تحقيق خطير عن أثار السودان الذي هربها ويلكوم إلى متاحف العالم

 

هنري ويلكوم في السودان.. رخصة تنقيب أم بوابة لخروج آثار جبل موية؟

تحقيق: محيي الدين شجر

من معامل «استاك» إلى مقابر جبل موية.. الرجل الذي دخل التاريخ السوداني بوصفه رائدًا في الطب والمختبرات، ترك وراءه أيضًا ملفًا أثريًا غامضًا: آلاف المدافن التي نُبشت، وقطع أثرية انتهى بعضها في لندن وهارفارد ومتاحف أخرى حول العالم. فماذا قالت الرخصة التي حصل عليها؟ وهل كان يملك حق إخراج مكتشفات جبل موية من السودان؟


البداية.. الرجل القادم من عالم الدواء

عندما يُذكر اسم هنري سولومون ويلكوم، تتجه الذاكرة غالبًا إلى الصيدلة والطب والمختبرات.

كان ويلكوم رجل أعمال وصيدليًا أمريكي المولد، أصبح لاحقًا أحد أبرز جامعي المقتنيات الطبية والتاريخية في عصره، وأسّس إمبراطورية دوائية تحولت لاحقًا إلى أحد أهم مصادر تمويل البحث الطبي.

وفي السودان ارتبط اسمه بصورة خاصة بتأسيس وتطوير العمل المخبري الطبي، قبل أن ينتقل اهتمامه إلى مجال آخر لا يقل إثارة: الآثار والأنثروبولوجيا.

لكن قصة ويلكوم السودانية لا تتوقف عند المعامل.

فبين عامي 1911 و1914 موّل بنفسه وأشرف على حفريات واسعة في جبل موية، بالقرب من سنار في منطقة الجزيرة، في مشروع أصبح من أكبر المشاريع الأثرية في السودان في تلك الفترة. وتؤكد مؤسسة ويلكوم أنه كان ممولًا ومشاركًا شخصيًا في الحفريات، وأن العمل توقف مع اندلاع الحرب العالمية الأولى.


جبل موية.. المقبرة التي جذبت ويلكوم

لم يكن جبل موية موقعًا أثريًا عاديًا.

فالموقع عبارة عن منطقة واسعة تضم بقايا استيطان ومقابر تعود إلى فترات مختلفة، وأصبح لاحقًا واحدًا من أهم المواقع لفهم تاريخ وسط السودان.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن بعثة ويلكوم سجلت آلاف المدافن، وأن أكثر من ثلاثة آلاف فرد ارتبطوا بالمدافن التي جرى التعامل معها خلال الحفريات.

وبذلك فإن القضية لا تتعلق بمجموعة أوانٍ فخارية أو أدوات حجرية فقط.

إنها تتعلق أيضًا بـ بقايا بشرية سودانية أُخرجت من مدافنها في بداية القرن العشرين.


قبل ويلكوم.. السودان يضع أول قانون للآثار

المفارقة المهمة أن ويلكوم لم يبدأ الحفر في أرض بلا تنظيم.

ففي 24 أغسطس 1905 أصدرت حكومة السودان في عهد الحكم الثنائي The Antiquities Ordinance, 1905، ونشر القانون في Sudan Gazette رقم 80، الصفحات 376–379.

والنسخة الأصلية محفوظة في Sudan Archive بجامعة دورهام.

أي أن القانون صدر قبل بداية حفريات ويلكوم في جبل موية بنحو ست سنوات.

 


ماذا قال قانون 1905؟

من أهم ما ورد في القانون تعريفه الواسع للآثار.

النص المنشور في الدراسات التي اعتمدت على نسخة القانون الأصلية يقول:

“all buildings monuments remains or objects of whatever age or people which are illustrative of art, science, industry, history, religion, literature or custom…”

أي أن مفهوم «الأثر» لم يكن مقصورًا على المعابد والتماثيل، وإنما شمل المباني والآثار والبقايا والأشياء ذات الصلة بالفن والعلم والصناعة والتاريخ والدين والأدب والعادات.

ويضيف التعريف أنها الأشياء التي صُنعت أو أُنتجت في السودان، أو أُدخلت إليه قبل عام 1783 وفق التقويم الميلادي.

والأهم من التعريف:

الدراسات التاريخية للقانون تشير إلى أن التشريع وضع الآثار ضمن نطاق سلطة الإدارة الاستعمارية، وأن المواقع والمواد الأثرية أصبحت خاضعة لإدارة الدولة الاستعمارية، مع إنشاء مجلس للمتاحف والآثار ومنصب Acting Conservator of Antiquities.

