بعد إعفاء بشير هارون.. هل يعيد كامل إدريس سامي الرشيد إلى ملف الحج؟
بعد إعفاء بشير هارون.. هل يعيد كامل إدريس سامي الرشيد إلى ملف الحج؟
بقلم: محيي الدين شجر
ليس كل قرار تصحيحاً، إنما أحياناً يكون تصحيح القرار أكثر شجاعة من اتخاذه.
ومن هذا الباب، يمكن قراءة القرارات الأخيرة لرئيس مجلس الوزراء، الدكتور كامل إدريس، بإعفاء وزير الشؤون الدينية والأوقاف بشير هارون من منصبه، ونقل الإشراف على المجلس الأعلى للحج والعمرة من وزارة الشؤون الدينية والأوقاف إلى رئاسة مجلس الوزراء. القرار الذي اتخذه امس الخميس.
وبوضوح لا لبس فيه، هذه قرارات تستحق الإشادة، لأنها تعكس إدراكاً بأن إدارة الدولة لا تقوم على المجاملة، وأن الملفات الحساسة تحتاج إلى مراجعة مستمرة عندما لا تسير الأمور بالصورة المطلوبة.
لكن الإشادة بهذه القرارات تفتح في الوقت نفسه سؤالاً أكثر أهمية:
ماذا عن القرار الذي صدر في سبتمبر 2025 بإعفاء سامي الرشيد من منصبه أميناً عاماً للمجلس الأعلى للحج والعمرة؟
خصوصاً بعد تعثر موسم الحج عقب إبعاده.
بعدها، غادر سامي الرشيد إلى منطقته في النيل الأزرق، مواصلاً جهده في ملف الحرب، ثم عاد إلى زراعته، ولم يلتفت إلى الوراء.
فهل آن الأوان لمراجعة قرار إعفائه وإنصافه؟
بحسب ما ظهر خلال تلك الفترة، انصب جزء كبير من اهتمام وزير الشؤون الدينية والأوقاف السابق على ملف الحج والعمرة، ووصل الأمر إلى بقائه نحو شهرين في المملكة العربية السعودية، رغم أن الاختصاص التنفيذي المباشر بملف الحج والعمرة من صميم مهام الأمين العام للمجلس، بحسب قانون المجلس.
وهنا لا بد من طرح سؤال منطقي:
إذا كانت تجربة المرحلة الماضية، عقب إعفاء الأمين العام سامي الرشيد، قد دفعت رئيس الوزراء إلى إعادة ترتيب ملف الإشراف على المجلس وإعفاء الوزير، فهل يعيد أيضاً النظر في قراره السابق بإعفاء سامي الرشيد ويعيده من جديد؟
الأمر يستحق التوقف.
فسامي الرشيد لم يكن اسماً عابراً في ملف الحج والعمرة. لقد راكم خبرة في هذا المجال، وحقق خلال موسم حج 1446هـ نتائج لافتة، ووجد أداء المجلس إشادات واسعة، من بينها إشادة رئيس مجلس الوزراء نفسه بعد اطلاعه على التقرير المتكامل عن أداء المجلس في ذلك الموسم.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
كيف يُغادر الرجل منصبه بعد موسم ناجح، بينما تحتاج الدولة اليوم إلى إصلاح ملف الحج والعمرة وتطويره؟
لا أحد يقول إن المسؤول لا يُعفى، ولا أحد فوق التقييم والمساءلة، لكن التقييم يجب أن يكون على أساس الأداء والنتائج والكفاءة، لا على أساس الخلافات الإدارية أو التوازنات أو تأثير أصحاب المصالح.
«قفل البلف».. عندما تصبح الشفافية مكلفة
من أبرز ما عُرف عن تجربة سامي الرشيد تبنيه لما يمكن تسميته بسياسة «قفل البلف»؛ أي إغلاق المنافذ التي يمكن أن تتسلل منها المصالح الخاصة، وجعل إجراءات الحج وترتيباته واضحة ومعلنة، بحيث تكون الأمور «فوق الطربيزة» لا «تحت الطربيزة».
وهذه السياسة، في تقديري، هي جوهر القضية.
