ماما عشة.. المرأة التي رسمت «جنة الأطفال» في ذاكرة أجيال السودان
ماما عشة.. المرأة التي رسمت «جنة الأطفال» في ذاكرة أجيال السودان
سودان سوا – بروفايل
هناك أسماء لا تحتاج إلى كثير من التعريف، لأن حضورها سبق أسماءها، ولأن صورتها ظلت عالقة في ذاكرة أجيال كاملة. ومن بين تلك الأسماء تبرز ماما عشة.. عائشة سالم، إحدى أشهر الوجوه التي ارتبطت بطفولة السودانيين، وصاحبة حضور مميز في الإذاعة والتلفزيون، ومعلمة الفنون التي تركت أثرًا يتجاوز حدود الشاشة والاستديو.
من أم درمان، وتحديدًا من حي الهاشماب، جاءت عائشة سالم، حاملة معها موهبة فنية وروحًا تربوية جعلتها قريبة من الأطفال، قبل أن تصبح لاحقًا واحدة من أشهر «أمهات» الشاشة السودانية.
من التعليم إلى الشاشة
بدأت ماما عشة حياتها المهنية في مجال التعليم، وعملت معلمة للفنون والتربية التشكيلية في معاهد تدريب معلمات المرحلة المتوسطة، حيث وجدت في الرسم والفن وسيلة للتربية والتعبير وبناء شخصية الطفل.
وتكشف شهادات ممن عرفوها عن قرب عن حضورها كمعلمة محبوبة؛ فقد ارتبط اسمها لدى كثيرين بمرحلة الدراسة، وبالطريقة التي كانت تقدم بها الفن للأطفال والناشئة بصورة مبسطة وقريبة إلى نفوسهم.
لكن موهبتها لم تتوقف عند قاعات الدراسة، إذ انتقلت إلى الإعلام، لتبدأ رحلة طويلة مع الطفل السوداني عبر الإذاعة والتلفزيون.
«ركن الأطفال».. البداية من الإذاعة
كانت عائشة سالم من أبرز المشاركات في «ركن الأطفال» عبر إذاعة أم درمان، البرنامج الذي ارتبط بذاكرة أجيال سودانية عديدة.
وفي عالم البرامج الموجهة للأطفال آنذاك، لم تكن الفكرة مجرد تسلية عابرة؛ فقد امتزجت الأغنيات والحكايات والدراما والتوجيه والتربية، وشارك في صناعة ذلك العالم عدد كبير من الأسماء التي أصبحت جزءًا من الذاكرة السودانية.
وكانت ماما عشة واحدة من تلك الوجوه التي استطاعت أن تترك بصمتها الخاصة.
«جنة الأطفال».. أكثر من 22 عامًا أمام الكاميرا
لكن الشهرة الأكبر ارتبطت باسم «جنة الأطفال» في تلفزيون السودان، حيث ظلت ماما عشة تشارك في تقديم البرنامج لأكثر من 22 عامًا، لتصبح واحدة من أبرز الشخصيات المرتبطة به.
لم تكن ماما عشة مجرد مقدمة تلفزيونية؛ فقد جمعت بين الإعلام والتربية والفن، ونجحت في تحويل الشاشة إلى مساحة يتعلم فيها الطفل ويستمتع في الوقت نفسه.
وكانت فقرة الرسم من أشهر الفقرات التي ارتبطت باسمها، إذ كانت تقدم الفن التشكيلي للأطفال بطريقة مبسطة ومحببة، وتفتح أمامهم أبواب الخيال والألوان والتعبير.
وما يلفت في تجربتها أن الرسم لم يكن بالنسبة إليها مجرد مهارة فنية، بل وسيلة تربوية تساعد الطفل على اكتشاف نفسه وتنمية ذائقته وقدرته على التعبير.
وتشير مواد توثيقية عن البرنامج إلى أن فقرة «فن وجمال» كانت من الفقرات التي قدمتها الأستاذة عائشة سالم، إلى جانب عدد كبير من الفقرات والشخصيات التي صنعت عالم «جنة الأطفال».
وجه «الحبوبة» الذي أحبته الأجيال
لم يكن ارتباط السودانيين بماما عشة مرتبطًا بالبرنامج وحده، وإنما بشخصيتها التي ظهرت أمام الأطفال بصورة الأم والمعلمة والحبوبة.
كانت ملامحها السودانية الأصيلة وابتسامتها وطريقتها الهادئة في الحديث جزءًا من صورتها التي استقرت في وجدان المشاهدين.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يحتفظ بها أبناء أجيال السبعينات والثمانينات والتسعينات في ذاكرتهم، حتى بعد مرور سنوات طويلة على ظهورها التلفزيوني.
لقد كانت واحدة من أولئك الذين لم يقدموا برنامجًا للأطفال فحسب، بل ساهموا في تشكيل وجدان الطفل السوداني.
من الشاشة إلى العمل العام
لم تقتصر مسيرة ماما عشة على التعليم والفن والإعلام، فقد امتدت تجربتها إلى العمل العام والإداري.
وشغلت عددًا من المواقع، من بينها رئاسة اتحاد المرأة بولاية الخرطوم، كما انتُخبت ضمن أول برلمان في الخرطوم، لتنتقل تجربتها من فضاء التربية والإعلام إلى فضاء العمل العام.
وفي كل تلك المحطات، ظل ارتباطها بالطفل والتربية والفن حاضرًا في صورتها العامة.
رحيل في الغربة.. وعودة إلى أم درمان
في عام 2017، غابت ماما عشة عن الحياة في سلطنة عُمان بعد معاناة مع المرض، عن عمر ترك وراءه إرثًا من الذكريات لدى أجيال متعاقبة. وتوفيت في مسقط، ثم نُقل جثمانها إلى السودان تنفيذًا لوصيتها، حيث شُيعت في أم درمان ودُفنت في مقابر حمد النيل، وسط حضور كبير من أهلها ومحبيها.
كان مشهد التشييع، وفق ما وثقته شهادات معاصريها، أشبه بعودة أم إلى بيتها القديم؛ أم درمان التي شهدت ميلادها، والمدينة التي حملت ذكرياتها الأولى، والأطفال الذين كبروا وهم يستمعون إلى صوتها ويرونها على الشاشة.
«ماما عشة».. ذاكرة لا تموت
رحلت عائشة سالم، لكن «ماما عشة» بقيت.
بقيت في رسومات الأطفال، وفي أغنيات «جنة الأطفال»، وفي ذاكرة الذين كانوا ينتظرون البرنامج، وفي وجوه أجيال كاملة ما زالت تستعيد أيام طفولتها كلما مر اسمها أمامها.
كانت معلمة وفنانة وإعلامية وشخصية عامة، لكن أعظم ما تركته ربما لم يكن منصبًا أو برنامجًا أو فقرة تلفزيونية، وإنما أثرًا إنسانيًا في نفوس الأطفال.
ولهذا، كلما عادت ذاكرة السودانيين إلى «الزمن الجميل»، ستظل ماما عشة واحدة من الوجوه التي تظهر في مقدمة المشهد، بابتسامتها ودفء صوتها ودفتر الرسم وألوان الطفولة.
رحم الله ماما عشة، عائشة سالم، بقدر ما منحت أطفال السودان من حب وفرح وتعليم، وأسكنها فسيح جناته.