كما تشير دراسة متخصصة إلى أن القانون كان أول تشريع سوداني ينظم البحث الأثري ويحظر النقل أو التعامل غير المشروع في الآثار.


ويلكوم يطلب السودان كله

هنا تبدأ العقدة.

بعد بداية عمله في جبل موية، لم يكن طموح ويلكوم مقتصرًا على الموقع.

توضح الباحثة Isabelle Vella Gregory أن ويلكوم أراد في البداية الحصول على ترخيص أثري واسع، لكنه لم يحصل على امتياز يغطي السودان كله.

وبدلًا من ذلك حصل على Special License، أي رخصة خاصة، وكانت تحتاج إلى التجديد بصورة دورية.

وهذه نقطة جوهرية.

فالمصدر الأكاديمي لا يصف ما حصل عليه ويلكوم بأنه ملكية للأرض أو للآثار، وإنما يتحدث عن حقوق التنقيب.

بل إن ويلكوم نفسه دخل لاحقًا في مراسلات مع سلطات السودان بشأن تمديد الرخصة، ما يؤكد أنها كانت حقًا إداريًا مرتبطًا بشروط ومدة، وليست ملكية مطلقة.


الرخصة ليست ملكية

وهنا يجب التفريق بين ثلاثة أمور:

أولًا: الحق في دخول الموقع والتنقيب.

ثانيًا: الحق في الحصول على بعض المكتشفات.

ثالثًا: الحق في تصدير تلك المكتشفات إلى خارج السودان.

وجود الأول لا يعني تلقائيًا وجود الثاني والثالث.

وهذه هي الثغرة التي تجعل ملف جبل موية جديرًا بالتحقيق.


ماذا تقول الوثائق عن رخصة ويلكوم؟

أرشيف مؤسسة ويلكوم يحتفظ بملفات خاصة بجبل موية، من بينها ملف:

WA/HSW/Ar/Jeb/2

وتشير الدراسة الأكاديمية إلى مراسلة أصلية داخل هذا الملف، وهي رسالة من هنري ويلكوم إلى Major Cameron، حاكم سنار، بتاريخ 13 ديسمبر 1913.

كما توجد مراسلات أخرى بين ويلكوم وسلطات الحكم الثنائي بشأن الرخصة.

وبعد الحرب العالمية الأولى، عاد ويلكوم للمطالبة باستئناف العمل.

وفي رسالة إلى Sir John Maffey ذكّر بأن آخر رخصة خاصة حصل عليها كانت من الحاكم العام Sir Lee Stack لمدة خمس سنوات تنتهي في ديسمبر 1925، كما ناقش شروط الرخص السابقة.

وهذا يكشف أن العلاقة لم تكن مجرد «تصريح حفر»، بل ملفًا إداريًا وسياسيًا استمر لسنوات.


ماذا حدث للآثار بعد استخراجها؟

هنا تظهر واحدة من أهم الوثائق التي عثرنا عليها.

تقول مؤسسة ويلكوم إن:

الأشياء المستخرجة من جبل موية نُقلت إلى مخزن تابع لمتحف ويلكوم في لندن.

ثم تحركت مواد المجموعة لاحقًا بين مؤسسات ومخازن مختلفة.

وهذا يعني أن المسار كان:

جبل موية → بعثة ويلكوم → لندن → مؤسسات ومتاحف متعددة.

لكن السؤال الذي يبقى:

بأي سند قانوني خرجت هذه المواد من السودان؟


«الـPartage».. الحلقة التي لا يجوز تجاهلها

هنا يجب أن نكون أكثر دقة.

نظام Partage، أي «تقاسم المكتشفات»، كان معروفًا في الآثار المصرية والسودانية في الحقبة الاستعمارية.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن نظام إدارة الآثار في السودان سمح للبعثات الأجنبية المرخصة بالحصول على حصة من المكتشفات وتقاسمها مع الإدارة.

كما يوضح بحث حديث عن مجموعة ويلكوم أن المكتشفات الناتجة عن الحفريات المنظمة كانت أحد مصادر مجموعته، وأن ويلكوم حصل على مواد من حفرياته في جبل موية وأبو جيلي وسقدي ودار المك، إضافة إلى مواد من حفريات كان يمولها.

لكن هذا لا يحل القضية بالكامل.

