختبراته.

من الطب إلى سنار وجبل موية

بعد سنوات من نشاطه الطبي، اتجه اهتمام ويلكوم إلى آثار السودان.

وصل إلى منطقة سنار ومنها اتجه إلى جبل موية في جنوب الجزيرة، على مسافة تقارب 30 كيلومتراً من سنار. وفي 29 يناير 1911 بدأ أول موسم للحفريات في الموقع، واستمرت أعماله أربعة مواسم حتى أبريل 1914.

وكان جبل موية مشروعاً ضخماً بالنسبة لذلك الزمن. لم يكن مجرد بعثة أثرية صغيرة، وإنما أقام ويلكوم معسكراً كبيراً وأدار فيه أعمال تنقيب وتشغيل وخدمات اجتماعية وصحية.

في الموسم الأول كان يعمل معه نحو 500 عامل، ثم ارتفع العدد في الموسم الأخير إلى نحو 4,000 عامل.

مشروع ويلكوم في جبل موية

أنشأ ويلكوم في المنطقة منظومة واسعة من الخدمات. فقد وفر العمل للسكان، ووضع نظاماً للادخار، وأقام خدمات طبية وصحية، وشق الطرق، واهتم بالتشجير والزراعة، وأنشأ مدرسة ومسجداً، كما أقام حفيراً لتجميع مياه الأمطار لتوفير المياه للسكان والحيوانات في القرى المجاورة.

وكان من سياسته ألا يُرفض طالب عمل، حتى الأشخاص ذوو الإعاقة، إذ كان يتم العثور لهم على أعمال مناسبة لقدراتهم. ومع اتساع المشروع وتعدد القبائل والجماعات التي عملت فيه، أصبح ويلكوم شخصية بارزة في المنطقة، وأطلق عليه السكان لقب «الباشا».

وتحفظ Wellcome Collection حتى اليوم وثائق أصلية عن هذه المرحلة، تشمل عقود العمال، والمراسلات المتعلقة بالقوة العاملة، وتقارير الخدمات الاجتماعية، وملفات معدات حفر الآبار في جبل موية.

المياه والآبار

كان توفير المياه جزءاً من مشروع ويلكوم في جبل موية، وتوجد في أرشيفه ملفات كاملة عن معدات حفر الآبار وتقارير ومراسلات خاصة بها. كما أقام الحفير الذي جمع مياه الأمطار لخدمة سكان المنطقة والحيوانات.

أما خزان سنار بالمعنى المعروف لمشروع الري والسد، فلا ترد في المصادر التي توثق نشاط ويلكوم في السودان علاقة مباشرة له بإنشائه؛ نشاطه المائي الموثق كان في إطار مشروعه في جبل موية.

جبل موية والآثار

كان الجانب الأكبر من مشروع ويلكوم هو التنقيب الأثري.

امتدت الحفريات على مساحة واسعة من الموقع، الذي يمثل واحداً من أكبر المجمعات الجنائزية لمجتمع رعوي في أفريقيا جنوب الصحراء. وقد حفرت بعثة ويلكوم جزءاً من الموقع خلال المواسم الأربعة بين 1911 و1914.

وكان ويلكوم يتابع عمليات الحفر بنفسه، ويشرف على الباحثين والعمال، كما استعان بأطباء وعلماء آثار وأنثروبولوجيا للعمل في المشروع.

ولم يكن اهتمامه بالموقع أثرياً فقط؛ فقد كان يعتقد أن جبل موية يمكن أن يكشف معلومات مهمة عن بدايات الحضارة الإنسانية وتاريخ المنطقة. وتحتفظ أرشيفاته بصور ومراسلات وسجلات مفصلة عن الحفريات.

 

شكاوى من أسلوبه في التعامل مع العمال

ورغم ما ارتبط بمشروع ويلكوم في جبل موية من خدمات صحية واجتماعية وتوفير فرص العمل، فإن تجربته لم تخلُ من انتقادات وشكاوى. فقد وصلت إلى السلطات الاستعمارية شكاوى بشأن أسلوب ويلكوم في التعامل مع العمال المحليين، ولا سيما نظام العقوبات الذي كان يُطبَّق داخل معسكره. وأثارت هذه الشكاوى اهتمام حاكم عام السودان السير ريجنالد ونجت، الذي راسل ويلكوم بشأن طريقة معاملة العمال، وطالبه بتعديل بعض ممارسات العقاب.

وتكشف هذه الواقعة أن مشروع جبل موية لم يكن مجرد تجربة خيرية أو أثرية، بل كان أيضاً نظاماً واسعاً لإدارة آلاف العمال داخل بيئة استعمارية، صاحبتها شكاوى حول السلطة والانضباط وطريقة التعامل مع القوة العاملة. وهذا الجانب يمثل جزءاً مهماً من الصورة التاريخية الكاملة لويلكوم في السودان.

 

إلى جانب نشاطه العلمي والطبي والأثري في السودان، شهدت حياة هنري سولومون ويلكوم الزوجية اضطراباً انتهى بالانفصال والطلاق. فقد تزوج عام 1901 من سيري بارناردو (Syrie Barnardo)، ابنة الطبيب والناشط الاجتماعي المعروف توماس بارناردو. وكانت سيري أصغر من ويلكوم بفارق كبير في العمر.

لم يستمر الزواج طويلاً، وبدأت العلاقة بين الزوجين تتدهور، وانتهت بالانفصال ثم إجراءات الطلاق. وتحتفظ Wellcome Collection بملف أرشيفي خاص بزواجهما وانفصالهما وطلاقهما، يتضمن مراسلات ووثائق مرتبطة بالقضية.

وبحسب السجل التاريخي، ارتبطت سيري لاحقاً بالكاتب ويليام سومرست موم، وأصبحت العلاقة بينهما إحدى الوقائع التي ظهرت في سياق قضية الطلاق. وقد انتهى زواج ويلكوم وسيري رسمياً بالطلاق، ليواصل ويلكوم حياته بعيداً عنها حتى وفاته عام 1936.

 

توقف المشروع

انتهى الموسم الرابع في أبريل 1914، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى توقفت أعمال الحفر. وكانت تلك آخر زيارة لويلكوم إلى السودان؛ إذ لم يتمكن بعد الحرب من العودة، رغم أنه ظل متمسكاً بحقوقه في الحفر، واعتبر أن المشروع توقف ولم يُلغَ.

وهكذا انتهت المرحلة السودانية الأكثر نشاطاً في حياة ويلكوم: بدأ من الطب والبحث العلمي في الخرطوم، ثم انتقل إلى سنار وجبل موية، حيث جمع بين التنقيب الأثري والعمل الاجتماعي والخدمات الصحية والمياه وتشغيل آلاف السودانيين.

وبقي أثره في السودان في مسارين متوازيين: مسار طبي علمي بدأ بمختبرات ويلكوم في الخرطوم وتفرعت منه لاحقاً مؤسسات مثل مختبرات استاك، ومسار أثري ترك وراءه أرشيفاً ضخماً من الوثائق والصور والمواد المرتبطة بحفريات جبل موية.

أما ويلكوم نفسه، فقد توفي عام 1936، وظلت أوراقه الشخصية وأرشيف مشروع جبل موية محفوظة في بريطانيا، ومنها مراسلاته وتقارير الحفريات والعمال والآبار، وهي اليوم من أهم المصادر لفهم طبيعة وجوده ومشروعه في السودان.