مريم الهندي تكتب : باعوا الأصول من أجل الوصول.. ويا ليتهم وصلوا!
مريم الهندي تكتب
باعوا الأصول من أجل الوصول.. ويا ليتهم وصلوا!
على غرار ما تناولته الصحف ووسائل الإعلام، حول ما طرحه السيد محمد سيد أحمد الجاكومي، في جلسة حوارية رسمية، بصفته رئيساً لتنسيقية القوى الوطنية، من مقترح للسيد رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، بشأن شطب بلاغات الحق العام المقيدة ضد قيادات بتحالف صمود، في إطار تهيئة المناخ وبناء الثقة لإقامة حوار سوداني في الخرطوم؛ قامت الدنيا ولم تقعد، وتباينت الآراء من مختلف الاتجاهات بين مؤيد ورافض لما اقترحه السيد الجاكومي.
لكن اسمحوا لي أن أتوقف عند ردود فعل السادة المعنيين بالعفو، أي قيادات صمود.
فقد صبت ردود فعل قيادات صمود، سواء عبر البيانات الرسمية أو التغريدات، في معنى واحد: رفض العفو من البرهان.
والسؤال هنا: من الذي تحدث أصلاً عن عفو رئاسي؟
ففكرة العفو، في الأصل، كانت مقترحاً من السيد محمد سيد أحمد الجاكومي، وخرجت للرأي العام في صورة تسريبات سياسية، وليست قراراً رئاسياً صادراً عن رئيس مجلس السيادة.
كل ما في الأمر أن ، السيد قائد الجيش البرهان ، كما يحلو لأحد قادة صمود أن يسميه، استمع بعناية إلى مقترح السيد الجاكومي، ولم يُصدر، حتى الآن، أي قرار أو بيان رسمي يحدد موقفه مما سمعه أو مصير المقترح.
ومع ذلك، تعجل الرافضون للعفو في إصدار ردودهم الرسمية والفرعية، من قبيل:
««لن أقبل عفواً من سلطة لا أعترف بشرعيتها، ولسنا مجرمين حتى نطلب العفو أو يُطلب لنا، ولم نعتمر قبعة محارب ولم نحمل بندقية».»
وفي رواية أخرى:
««نحن منفتحون على التواصل والحوار مع قيادتي القوات المسلحة والدعم السريع والقوى المدنية الداعية لإيقاف الحرب، ولن ندخل في أي حوارات ما زالت الحرب مشتعلة، وشرطنا الأساسي أن تقيف أولاً… إلخ».»
هذه التغريدات وغيرها تحتاج إلى وقفة وتفنيد.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا العجلة في الرد على تسريبات وردت على لسان سياسي، ولم تصدر على لسان السيد القائد، ولم يصدر حتى الآن بشأنها بيان رسمي يحدد موقف الدولة أو القوات المسلحة؟
صبرا يبل الآبري ساي ماف!
صمود وحميدتي.. أين كان شرط إيقاف الحرب؟
سؤال افتراضي آخر، وليس بعيداً عن السياق:
إذا افترضنا أن السيد البرهان بالفعل قبل المقترح، أو قدمه، أو أكده، أو أبدى رأياً مبدئياً حوله، أو أراد من خلاله إبداء حسن النية، فلماذا كل هذا الرفض؟
ولمعرفة الفرق بين مواقف صمود من الجلوس مع حميدتي ومواقفها من الجلوس مع البرهان، دعوني أذكّر صمود بأنها كانت قد جلست، دون قيد أو شرط، مع قائد قوات الدعم السريع المنحل محمد حمدان دقلو «حميدتي»، بل وقدمت له في تلك الجلسة ورقة مفاهيمية سياسية لاعتمادها كحاضنة سياسية له.
ولم تكن الحرب قد توقفت آنذاك، بل على العكس، كان موقف الدعم السريع ميدانياً أقوى من موقف الجيش.
ولم يردنا أن قيادات صمود تجرأت حينها واشترطت على حميدتي أن «تقيف الحرب أولاً»، أو أنها قالت: سنلتقيك في المكان الفلاني، أما المكان العلاني فلا، لأنه لا يليق بنا وبورقتنا المفاهيمية!
ولم يرد نص أو سطر في ورقتهم المفاهيمية بهذا المعنى. لماذا؟
هذا لم ولن يحدث، لأن الورقة قُدمت باعتبارها فكرة استباقية لانتصارات الدعم السريع ميدانياً، وفقاً لتكتيكات وحسابات خاطئة، كعادة تحالفات «لقحت، تقدم، صمود، تأسيس» في عدم التعلم من أخطائها وإدمان الفشل!
لقد كانوا يعتقدون أن الدعم السريع سينتصر، فجاءت الورقة كمبادرة لحجز مقاعدهم في الصف الأول كحاضنة سياسية للدعم السريع الذي كانوا يمتطونه للوصول إلى السلطة.
أخطأ عمر.. وأصابت مريم
وهذا جوابي على حديث الأستاذ عمر الدقير في تغريدته التي حاول فيها نفي اعتماره «قبعة محارب» وعدم حمله للسلاح.
أبداً يا عمر، أقول لك في هذا الصدد:
«أخطأ عمر وأصابت مريم».