لأن السؤال هو:

ما الذي نصت عليه رخصة ويلكوم تحديدًا؟

هل كانت هناك نسبة محددة؟

هل كان يسمح له بتصدير حصته؟

هل كان يجب تسجيل كل قطعة؟

وهل كانت هناك موافقة منفصلة لكل عملية إخراج؟

هذه الأسئلة تحتاج إلى نص الرخصة والسجلات الإدارية المرتبطة بها.


المتحف البريطاني.. 516 سجلًا من جبل موية

اليوم، وبعد أكثر من قرن، تكشف قاعدة بيانات المتحف البريطاني حجمًا لافتًا من المواد المرتبطة بحفريات جبل موية.

تحت المرجع:

Addison 1949 / Jebel Moya

يسجل المتحف 516 سجلًا مرتبطًا.

وتشمل القائمة:

  • تمائم.
  • بقايا حيوانية.
  • أساور.
  • فؤوسًا.
  • أدوات.
  • مواد مرتبطة بالمدافن.
  • وحتى بقايا هيكل عظمي بشري.

والأهم أن سجل المتحف يحدد Jebel Moya (Nubia) باعتباره موقع العثور.

وهناك رابط مباشر بين ويلكوم وبعض هذه المواد؛ فالسجل التعريفي لويلكوم في المتحف البريطاني يشير إلى قائمة بالأشياء من حفرياته في جبل موية التي قُدمت إلى المتحف.

 


هارفارد.. آثار جبل موية في قلب بوسطن الكبرى

المفاجأة الأخرى تظهر في Peabody Museum of Archaeology and Ethnology بجامعة هارفارد.

قاعدة بيانات المتحف تسجل قطعًا من Jebel Moya – Sennar – Sudan.

ومنها:

فخار

قطعة تحمل الرقم:

47-13-50/6415

ومسجل في بياناتها:

Sennar Province – Jebel Moya – Sudan.

أدوات حجرية

وتظهر سجلات أخرى مجموعات من:

  • 18 أداة.
  • 14 أداة.
  • 37 أداة.
  • 23 أداة.

وغيرها من الأدوات الحجرية المرتبطة بجبل موية.

حُلي وزخارف

هناك أيضًا زخارف للشفاه من الناتروليت والفخار، وجميعها تحمل في السجلات موقع Jebel Moya.

العاج

وتسجل قاعدة البيانات كذلك قطعًا عاجية من جبل موية، منها مجموعة من القطع مرتبطة بقرص مثقوب.

 


ليست قطعة أو قطعتين

ما يجعل قضية هارفارد مهمة أن الأمر ليس قطعة أثرية معزولة.

سجلات المتحف تظهر سلسلة من أرقام المقتنيات ومجموعات تحتوي على عشرات العناصر من الموقع.

وهذا يعني أن جزءًا من المواد الأثرية الناتجة عن جبل موية أصبح ضمن مجموعات مؤسسة أمريكية كبرى.

لكن حتى الآن لا نملك في السجل المفتوح الذي فحصناه وثيقة اقتناء كاملة تثبت أن كل هذه القطع انتقلت مباشرة من ويلكوم إلى هارفارد.

وهنا يجب أن يكون التحقيق أمينًا:

وجود القطعة في هارفارد ثابت، لكن سلسلة الملكية التفصيلية لبعض القطع تحتاج إلى استكمال البحث.


أين ذهبت بقية مجموعة ويلكوم؟

البحث المنشور عام 2025 حول مجموعات ويلكوم المصرية والسودانية يقدم صورة أوسع.

بعد وفاة ويلكوم عام 1936، بدأت مجموعاته غير الطبية تتعرض لعمليات بيع وتوزيع وإهداء وإعارة إلى مؤسسات عديدة.

وبين عامي 1946 و1982 تلقى المتحف البريطاني نحو 600 قطعة من مجموعة ويلكوم، بينها مواد من حفرياته في جبل موية وأبو جيلي.

كما وصلت مواد إلى:

  • متحف بيتري.
  • متحف الآثار والأنثروبولوجيا في كامبريدج.
  • بيت ريفرز.
  • أشموليان.
  • متاحف أخرى.

وتظهر الدراسة جدولًا لتوزيع آلاف القطع من المجموعة على مؤسسات بريطانية مختلفة.


قصة لا يعرفها كثيرون: آثار جبل موية عُرضت باعتبارها «طبًا بدائيًا»

من أكثر التفاصيل إثارة في تاريخ مجموعة ويلكوم أن المتحف الطبي الذي أسسه لم يكن يعرض الآثار السودانية باعتبارها مجرد آثار.

