ضفاف /نصر الدين بخيت العقابي: البرهان في عيد الجيش.. عندما يتقدم الوطن على ضجيج السياسة

ضفاف

نصر الدين بخيت العقابي

البرهان في عيد الجيش.. عندما يتقدم الوطن على ضجيج السياسة

رأي : سودان سوا

في أعياد الجيوش، لا تُقرأ الكلمات بما تحمله من عبارات الاحتفال وحدها، وإنما بما تفتحه من أبواب للمستقبل، وما تكشفه من ملامح الطريق الذي تمضي فيه الدولة وسط العواصف.
وفي الذكرى الثانية والسبعين لعيد القوات المسلحة السودانية، جاءت كلمة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، في توقيت بالغ الدلالة؛ فالسودان لا يعيش ظرفاً عادياً، والبلاد التي دفعت ثمناً باهظاً من دم أبنائها وأمنها وعمرانها، تحتاج اليوم إلى خطاب يضع الحرب في سياقها الوطني، والسلام في موضعه الصحيح، والحوار في إطاره السوداني، والدولة فوق صخب المصالح الحزبية والحسابات الضيقة. وقد حمل الخطاب بالفعل رسائل واضحة بشأن مواصلة الحرب، والتمسك بالسلام بشروطه، وفتح مسار لحوار سوداني مستقل.
ولذلك فإن أهم ما في خطاب البرهان أنه لم يتوقف عند استعادة صورة الجيش في وجدان السودانيين، وإنما اتجه إلى السؤال الأكبر: ماذا بعد الحرب؟ وكيف تُبنى الدولة التي يستحقها هذا الشعب؟
الجيش السوداني في هذه المعادلة ليس تفصيلاً من تفاصيل المشهد السياسي، ولا مؤسسة يمكن اختزالها في لحظة صراع؛ إنه إحدى ركائز الدولة الوطنية، ومؤسسة ارتبط تاريخها بسيادة السودان ووحدته واستقلال قراره.
وحين يقف القائد العام للقوات المسلحة في عيد الجيش، فإن المناسبة تصبح مساحة للتذكير بأن الدولة لا تقوم بالشعارات، وإنما بمؤسسات قادرة على حماية حدودها، وصيانة أمنها، وحفظ قرارها الوطني، ومنع السلاح من أن يتحول إلى أداة لابتزاز المجتمع أو تفكيك الوطن.
ومن هنا تأتي أهمية الرسالة التي حملها الخطاب بشأن استمرار المعركة حتى تحقيق أهدافها، مع عدم إغلاق باب السلام.
ذلك هو الفارق بين السلام الذي يحفظ الدولة، والتسوية التي تعيد إنتاج الأزمة.
فالسودان لا يحتاج إلى نهاية شكلية للحرب، ثم يستيقظ بعد سنوات قليلة على حرب أخرى بأسماء جديدة وواجهات مختلفة. المطلوب سلام يضع السلاح في مكانه الطبيعي، ويعيد للمؤسسة العسكرية احتكار القوة المشروعة، ويمنح المواطن حقه في الأمن والعودة والاستقرار، ثم يفتح الطريق أمام حياة سياسية أكثر نضجاً.
ولهذا فإن رفض السلام المنقوص ليس رفضاً للسلام؛ بل هو دفاع عن معنى السلام نفسه.
فالسلام الذي لا يرد للدولة هيبتها، ولا يحفظ للمواطن كرامته، ولا يمنع تكرار المأساة، ليس سوى هدنة مؤجلة بين جرحين.
وفي هذا السياق، كان حديث البرهان عن السلام واضحاً في ربطه بملف السلاح وإنهاء التمرد، مع تأكيده أن السودان لا يرفض المبادرات الصادقة للسلام، لكنه لا يقبل سلاماً يعيد إنتاج الأزمة أو يعيد الدعم السريع إلى السلطة.
والأكثر أهمية في خطاب البرهان هو انتقال الحديث إلى الحوار السوداني.
هنا تظهر نقطة تستحق التوقف طويلاً.
الحوار الوطني الذي ينشأ من داخل السودان، وتشارك فيه القوى الوطنية، ولا تُفرض عليه أجندة من الخارج، يمكن أن يمثل فرصة لإعادة ترتيب البيت السوداني على أسس أكثر صلابة.
وقد أعلن البرهان بدء حوار مع القوى الوطنية التي ساندت الدولة بهدف إشراكها في استكمال مؤسسات الحكم، مؤكداً أن مجموعة وطنية من أبناء السودان بادرت إلى إطلاق الحوار، وأن الدولة لن تكون الجهة المنظمة له أو المحددة لأجندته ومخرجاته، احتراماً لاستقلاليته.
