ناصر حامد (20 عاماً).. من لاجئ سوداني هارب من الحرب إلى حكم معتمد في الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم
متابعات / سودان سوا
قبل سنوات قليلة، كان ناصر حامد مراهقاً سودانياً يهرب من أهوال الحرب بحثاً عن الأمان، أما اليوم فقد أصبح واحداً من الحكام المعتمدين لدى الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، في قصة ملهمة تجسد كيف يمكن للإصرار والعمل الجاد أن يحولا المعاناة إلى نجاح.
وصل ناصر إلى مقاطعة سوفولك البريطانية وهو في السادسة عشرة من عمره، بعدما اضطر إلى مغادرة السودان عقب اندلاع الحرب. في أيامه الأولى، واجه ناصر تحديات كبيرة، كان أبرزها حاجز اللغة وصعوبة التأقلم مع مجتمع وثقافة جديدين. غير أن كرة القدم كانت وسيلته الأولى للتواصل والاندماج، حيث انضم إلى فريق اللاجئين التابع لمنظمة دعم اللاجئين في سوفولك، التي لعبت دوراً محورياً في مساعدته على بدء حياة جديدة ولتحقيق حلمه القديم بأن يصبح لاعب كرة قدم محترفاً،قبل أن تتغير مسيرته بسبب إصابة أنهت حلمه في مواصلة اللعب.
وبدلاً من الاستسلام، قرر ناصر أن يبقى قريباً من اللعبة بطريقة مختلفة، فالتحق بدورات التحكيم التابعة للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، واجتاز جميع الاختبارات بنجاح، ليحصل على اعتماد حكم من المستوى السابع، ويبدأ إدارة مباريات الدوريات المحلية.
ويقول ناصر، الذي يبلغ اليوم 20 عاماً: “كنت أعشق كرة القدم منذ طفولتي، لكنني أدركت أن مستقبلي ربما لا يكون كلاعب. عندما عرفت أن بإمكاني أن أصبح حكماً، شعرت أن هذا هو الطريق الذي أريد أن أسلكه، وكانت رحلة رائعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.”
وبدعم من مؤسسة نادي إيبسويتش تاون، التحق ناصر بدورات الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، واجتاز الاختبارات النظرية والعملية بنجاح، ليحصل على اعتماد حكم من المستوى السابع.
وبات يدير بشكل منتظم مباريات الدوريات المحلية، إلا أن أبرز محطات مسيرته جاءت عندما أُتيحت له فرصة تحكيم مباراة للموظفين على ملعب “بورتمان رود”، معقل نادي إيبسويتش تاون.
ويصف تلك اللحظة قائلاً: “كان حلماً تحقق. لم أجد كلمات تصف شعوري، ولم أستطع النوم في تلك الليلة. أن يمنحني الناس ثقتهم لإدارة مباراة على هذا الملعب كان أعظم لحظة في حياتي.”
ورغم سعادته بما حققه، يؤكد ناصر أن هذه مجرد بداية، مضيفاً: “بالعزيمة والعمل الجاد يمكن لأي شخص أن يصل إلى أبعد مما يتخيل.”
ولم يقتصر نجاحه على كرة القدم فقط، بل أظهر إصراراً كبيراً على الاندماج في المجتمع البريطاني. فعند وصوله، كان يقيم في سكن مع لاجئين يتحدثون العربية، لكنه طلب الانتقال إلى سكن آخر يتيح له الاحتكاك بالناطقين بالإنجليزية لتسريع تعلمه للغة.
كما حرص على استعارة الكتب الإنجليزية باستمرار، وعمل أميناً للصندوق في ملعب بورتمان رود، وتطوع في أعمال خيرية، إلى جانب نجاحه في اجتياز امتحان شهادة التعليم العام في اللغة الإنجليزية.
ويقول عن تلك التجربة: “كنت أحب دائماً التحدث مع الناس، وأؤمن بأن تعلم اللغة هو الخطوة الأهم للاندماج في أي مجتمع. في البداية كان كل شيء مختلفاً، من الأماكن إلى الثقافة وحتى طريقة الحياة، لكن لطف الناس هنا جعلني أشعر بأنني في وطني.”
وتلقى ناصر أيضاً تدريباً خاصاً للحكام في مدينة نيوماركت، حيث استفاد من خبرات عدد من مسؤولي الدوري الإنجليزي الممتاز، وهو ما عزز طموحه لمواصلة التقدم حتى إدارة أكبر المباريات مستقبلاً.
ورغم نجاحه في بريطانيا، لا يزال قلبه معلقاً بأسرته التي بقيت في السودان، حيث تعيش والدته وإخوته الأصغر وسط تداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
ويقول بحزن: “أفكر فيهم كل يوم، وأتمنى لو كانوا معي أو كنت إلى جانبهم، لكن الحياة تفرض علينا أحياناً أن نمضي قدماً. والدتي كانت دائماً تشجعني على التركيز على مستقبلي وتحقيق أحلامي.”
من جانبه، أشاد مارتن سيموندز، من منظمة دعم اللاجئين في سوفولك، بما حققه ناصر منذ وصوله، واصفاً إياه بأنه نموذج ملهم يجسد ما يمكن أن يحققه اللاجئون عندما تتاح لهم الفرصة المناسبة.
وقال سيموندز: “ناصر يمتلك الشجاعة والإصرار والرغبة في رد الجميل للمجتمع. قصته تؤكد أن توفير الدعم والترحيب باللاجئين يمكن أن يصنع قصص نجاح استثنائية.”
وأضاف أن نشرنا قصة ناصر على منصات التواصل الاجتماعي وجدنا تفاعلاً واسعاً، حيث انهالت رسائل التشجيع والدعم من مختلف أنحاء العالم، مؤكداً أن رحلته أصبحت مصدر إلهام للكثيرين، ودليلاً على قدرة الإنسان على تجاوز أصعب الظروف عندما يجد من يمنحه الفرصة والثقة.