هاني صلاح.. السفير الذي لم يغادر السودان بقلم: محيي الدين شجر

هاني صلاح.. السفير الذي لم يغادر السودان

بقلم: محيي الدين شجر

في السياسة، لا تُقاس قيمة الدبلوماسي بعدد المؤتمرات التي حضرها، ولا بعدد البيانات التي أصدرها، ولا بعدد الصور التي التقطها مع المسؤولين.

هناك دبلوماسيون تنتهي مهمتهم بانتهاء قرار اعتمادهم، وهناك آخرون يغادرون المنصب لكنهم يتركون وراءهم شيئًا أصعب من أن يغادر معهم: الثقة.

وهاني صلاح، السفير المصري لدى السودان، من الصنف الثاني.

اليوم تودع بورتسودان رجلًا لم تكن مهمته الدبلوماسية عادية، ولم يكن توقيت وجوده في السودان عاديًا. فقد تسلم مهمته في لحظة انفجار الحرب، وفي ظرف سياسي وأمني بالغ الحساسية، كانت فيه العلاقات السودانية المصرية أمام اختبار حقيقي، وكان على الدبلوماسية المصرية أن تتعامل مع بلد ينهار من حوله كل شيء تقريبًا، بينما تتسع يومًا بعد يوم دائرة الأسئلة والمخاوف والانتظارات.

في مثل هذه الظروف، يمكن للسفير أن يتحول إلى موظف بروتوكولي يحصي الأزمات من خلف مكتبه.

لكن هاني صلاح اختار أن يكون في قلب المشهد.

اقترب من السودانيين، واستمع إليهم، وتواصل مع الإعلاميين، وتعامل مع مختلف قطاعات المجتمع، ولم يجعل من موقعه الدبلوماسي حاجزًا بينه وبين الناس.

والأهم أنه لم يتصرف باعتباره سفير دولة في بلد غريب.

ربما لأن السودان لم يكن غريبًا عنه أصلًا.

فهاني صلاح له جذور وعلاقات أسرية واجتماعية في السودان، وبورتسودان تعرف عائلته وأسماء أقاربه. لكنه خلال سنوات عمله لم يكتفِ بهذه الدائرة الصغيرة، وإنما بدا وكأنه وسّع مفهوم الأسرة ليشمل السودانيين الذين عرفوه وتعاملوا معه.

وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية السياسية الأهم.

الدبلوماسية الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن أن السفير يمثّل دولة، لكنه لا يتعامل معه كرقم.

وهاني صلاح فهم هذه المعادلة مبكرًا.

كان قريبًا من الإعلام، ومتعاونًا مع الصحفيين، ومفتوحًا أمام أصحاب الحاجات، واستجاب لكثير من الحالات الإنسانية والمرضية الخاصة، ولم يكن يتعامل مع تلك الملفات باعتبارها عبئًا على السفارة، وإنما باعتبارها جزءًا من مسؤولية إنسانية لا تنتظر الإجراءات الطويلة.

قد يرى البعض أن هذه تفاصيل صغيرة في حساب السياسة.

لكنني أراها من صميم السياسة.

لأن العلاقات بين الدول لا تعيش فقط في مكاتب وزارات الخارجية؛ إنها تعيش في ذاكرة الناس.

والناس يتذكرون من وقف إلى جوارهم في وقت الشدة أكثر مما يتذكرون عشرات البيانات الرسمية.

لماذا السودان؟

الأهم من مغادرة هاني صلاح لمنصبه سفيرًا هو الموقع الذي ينتقل إليه.

أن يصبح مساعدًا لوزير الخارجية المصري لشؤون السودان وجنوب السودان يعني أن القاهرة لم تنظر إلى تجربته في السودان باعتبارها صفحة أُغلقت، وإنما باعتبارها خبرة ينبغي أن تُستثمر في المرحلة المقبلة.

وهذه رسالة سياسية لا ينبغي المرور عليها مرورًا عابرًا.

فمن عاش السودان في زمن الحرب، وتعامل مع مسؤوليه وإعلامييه ومواطنيه، وشاهد عن قرب حجم المأساة الإنسانية، وتعقيدات السياسة، وتشابكات الإقليم، يعرف السودان بصورة مختلفة عن الذي يقرأه من التقارير.