وهذه الفكرة، إذا وجدت طريقها إلى التطبيق الصحيح، يمكن أن تكون واحدة من أهم محطات ما بعد الحرب.
فالسودان لا تنقصه الأحزاب بقدر ما تنقصه الحياة الحزبية الوطنية.
ولا تنقصه الأصوات السياسية بقدر ما يحتاج إلى مشروع وطني تتقدم فيه مصلحة السودان على الولاء التنظيمي، وتكون فيه المنافسة حول البرامج لا حول الاستقواء بالخارج، وحول كيفية بناء الدولة لا كيفية اقتسامها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن كثرة اللافتات السياسية لا تعني بالضرورة قوة الحياة الديمقراطية، وأن الحزب الذي يستمد قوته من الخارج يظل عاجزاً عن إنتاج مشروع وطني مستقل، مهما ارتفعت شعاراته.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعادة تأسيس كاملة للممارسة السياسية السودانية: أحزاب وطنية حقيقية، مؤسسات ديمقراطية داخلية، برامج واضحة، قيادات تعرف معنى المسؤولية، وقوى سياسية تنظر إلى السودان بوصفه وطناً قبل أن يكون ساحة للمنافسة.
وهنا تحديداً يمكن أن يكون للقوات المسلحة دور تاريخي مختلف.
ليس دور الحزب، ولا دور المنافس السياسي، وإنما دور المؤسسة التي تحرس الدولة حتى تستعيد الحياة المدنية عافيتها، وتتهيأ القوى السياسية لتحمل مسؤولياتها، ويصبح الانتقال إلى نظام سياسي مستقر انتقالاً من دولة قوية إلى مؤسسات مدنية قوية، لا من دولة ممسكة بتلابيب الفوضى إلى فراغ جديد.
إن السودان يحتاج إلى جيش قوي، كما يحتاج إلى أحزاب قوية.
يحتاج إلى مؤسسة عسكرية وطنية لا تتشظى، وإلى مؤسسات مدنية لا تتنازعها الولاءات، وإلى قضاء مستقل، وإلى إعلام مسؤول، وإلى مجتمع مدني يعرف أن الوطنية ليست موسماً انتخابياً.
ومن أجمل ما يمكن أن يُقرأ في خطاب عيد الجيش أن الدولة، وهي تواجه الحرب، لم تغلق الباب أمام السياسة، بل تفتح نافذة للحوار، مع توفير ضمانات للمشاركين وحماية لآرائهم ومواقفهم داخل مسار الحوار.
وهذه ليست نقطة هامشية؛ فالحوار الحقيقي لا يعيش في بيئة الخوف، ولا ينمو تحت التهديد، وإنما يحتاج إلى مساحة آمنة للاختلاف.
وقد ذهب الخطاب إلى أبعد من الدعوة العامة، عندما تحدث عن ضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين، وعن حماية لآرائهم ومواقفهم التي تطرح داخل الحوار، مع التأكيد على أن وقف الإجراءات القانونية لا يعني إسقاط حقوق أصحاب البلاغات أو منح عفو عام.
والأهم أن البرهان أكد أن الحوار لا ينبغي أن يكون عملية مغلقة بين مجموعة تجلس حول طاولة، وإنما فضاءً عاماً يستطيع فيه المجتمع إبداء رأيه ونقد ما يطرح أو تأييده دون خوف أو تضييق.
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن السودان لا يحتاج إلى مؤتمر جديد بقدر حاجته إلى عقد وطني جديد.
عقد تتوافق فيه القوى السودانية على ثوابت الدولة، وعلى شكل النظام السياسي، وعلى قواعد التداول السلمي للسلطة، وعلى جيش وطني موحد، وعلى رفض تحويل البلاد إلى ساحة نفوذ للقوى الخارجية.
فالمشكلة لم تكن في نقص المبادرات وحدها، وإنما في غياب التوافق حول معنى الدولة ذاتها.
والحوار الذي نحتاجه اليوم ينبغي ألا يكون مناسبة لتوزيع المواقع، أو استعادة صراعات الماضي، أو صناعة تحالفات مؤقتة؛ بل فرصة للاتفاق على المستقبل.