بحث 2025 يكشف أن المتحف كان يعرض في إحدى قاعاته:

بقايا بشرية من جبل موية ضمن قسم أطلق عليه “Hall of Primitive Medicine”.

أي:

«قاعة الطب البدائي».

وهذا يكشف جانبًا من طريقة النظر الاستعمارية إلى المواد البشرية والأثرية التي خرجت من السودان.

فالمادة التي كانت جزءًا من تاريخ مجتمع سوداني قديم، أُعيد وضعها داخل سردية أوروبية عن «الطب البدائي» و«تطور الإنسان».


السؤال الأصعب.. من أعطى الإذن؟

هنا نعود إلى القانون.

القانون صدر سنة 1905.

ويلكوم حصل على رخصة خاصة.

والآثار خرجت من السودان.

لكن الوثيقة التي نحتاج إليها كي نغلق الحلقة هي:

النص الأصلي للـSpecial License، وأي مرفقات أو شروط مرتبطة به.

لأن الرخصة هي التي يمكن أن تجيب عن:

  1. نسبة المكتشفات التي كان يحق للبعثة الاحتفاظ بها.
  2. الجهة التي تملك تلك المكتشفات.
  3. شروط تسجيلها.
  4. شروط نقلها.
  5. هل كان التصدير تلقائيًا أم يحتاج إلى موافقة.
  6. هل كان للحكومة السودانية حق اختيار حصتها قبل التصدير.

لماذا لا يصح أن نصف العملية بالسرقة حتى الآن؟

هذه نقطة مهنية مهمة.

وجود آثار سودانية في هارفارد أو لندن لا يكفي وحده لإثبات أنها سُرقت.

فقد كان هناك نظام استعماري للترخيص والتنقيب، وكان هناك نظام Partage يسمح في بعض الحالات بتوزيع المكتشفات على البعثات الأجنبية.

ولهذا فإن الوصف الصحفي الأكثر دقة في المرحلة الحالية هو:

«خروج آثار جبل موية في ظل نظام أثري استعماري»

بدل الجزم بأنها «مسروقة» ما لم نثبت أن شروط الترخيص أو القانون لم تسمح بإخراجها.

لكن في المقابل، لا يجوز أيضًا استخدام وجود الرخصة لإثبات أن كل ما خرج من السودان كان ملكًا قانونيًا لويلكوم.


القضية الأكبر: السلطة الاستعمارية منحت نفسها حق إدارة ماضي السودان

الدراسات الحديثة تنتقد بوضوح الطريقة التي أُدير بها علم الآثار في السودان خلال الحكم الثنائي.

وتوضح أن الإدارة الاستعمارية أنشأت نظامًا جعل المواقع والمواد الأثرية تحت سلطتها، بينما مُنح علماء أجانب حق التنقيب والدراسة، مع إمكان تقاسم المكتشفات.

وتصف دراسة إيزابيل فيلا غريغوري علم الآثار في السودان خلال تلك الفترة بأنه كان مرتبطًا بالسياق السياسي والإمبراطوري، وأن فكرة «معرفة السكان» وإدارة الأرض كانت جزءًا من منظومة أوسع من إنتاج المعرفة الاستعمارية.

وهذا لا يلغي القيمة العلمية لحفريات ويلكوم.

لكنه يضعها في سياقها التاريخي الصحيح.


المفارقة: ويلكوم كان يرى نفسه صاحب رسالة

في مراسلاته اللاحقة، دافع ويلكوم عن حقه في العودة إلى جبل موية، وذكّر الحكومة بالمبالغ التي أنفقها على المشروع وبطبيعة العمل العلمي الذي قام به.

وكان يرى أن المواد المستخرجة ذات قيمة علمية أكثر من قيمتها المادية.

لكن هذه النظرة نفسها تثير سؤالًا:

من كان يملك الحق في تحديد قيمة التراث السوداني؟

هل كان كون القطعة «بلا قيمة مادية» يعني أن من حق المنقب نقلها؟

أم أن القيمة العلمية والتاريخية تجعلها أكثر ارتباطًا بالمجتمع الذي جاءت منه؟


3 آلاف مدفن.. وليس مجرد حفريات

من أكثر جوانب الملف حساسية أن الدراسات الحديثة أعادت تقييم جبل موية بعد أكثر من قرن.

فالمشروع الأثري الحديث الذي استؤنف عام 2017 يعمل بمناهج جديدة، ويشارك فيه باحثون سودانيون ومؤسسات سودانية، ويحاول إعادة بناء تاريخ الموقع من خلال علم الآثار الحديث والتحليل العلمي.