ولهذا فإن اختيار هاني صلاح لهذا الملف يبدو منطقيًا.

الرجل لا يدخل ملف السودان من الباب النظري؛ يدخل إليه وهو يحمل ذاكرة الميدان.

يعرف بورتسودان، ويعرف الخرطوم من خلال تداعيات الحرب، ويعرف السودانيين، ويعرف حساسية العلاقة بين القاهرة والخرطوم، ويعرف أيضًا أن السودان ليس ملفًا عاديًا في السياسة المصرية.

في إحدى المباريات المصيرية والحاسمة في بطولة الأندية الأفريقية بين الهلال والاهلي وفي مناسبة كان يتحدث فيها تطرق إلى اللقاء بأنها مباراة بين شقيقين كان يعلم أن التنافس الرياضي والتعصب يمكن أن يؤدي إلى تعكير العلاقة بين الدولتين..

السودان بالنسبة لمصر أمن قومي، وجوار جغرافي، وعمق استراتيجي، وروابط شعبية وتاريخية، وملفات مشتركة تمتد من الحدود والمياه إلى التجارة والأمن والهجرة والطاقة وإعادة الإعمار.

لكن في المقابل، السودان أيضًا دولة لها سيادتها ومصالحها وحساباتها، وشعبها الذي يريد أن يشعر أن العلاقة مع مصر تقوم على الندية والاحترام والمصلحة المشتركة.

وهنا تحديدًا ستكون المهمة الأصعب أمام هاني صلاح.

القاهرة تحتاج إلى قراءة جديدة للسودان

السودان بعد الحرب لن يكون هو السودان الذي كان قبلها.

وهذه حقيقة ينبغي أن تدركها كل العواصم التي تتعامل مع الخرطوم.

السودان الجديد سيحتاج إلى إعادة بناء الدولة والمؤسسات والاقتصاد والبنية التحتية، وسيحتاج إلى إعادة صياغة علاقاته الإقليمية والدولية على أسس جديدة.

ومصر يمكن أن تكون واحدة من أهم الدول التي تساهم في هذه العملية.

لكن ذلك لن يتحقق بالشعارات وحدها.

سيحتاج الأمر إلى مشروع مصري واضح تجاه السودان: مشروع يقوم على الشراكة لا الوصاية، وعلى المصالح المتبادلة لا المساعدات الموسمية، وعلى بناء المؤسسات لا إدارة الأزمات فقط.

وهنا يمكن أن تكون خبرة هاني صلاح ذات قيمة حقيقية.

فالرجل، خلال وجوده في السودان، لم يكن مهمومًا فقط بالملف السياسي، بل كان واضحًا أنه يتابع الوضع الإنساني، ويتحدث عن إعادة الإعمار، ويعي أن الحرب لن تنتهي بمجرد توقف الرصاص؛ لأن المعركة الأصعب ستبدأ بعدها: معركة إعادة بناء الإنسان والدولة والاقتصاد.

ومن هنا فإن انتقاله إلى ملف السودان وجنوب السودان قد يكون فرصة لتطوير الدور المصري من دبلوماسية التعامل مع الأزمة إلى دبلوماسية صناعة المستقبل.

مصر التي ذهب إليها السودانيون قبل أن يسألوا أنفسهم

عندما اندلعت الحرب، كان أول ما فكر فيه كثير من السودانيين هو مصر.

لم يكن ذلك قرارًا سياسيًا اتخذته الحكومات، وإنما كان قرارًا شعبيًا عفويًا.

اتجه السودانيون إلى مصر بكل الطرق، بعضهم عبر المعابر، وبعضهم عبر طرق شاقة، وبعضهم اضطر إلى التحايل على ظروف الحرب، لأن مصر كانت في المخيلة السودانية مكانًا يمكن الوصول إليه عندما تضيق الأرض.

هذه ليست مجرد حركة نزوح.

إنها دلالة نفسية وسياسية عميقة.

فحين يختار الإنسان بلدًا في لحظة الخوف، فهو لا يختار الجغرافيا وحدها؛ يختار ذاكرة.

ومصر موجودة في الذاكرة السودانية بصورة لا يمكن إنكارها.

لكن هذه المحبة الشعبية تضع على القاهرة مسؤولية أكبر: أن تحافظ على هذه الصورة، وأن تحولها إلى سياسة رشيدة تخدم الشعبين.