فحملك للقلم الذي يرسم ويخطط ويرسخ لحليفكم، الدعم السريع، حامل السلاح، لحجز مقعد لكم في المقدمة، ليس أقل تأثيراً من السلاح الذي يحمله حلفاؤكم.
فقد التقيتم في تحالفكم، الذي أراه تحالفاً ارتزاقياً ومدعوماً دولياً، على بني جلدتكم للوصول إلى السلطة، وخير دليل على ذلك ورقتكم المفاهيمية المشتركة بين القلم والبندقية.
فمن باعوا الأصول من أجل الوصول.. يا ليتهم وصلوا!
شروط الجلوس مع البرهان
أما فيما يخص فكرة جلوسهم مع البرهان آنذاك، فقد كانت مشروطة بشروط، أراها كرتونية ووهمية؛ تارة برفضهم الجلوس في مناطق سيطرة الجيش، وتارة أخرى برفضهم الجلوس في مدينة بورتسودان، التي أطلقوا عليها اسم «بورتوكيزان».
متناسين أنها مدينة سودانية عريقة تقع داخل الحدود السودانية، مثلها مثل مدني والقضارف وبارا والأبيض وحلفا والجنينة وغيرها.
فكل أرجائه لنا وطن، ذلك الوطن الذي يريدون أن يحكموه.
وكأنما بينهم وبين بورتسودان ثأر!
لماذا هذا التسرع؟
أرى أن الفكرة في كل ما ذهبت إليه قيادات صمود من تمنع وادعاءات، مغلوطة، وبالتأكيد هناك أسباب تقف وراءها.
فتسرع قيادات صمود في إصدار تلك الردود على الخبر المسرب، غير الرسمي حتى الآن، يعكس، في تقديري، أنهم يشرئبون للحضور إلى السودان من حيث المبدأ، وللمشاركة في حوار سوداني ـ سوداني، لكنهم حتى الآن لم يمتلكوا أدوات الضغط التي تمكنهم من فرض شروطهم ورؤيتهم القديمة في إدارة الدولة.
فحضورهم إلى حوار من دون أدوات ضغط، ستكون نتيجته، في تقديري، صفرية بالنسبة لهم.
وهنا يفرض السؤال نفسه:
ما هي أدوات ضغطهم؟
وما الأدوات المناسبة لحوار سوداني حقيقي ينتج عنه بلد آمن مطمئن، بغض النظر عمن سيحكمه؟
وهل نجاح الحوار يحتاج إلى أدوات ضغط، أم إلى رؤية وطنية واضحة؟
سنتحدث عن ذلك لاحقاً.
أدوات الضغط.. أين ذهبت؟
لكن، بالنسبة لفكرة قبول صمود بالدخول في الحوار، إذا كانت تعتمد على عناصر الضغط للوصول إلى السلطة أكثر من كونها ترى الحوار مؤتمراً شاملاً للمصالحة الوطنية وإيجاد رؤية لإدارة الدولة، فإن موقفها، في تقديري، مشروط بنقطتين أساسيتين:
النقطة الأولى:
من المهم بالنسبة لهم انتصار الدعم السريع، وحليفهم الدولي، في الميدان، وقد أفشل ذلك بالنسبة لهم انتصار القوات المسلحة في الميدان.
النقطة الثانية:
فقدانهم لحليفهم الجماهيري والنقابي والمهني.
فهم، في تقديري، لا يمتلكون الثقل الجماهيري أو الأجسام النقابية والمهنية التي تساعدهم في سد ثغرات الضغط داخل أروقة الحوار السوداني ـ السوداني، أو حتى تفعيل فكرة العصيان المدني إذا لزم الأمر، أو إقامة المؤتمرات والندوات الجماهيرية في الهواء الطلق.
تلك هي أدوات ضغط القوى المدنية المعروفة داخلياً وخارجياً، وقد سحبتها، في تقديري، شرعية انتصار الجيش في الميدان.
إذن، فإن محدودية وتحجيم السند الدولي، الذي أضعفته الدبلوماسية الرسمية والمخابرات الوطنية، إلى جانب سياسة الذراع الطويلة للدولة، أسهمت، في تقديري، في تقويض جهودهم الدولية والداخلية.
وبالتالي، فإنهم يدركون ذلك جيداً.
وعليه، فإن فكرة عودتهم إلى أي منطقة في السودان ستواجه، في تقديري، بعقبتين:
أولاً: الغضب الشعبي الشامل.
وثانياً: الإفلاس من أدوات الضغط.
الجاكومي.. الرصاصة الأخيرة؟
لذلك أرى أن مقترح السيد الجاكومي كان، بالنسبة لهم، بمثابة الرصاصة الأخيرة.
فقبولهم بمقترح الجاكومي قد يكون إهانة لهم، ورفضهم له قد يكون إهانتين.
فهل يا ترى سيصدر السيد القائد العام للقوات المسلحة بياناً رسمياً يدعوهم فيه للحضور؟
وما سيكون موقف المجتمع الدولي من تلك الدعوة؟
أم أنهم سيقبلون تلك الإهانات على مضض، أم سيدسون رؤوسهم في الرمال، هرباً من سوء ما بشّروا به أنفسهم؟
مودتي واحترامي
مريم الهندي