وهكذا عاد جبل موية إلى البحث العلمي، لكن هذه المرة مع مشاركة أكبر للسودانيين وأهل المنطقة.

وهذا يعيد طرح السؤال:

أين ذهبت المواد التي جمعها المشروع الأول؟


ما الذي يمكن إثباته اليوم؟

ثابت بالوثائق:

1. صدر قانون الآثار السوداني عام 1905.

2. كان القانون قائمًا عند بدء حفريات ويلكوم.

3. ويلكوم حصل على رخصة خاصة للتنقيب، وكانت الرخصة تحتاج إلى التجديد.

4. أجرى حفريات واسعة في جبل موية بين 1911 و1914.

5. المواد المستخرجة نُقلت إلى مخزن ويلكوم في لندن.

6. جزء من المواد أصبح لاحقًا ضمن مجموعات المتحف البريطاني.

7. توجد مواد من جبل موية في متحف بيبودي بجامعة هارفارد.

8. بعض المواد المرتبطة بجبل موية تشمل بقايا بشرية.

9. مجموعة ويلكوم نفسها تفرقت لاحقًا على عشرات المؤسسات.


وما الذي لم يُحسم؟

أولًا: النص الكامل للرخصة الخاصة التي حصل عليها ويلكوم.

ثانيًا: نسبة الـPartage الخاصة بحفرياته في جبل موية.

ثالثًا: هل حصل على إذن منفصل لتصدير كل مجموعة من المكتشفات؟

رابعًا: ما القطع التي كانت حصة ويلكوم قانونيًا، وما القطع التي كانت حصة الحكومة؟

خامسًا: كيف وصلت مجموعة جبل موية تحديدًا إلى هارفارد؟

سادسًا: أين توجد اليوم جميع الرفات البشرية التي خرجت من جبل موية؟


الخلاصة

لم يكن هنري ويلكوم مجرد رجل أعمال أجنبي جاء إلى السودان وأنشأ مؤسسات طبية ثم غادر.

لقد ترك وراءه إرثًا مركبًا.

فمن ناحية، كان من الشخصيات التي أسهمت في تطوير البحث الطبي وجمع المعرفة العلمية.

ومن ناحية أخرى، كان جزءًا من منظومة استعمارية جعلت السودان وماضيه موضوعًا للبحث والتنقيب والتصنيف من قبل مؤسسات وشخصيات أوروبية.

وفي جبل موية تحديدًا، حصل على رخصة خاصة للتنقيب، وأقام حفريات واسعة، واستخرج مواد أثرية وبشرية، ثم نُقلت المواد إلى لندن.

وبعد ذلك لم تبقَ المجموعة في مكان واحد.

فجزء منها أصبح في المتحف البريطاني، وجزء في مؤسسات بريطانية أخرى، وسجلات هارفارد تثبت وجود مواد من جبل موية ضمن مجموعاتها.

والسؤال الذي يبقى معلقًا ليس:

هل كان ويلكوم مرخصًا له بالحفر؟

فالجواب نعم.

بل السؤال:

ماذا كان يسمح له أن يفعل بما استخرجه؟

وهنا تكمن أهمية Special License.

فإذا أظهرت الوثيقة الأصلية أن الرخصة كانت تسمح بتقسيم المكتشفات وتصدير حصة البعثة، فإن خروج جزء من آثار جبل موية كان يتم وفق النظام الاستعماري السائد آنذاك.

أما إذا أظهرت الوثيقة أن التصدير كان يحتاج إلى موافقة مستقلة، أو أن بعض المواد التي خرجت لم تكن ضمن حصة ويلكوم، فسنكون أمام ملف مختلف تمامًا يستحق التحقيق في سلسلة الملكية والاسترداد.

ولهذا فإن القضية لم تعد مجرد قصة عن «آثار سودانية في متاحف أجنبية».

إنها قصة عن من امتلك الحق في إدارة ماضي السودان، ومن قرر ما الذي يبقى في السودان وما الذي يسافر إلى لندن وهارفارد وغيرها.


وثيقة أساسية في ملف التحقيق

The Antiquities Ordinance, 1905 — Sudan Gazette No. 80، 24 August 1905، pp. 376–379.

 

أرشيف جبل موية – Wellcome Collection:

 

الدراسة الأكاديمية الأهم عن ويلكوم والرخصة والسياسة الاستعمارية:

 

سجلات المتحف البريطاني:

 

سجلات متحف بيبودي – هارفارد:

 

.