فكلما أصبحت الإجراءات أكثر شفافية، تراجعت مساحة المناورة أمام أصحاب المصالح.
ومن الطبيعي، في مثل هذه الحالات، أن يواجه المسؤول الذي يحاول إغلاق منافذ المصالح مقاومة وضغوطاً وحملات، لكن هذه نقطة ينبغي أن تخضع للتحقيق والتدقيق، لا أن تتحول إلى سبب كافٍ لإبعاد صاحب القرار.
لقد تعرض سامي الرشيد، بحسب ما كان متداولاً في أوساط الملف، لضغوط وحملة شرسة من جهات رأت أن سياساته أضرت بمصالحها. ولا أضع ذلك هنا كحقيقة قضائية محسومة، وإنما كجزء من الأسئلة التي يجب أن تكون حاضرة عند مراجعة أسباب إعفائه.
فهل كان إعفاؤه نتيجة تقييم مهني موضوعي؟ أم أن الصراع حول المصالح كان أحد أسباب إبعاده؟
هذه أسئلة مشروعة، ومن حق الرأي العام أن يعرف الإجابة عنها.
الحج ليس حقلاً للتجارب
السوداني الذي يدفع من ماله لأداء فريضة الحج لا يريد أن يكون جزءاً من تجربة إدارية جديدة كل عام.
هو يريد خدمة جيدة، وإجراءات واضحة، وأسعاراً معلنة، وتنظيماً محكماً، ومسؤولاً يعرف تفاصيل الملف ولا يحتاج إلى وقت طويل لاكتشاف تعقيداته.
ولهذا فإن ملف الحج والعمرة في السودان لا يحتاج إلى مزيد من التجريب.
لقد جُرّبت السياسات، وتغير المسؤولون، وتبدلت الإدارات، وبقيت الحاجة قائمة إلى منظومة مستقرة يقودها أصحاب الخبرة والكفاءة.
ومن هنا فإن إعادة سامي الرشيد إلى موقعه، إذا أثبتت المراجعة الموضوعية أنه الأنسب، يجب ألا تُفهم على أنها تراجع سياسي أو انتصار لشخص على آخر.
بل ستكون رسالة مهمة مفادها أن الكفاءة أهم من الأشخاص، وأن الاعتراف بخطأ إداري وتصحيحه أفضل من الإصرار عليه.
كامل إدريس أمام اختبار حقيقي
الدكتور كامل إدريس أمام فرصة حقيقية لإثبات أن القرارات عنده لا تُبنى على الانطباعات، ولا على توصيات المسؤولين وحدها، وإنما على مراجعة شاملة للأداء والنتائج.
وإذا كانت مراجعة أداء وزارة الشؤون الدينية والأوقاف قد انتهت إلى إعفاء الوزير ونقل الإشراف على المجلس الأعلى للحج والعمرة إلى رئاسة مجلس الوزراء، فإن من المنطقي أن تشمل المراجعة أيضاً القرار السابق الخاص بالأمين العام للمجلس.
فالرجل الذي أشاد رئيس الوزراء بأداء مؤسسته بعد موسم حج ناجح يستحق، على أقل تقدير، مراجعة عادلة ومحايدة لأسباب إبعاده.
وإذا انتهت المراجعة إلى أن سامي الرشيد هو بالفعل الأنسب لإدارة ملف الحج والعمرة، فلماذا لا يُعاد إلى موقعه؟
هل يملك كامل إدريس شجاعة تصحيح القرار؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أهم من قرار الإعفاء نفسه.
لأن الدولة القوية ليست التي لا تخطئ، وإنما التي تعرف كيف تراجع أخطاءها وتصححها في الوقت المناسب.
وفي ملف مثل الحج والعمرة، لا ينبغي أن يكون السؤال: من يريد المنصب؟
بل يجب أن يكون:
من يستطيع أن يحمي أموال الحجاج، ويضمن حقوقهم، ويقدم أفضل خدمة لهم، ويغلق أبواب المصالح الخاصة، ويدير الملف بشفافية وخبرة؟
إذا كانت الإجابة هي سامي الرشيد، فإن إعادته ليست مجاملة له.
إنها اختيار للكفاءة.
والسودان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج إلى الكفاءة لا التجريب.