كما أن المصالحة الوطنية شيء، ومحو المسؤولية عن الدماء شيء آخر.
فالصفح السياسي يمكن أن يكون مدخلاً لبناء المستقبل، لكنه لا يعني إهدار حقوق الضحايا أو إلغاء العدالة. وهذه الموازنة الدقيقة بين فتح الأبواب أمام المشاركة السياسية، وحفظ حقوق المتضررين، هي واحدة من أصعب المهام التي تنتظر الدولة والقوى الوطنية في المرحلة المقبلة.
لقد علّم السودان أبناءه درساً قاسياً: عندما تضعف الدولة، يدفع المواطن الثمن؛ وعندما تتشظى المؤسسة العسكرية، تصبح الحدود مفتوحة أمام الطامعين؛ وعندما يتحول السلاح إلى أداة سياسية، يصبح الوطن نفسه رهينة.
ومن هنا فإن دعم القوات المسلحة ليس انحيازاً إلى مؤسسة ضد الشعب، كما يحاول البعض تصوير الأمر، بل هو في جوهره دفاع عن فكرة الدولة إذا كانت هذه المؤسسة تؤدي واجبها الوطني وتحمي وحدة البلاد وسيادتها.
لقد وقف الجيش في أصعب اللحظات، وتحمل أعباء حرب ثقيلة، وقدم الشهداء والجرحى، وشاركته في ميادين القتال قوى وطنية ومستَنفرون ومقاومون، وكان المواطن السوداني في كثير من المواقع سنداً لجيشه؛ لأن المعركة في وعيه لم تكن معركة ثكنات، وإنما معركة وطن.
ولهذا فإن الاحتفال بعيد الجيش لا ينبغي أن يكون احتفالاً بالسلاح وحده، وإنما احتفاءً بمعنى الدولة التي يحميها السلاح.
والدولة التي نريدها بعد الحرب يجب ألا تكون دولة الخوف، ولا دولة الانتقام، ولا دولة المحاصصات، وإنما دولة القانون والهيبة والعدل.
دولة يعرف فيها الجندي موقعه، والسياسي موقعه، والقاضي موقعه، والصحفي موقعه، والمواطن موقعه؛ وكل منهم يؤدي واجبه من أجل وطن واحد.
إن خطاب البرهان في عيد الجيش، في تقديري، يستحق أن يُقرأ باعتباره رسالة وطنية تتجاوز المناسبة؛ فهو يضع الحرب في مواجهة مشروع الدولة، ويجعل السلام مرتبطاً بحفظ السيادة، ويفتح باب الحوار أمام القوى الوطنية، ويؤكد أن مستقبل السودان ينبغي أن يصنعه السودانيون أنفسهم.
ويبقى التحدي الأكبر هو التنفيذ.
فالخطابات مهما بلغت فصاحتها لا تبني الأوطان وحدها، وإنما تتحول الكلمات إلى تاريخ عندما تجد طريقها إلى الواقع.
وإذا نجح السودان في أن يخرج من هذه الحرب بجيش أكثر تماسكاً، ودولة أكثر قوة، وأحزاب أكثر وطنية، ومجتمع أكثر وعياً، ونظام سياسي أكثر نضجاً، فإن الدماء التي سالت لن تكون قد ذهبت هدراً.
أما القوات المسلحة السودانية، التي تحتفل اليوم بعيدها الثاني والسبعين، فإن أعظم تكريم لها ليس في الاحتفال بيومها فحسب، وإنما في أن يظل السودان الذي حاربت من أجله موحداً، سيداً، آمناً، وقادراً على صناعة مستقبله بيده.
إنها لحظة ينبغي أن يتقدم فيها الوطن على الجميع.
تتراجع فيها الحسابات الصغيرة أمام المصلحة الكبرى.
وتعلو فيها راية السودان فوق كل راية.
فالقوات المسلحة القوية هي سند الدولة، والدولة القوية هي الحصن الذي يحتمي به الشعب، والشعب الواعي هو الضمانة التي تمنح الوطن القدرة على تجاوز المحن وصناعة الغد.
وفي عيد الجيش، لا نملك إلا أن نرفع التحية لكل جندي يقف في موقعه، ولكل شهيد مضى إلى ربه وهو يحمل شرف الدفاع عن الوطن، ولكل جريح دفع من جسده ثمناً لهذه الأرض.
كل عام والقوات المسلحة السودانية بخير.
كل عام وجيش السودان درعاً للوطن وسياجاً لوحدته.
الرحمة لشهدائنا، والشفاء لجرحانا، والنصر للسودان.
جيشٌ منتصر.. وشعبٌ مقتدر.