المسكوت عنه / من جبل موية إلى الخارج.. أين ذهبت رفات السودانيين وآثارهم؟ (2_3) «سودان سوا» تفتح ملف هنري ويلكوم

:

المسكوت عنه / من جبل موية إلى الخارج.. أين ذهبت رفات السودانيين وآثارهم؟ (2_3)

«سودان سوا» تفتح ملف هنري ويلكوم

تحقيق: محيي الدين شجر

الجزء الثاني | من جبل موية إلى لندن.. ماذا حدث للمكتشفات؟

في الجزء الأول من هذا التحقيق، تتبعنا بداية علاقة هنري سولومون ويلكوم بالسودان، من العمل الطبي والمخبري إلى جبل موية، حيث أجرى بين عامي 1911 و1914 حفريات واسعة شملت آلاف المدافن.

وتوقفنا عند حقيقة أساسية: ويلكوم لم يكن يعمل خارج القانون، فقد حصل على Special License، أي رخصة خاصة للتنقيب، وظلت هذه الرخصة محل مراسلات بينه وبين سلطات الحكم الثنائي لسنوات.

لكن وجود الرخصة لا ينهي القصة.

بل يفتح الباب أمام المرحلة الأكثر حساسية فيها:

ماذا حدث لما خرج من الأرض؟

الرخصة.. ماذا كانت تمنح ويلكوم؟

الرخصة الخاصة التي حصل عليها ويلكوم كانت مرتبطة بأعمال التنقيب، ولم تكن في حد ذاتها وثيقة تثبت ملكيته للأرض أو لكل ما يوجد تحتها.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين حق التنقيب وملكية المكتشفات وحق تصديرها.

فقد يكون المنقب مخولًا له بالحفر واستخراج المواد الأثرية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع المكتشفات تصبح ملكًا شخصيًا له، كما أن امتلاك حصة من المكتشفات لا يعني تلقائيًا أن إخراجها من البلاد كان يتم دون إجراءات أو موافقات.

ولهذا فإن مصير مكتشفات جبل موية لا يمكن حسمه بمجرد إثبات أن ويلكوم كان يحمل رخصة.

نظام تقاسم المكتشفات

لفهم ما جرى في تلك الفترة، تظهر مسألة Partage، أو نظام تقاسم المكتشفات، الذي كان معروفًا في العمل الأثري خلال الحقبة الاستعمارية.

وكان النظام يقوم، في حالات الحفريات المنظمة والمرخصة، على توزيع المكتشفات بين البعثة والجهة الرسمية وفق القواعد والشروط المعمول بها.

وهذا يعني أن المواد التي استخرجتها بعثة ويلكوم لم تكن بالضرورة كتلة واحدة تؤول كلها إلى الرجل.

بل كانت هناك، من حيث المبدأ، عملية فرز وتقاسم للمكتشفات.

لكن ما لا يزال يحتاج إلى توثيق أكثر دقة في حالة جبل موية هو:

ما هي شروط التقاسم التي طبقت على حفريات ويلكوم تحديدًا؟

وهنا نعود مرة أخرى إلى الرخصة والمراسلات المرتبطة بها، لأنهما تمثلان المفتاح لمعرفة حدود ما كان مسموحًا به للبعثة.

من المقابر إلى مخازن لندن

المعلومة التي تكشفها سجلات مؤسسة ويلكوم هي أن المواد التي استخرجت من جبل موية لم تبقَ في السودان.

فبعد أعمال الحفر، نُقلت مواد من المجموعة إلى مخازن مرتبطة بمؤسسة ويلكوم في لندن.

وبذلك يمكن تتبع أول محطة واضحة في رحلة هذه المكتشفات:

جبل موية.. ثم مجموعة ويلكوم.. ثم لندن.

وهذه ليست مجرد رواية متداولة، وإنما جزء من التاريخ الموثق لمجموعة ويلكوم.

لكن الوصول إلى لندن لم يكن نهاية الرحلة.

فبعد وفاة ويلكوم عام 1936، بدأت مجموعاته غير الطبية تتفرق بين عدد كبير من المؤسسات، من خلال الإهداءات والبيع والتحويلات وغيرها من صور انتقال المقتنيات.

وهكذا بدأت مكتشفات جبل موية تغادر المجموعة الأصلية إلى مؤسسات علمية ومتاحف مختلفة.

آثار جبل موية في المتحف البريطاني

أحد أهم الأدلة الموجودة اليوم يظهر في سجلات المتحف البريطاني.

فالمتحف يحتفظ بمئات السجلات المرتبطة بجبل موية، تحت مرجع:

Addison 1949 / Jebel Moya

وتبلغ السجلات المرتبطة بهذا المرجع 516 سجلًا.