فالسوداني الذي دخل مصر هاربًا من الحرب يحتاج غدًا إلى أن يعود إلى السودان وهو يحمل معه صورة مصر الشريك، لا صورة البلد الذي استضافه فقط.

وهذا هو التحدي الحقيقي.

هاني صلاح أمام امتحان أكبر

إذا كان هاني صلاح قد نجح في كسب قلوب السودانيين سفيرًا، فإن المهمة الجديدة ستكون أكثر صعوبة.

فالقرب من الناس شيء، وصناعة سياسة دولة شيء آخر.

الملف السوداني يحتاج إلى دبلوماسية هادئة، لكنها ليست ضعيفة؛ مرنة، لكنها ليست متساهلة؛ قريبة من السودانيين، لكنها تحترم القرار السوداني؛ ومتمسكة بالمصالح المصرية، لكنها تدرك أن أفضل حماية للمصلحة المصرية هي وجود سودان مستقر وقوي وآمن.

ومصر لا تحتاج إلى سودان ضعيف.

بل العكس تمامًا.

السودان المستقر هو مصلحة مصرية، والسودان القوي اقتصاديًا هو سوق وشريك، والسودان الآمن هو حدود أكثر استقرارًا، والسودان الذي يعيد بناء مؤسساته هو أفضل ضمانة لعلاقة طويلة الأمد.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تنتقل من الخطاب إلى الفعل.

لا نريد أن نخسر ما بناه الناس

هاني صلاح غادر منصب السفير، لكن

السؤال هو: هل ستبقى الروح التي صنعها هاني صلاح في العلاقة مع السودانيين؟

لأن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى بسهولة، لكنها يمكن أن تتضرر بسرعة.

وما صنعه السفير خلال وجوده في السودان يمثل رصيدًا ينبغي الحفاظ عليه، لا مجرد ذكريات جميلة في حفل وداع.

لقد استطاع أن يجعل كثيرًا من السودانيين يشعرون بأنه لم يكن مجرد ممثل لمصر، بل رجلًا يعرف السودان ويحبه ويهتم بمصيره.

ولهذا فإننا لا نقول له اليوم: وداعًا.

نقول له: إلى موقع أكبر، وإلى مسؤولية أكبر.

ستغادر بورتسودان، لكنك تحمل معك السودان إلى مكتبك الجديد في القاهرة.

تحمل وجوه الذين عرفوك، وحكايات الذين طرقوا بابك، وأسئلة الإعلاميين، وآلام المرضى، ومخاوف السودانيين، وقلقهم على بلدهم، وأحلامهم بأن تنتهي الحرب ويبدأ البناء.

وهذه ربما أعظم هدية يمكن أن يحملها دبلوماسي معه من بلد عمل فيه.

كلمة أخيرة

تحية للسفير هاني صلاح في يوم وداعه.

تحية لرجلٍ جعل من الدبلوماسية بابًا مفتوحًا، ومن السفارة مساحة للتواصل، ومن العلاقات الرسمية علاقات إنسانية.

ونتمنى له النجاح في مهمته الجديدة.

لكننا نتمنى أكثر من ذلك أن تكون مهمته الجديدة بداية لمرحلة جديدة في العلاقات السودانية المصرية؛ مرحلة لا تكتفي بإدارة الملفات التقليدية، وإنما تنظر إلى ما بعد الحرب، إلى السودان الذي سيولد من تحت الركام، وإلى شراكة مصرية سودانية أكثر عمقًا ووضوحًا وتوازنًا.

فالسودان ومصر أكبر من خلاف سياسي، وأعمق من ملف تفاوضي، وأبقى من الحكومات المتعاقبة.

بين البلدين نهرٌ وحدود وتاريخ ودماء ومصاهرة وأسواق وذكريات وشعوب.

والسياسة الحكيمة ليست في أن نتحدث عن وحدة المصير كل يوم، وإنما في أن نجعل المصالح المشتركة حقيقة يلمسها المواطن في حياته اليومية.

هاني صلاح كان سفيرًا لمصر في السودان.

لكنه، في نظر كثير من السودانيين، كان شيئًا آخر.

كان سفيرًا لمصر… بقلبٍ سوداني.

ولهذا سيغادر المنصب، لكن ليس السودان.

هاني صلاح.. السفير الذي لم يغادر السودان.