وتكشف البيانات عن تنوع المواد التي ارتبطت بالموقع، من بينها تمائم، وأساور، وأدوات، وفؤوس، وبقايا حيوانية، ومواد مرتبطة بالمدافن، إضافة إلى بقايا بشرية.

واللافت أن السجلات لا تكتفي بذكر السودان كمصدر عام، وإنما تحدد Jebel Moya باعتباره موقع العثور.

كما تشير سجلات المتحف إلى وجود صلة بين عدد من هذه المواد ومجموعات ويلكوم.

وهنا يصبح جبل موية حاضرًا داخل مؤسسة بريطانية كبرى، بعد أكثر من قرن من الحفريات التي جرت في الموقع.

هارفارد.. محطة أخرى للمكتشفات

لكن قصة مكتشفات جبل موية لم تتوقف عند بريطانيا.

فقاعدة بيانات Peabody Museum of Archaeology and Ethnology بجامعة هارفارد تسجل أيضًا مواد أثرية من:

Jebel Moya – Sennar – Sudan

وتشمل السجلات قطعًا من الفخار، وأدوات حجرية، وحليًا وزخارف، ومواد عاجية، وغيرها من المكتشفات المرتبطة بالموقع.

وتظهر في قاعدة البيانات مجموعات من الأدوات بأعداد مختلفة، ما يشير إلى أن وجود جبل موية في المتحف لا يتعلق بقطعة منفردة، وإنما بمجموعة من المواد الأثرية.

لكن هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة.

وجود مواد من جبل موية في هارفارد ثابت في سجلات المتحف، أما تحديد السلسلة الكاملة لملكية كل قطعة وكيف وصلت تحديدًا إلى هارفارد، فيحتاج إلى الرجوع إلى ملفات الاقتناء والتحويلات الخاصة بكل مجموعة.

وهذا التفريق مهم حتى لا يتحول التحقيق إلى استنتاجات لا تسندها الوثائق.

ماذا بقي من مجموعة ويلكوم؟

تكشف الدراسات التي تناولت مجموعات ويلكوم أن مصيرها بعد وفاته كان شديد التعقيد.

فالمجموعة لم تبقَ في مكان واحد، وإنما توزعت على عدد من المتاحف والمؤسسات البريطانية.

وتشير دراسة حديثة إلى أن المتحف البريطاني تلقى، خلال الفترة من 1946 إلى 1982، نحو 600 قطعة من مجموعة ويلكوم، من بينها مواد مرتبطة بحفرياته في جبل موية ومواقع سودانية أخرى.

كما وصلت مواد إلى مؤسسات مثل متحف بيتري، ومتحف الآثار والأنثروبولوجيا في كامبريدج، وبيت ريفرز، وأشموليان، وغيرها.

وهكذا فإن البحث عن آثار جبل موية لا يقود إلى متحف واحد.

بل إلى شبكة من المؤسسات التي استقبلت أجزاء من مجموعة واحدة.

ليست آثارًا فقط.. هناك رفات بشرية

لكن أكثر ما يجعل ملف جبل موية مختلفًا عن كثير من ملفات الآثار هو طبيعة الموقع نفسه.

فالحفريات لم تتعامل فقط مع أوانٍ وأدوات وحلي.

لقد تعاملت مع آلاف المدافن.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن أكثر من ثلاثة آلاف فرد ارتبطوا بالمدافن التي جرى التعامل معها في حفريات جبل موية.

وهذا يعني أن المواد التي خرجت من الموقع شملت أيضًا بقايا بشرية.

وهنا تتحول القضية من سؤال يتعلق بالمقتنيات الأثرية إلى ملف أكثر حساسية:

مصير رفات بشرية سودانية أُخرجت من مدافنها في بداية القرن العشرين.

عندما أصبحت الرفات جزءًا من «الطب البدائي»

وتكشف مجموعة ويلكوم جانبًا آخر من هذه القصة.

فبعض المواد البشرية والأثرية القادمة من مناطق مختلفة استُخدمت في المتحف الذي ارتبط باسم ويلكوم ضمن تصورات ذلك العصر عن تاريخ الطب والإنسان.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن بقايا بشرية من جبل موية ظهرت ضمن قسم حمل اسم:

Hall of Primitive Medicine

أي:

«قاعة الطب البدائي».

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمكان حفظ الرفات، وإنما بالطريقة التي جرى بها تفسيرها وعرضها.

فما كان يمثل بقايا لأشخاص عاشوا في السودان، وأجزاء من تاريخ مجتمعات سودانية قديمة، أصبح داخل مؤسسة أوروبية مادة ضمن سردية أوسع عن تطور الإنسان والطب.

من يملك القطعة اليوم؟

بعد أكثر من قرن، أصبحت الإجابة عن هذا السؤال معقدة.

فبعض المواد تحمل أرقام مقتنيات يمكن تتبعها في قواعد بيانات المتاحف.

وبعضها يرتبط مباشرة بموقع جبل موية.

وبعضها يرتبط بمجموعة ويلكوم.

لكن سلسلة الانتقال الكاملة ليست متاحة بالدرجة نفسها لكل قطعة.

وهنا تظهر أهمية السجلات القديمة:

سجل الحفريات، وسجل التقاسم، وسجل النقل، وسجل الاقتناء.

فكلما أمكن الربط بين هذه السجلات، أصبح بالإمكان معرفة رحلة القطعة منذ لحظة استخراجها من الأرض وحتى وصولها إلى المتحف الذي توجد فيه اليوم.

ما الذي نعرفه حتى الآن؟

من خلال الوثائق والسجلات المتاحة، يمكن تثبيت مجموعة من الحقائق:

  • ويلكوم أجرى حفريات واسعة في جبل موية خلال الفترة من 1911 إلى 1914.
  • كانت أعماله تتم بموجب رخصة خاصة.
  • نُقلت مواد من مكتشفات جبل موية إلى لندن ضمن مجموعته.
  • ظهرت لاحقًا مواد مرتبطة بجبل موية في سجلات المتحف البريطاني.
  • توجد كذلك مواد من جبل موية ضمن مجموعات متحف بيبودي بجامعة هارفارد.
  • تفرقت أجزاء من مجموعة ويلكوم لاحقًا على عدد كبير من المؤسسات.
  • شملت حفريات جبل موية مدافن وبقايا بشرية، وليس فقط القطع الأثرية.

لكن هناك أيضًا أمور لا يمكن الجزم بها دون الوثائق الأصلية.

ومن بينها تحديد شروط التقاسم الخاصة بحفريات جبل موية بصورة كاملة، وتحديد السند القانوني لكل عملية تصدير، وربط كل قطعة بسلسلة انتقالها منذ استخراجها.

ما بين الوثيقة والمفقود

وهنا نصل إلى جوهر القضية.

فالمتاحف اليوم تستطيع أن تقول لنا:

هذه القطعة من جبل موية.

والسجلات التاريخية تستطيع أن تقول:

هذه المواد ارتبطت بمجموعة ويلكوم.

لكن التحقيق يحتاج إلى خطوة أخرى:

كيف خرجت القطعة من السودان؟

هذه ليست مسألة تفصيلية.

لأن الإجابة عنها هي التي تحدد ما إذا كانت المواد التي وصلت إلى الخارج قد خرجت وفق شروط الرخصة والنظام الأثري السائد آنذاك، أم أن بعضها خرج خارج تلك الشروط.

ولهذا لا يمكن وصف كل ما يوجد اليوم في المتاحف الأجنبية بأنه «مسروق» لمجرد أنه سوداني الأصل.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن اعتبار كل ما خرج قانونيًا لمجرد أن ويلكوم كان يحمل رخصة تنقيب.

الفاصل بين الحكمين موجود في الوثيقة.

جبل موية.. ملف لم يغلق بعد

بعد أكثر من مائة عام، لا يزال جبل موية حاضرًا في المتاحف والجامعات خارج السودان.

قطعة هنا، ومجموعة هناك، وسجل في متحف بريطاني، وآخر في جامعة أمريكية.

لكن الموقع نفسه ظل في السودان، يحمل طبقات من تاريخ سكانه الذين دفنوا فيه.

واليوم، مع عودة الدراسات الأثرية الحديثة إلى جبل موية، تتغير طريقة قراءة الموقع، وتتغير أيضًا الأسئلة حول المواد التي خرجت منه.

لم يعد السؤال فقط:

ماذا اكتشف ويلكوم؟

بل:

ماذا خرج من جبل موية؟

وأين ذهب؟

ومن الذي قرر مصيره؟

والأهم:

بأي سند قانوني غادر السودان؟

وهنا نصل إلى الوثيقة التي يمكن أن تحسم الجزء الأكبر من هذا الجدل:

Special License.. الرخصة الخاصة التي حصل عليها ويلكوم.

فإذا أمكن الوصول إلى نصها الكامل، وشروطها، والمراسلات التي رافقتها، فقد نستطيع تحديد ما كان يحق للبعثة الاحتفاظ به، وما كان يجب أن يبقى تحت سلطة الإدارة، وما إذا كان نقل المكتشفات إلى لندن جزءًا من نظام مصرح به أم كان يحتاج إلى إجراءات أخرى.

وهذه هي الوثيقة التي سنبحث عنها في الجزء الثالث.

فهل ما زالت نسخة الرخصة الأصلية محفوظة في أرشيف بريطاني؟

وإذا كانت موجودة، فماذا تقول عن مصير مكتشفات جبل موية؟

يتبع في الجزء الثالث..