تحقيق / بارجة بنغلاديش في بورتسودان.. ماذا وراء الصفقة العائمة؟(1)
بارجة بنغلاديش في بورتسودان.. ماذا وراء الصفقة العائمة؟
تحقيق – سودان سوا / محيي الدين شجر
مع استمرار الحاجة إلى حلول عاجلة لأزمة الكهرباء في مدينة بورتسودان، وصلت إلى الميناء في 17 يوليو 2026 محطة توليد كهرباء عائمة على متن البارجة Haripur Commodore I، في خطوة تستهدف دعم الإمداد الكهربائي في بورت سودان
لكن وصول البارجة إلى السودان لا يمثل مجرد نقل لمحطة توليد من بلد إلى آخر؛ فخلفها تاريخ يمتد لأكثر من ربع قرن، ومراحل متعددة من الملكية والإدارة، وأعمال إعادة تأهيل سبقت نقلها، إلى جانب ترتيبات تجارية وتشغيلية جديدة.
ومنذ وصولها، تبرز مجموعة من الأسئلة: من يملك البارجة حالياً؟ ومن تعاقد عليها؟ وكيف وصلت إلى السودان؟ وما طبيعة دور شركة نواوي؟ وهل البارجة مؤهلة فنياً للعمل بكفاءة بعد سنوات طويلة من الخدمة؟ وكم ستستهلك من الوقود؟ وما تكلفة إنتاج الكهرباء منها؟ وهل يمثل تشغيلها حلاً اقتصادياً مناسباً أم إجراءً إسعافياً مرتفع التكلفة؟
وهناك سؤال آخر يستحق التوقف عنده: هل يمكن أن تتكرر تجربة البارجة التركية، التي بدأت كحل إسعافي مؤقت واستمر تشغيلها لفترة أطول مما كان متوقعاً، أم أن الترتيبات الحالية للبارجة الجديدة مختلفة من حيث التكلفة والمدة؟
كما يبرز سؤال يتعلق بمستقبل مشروعات التوليد في ولاية البحر الأحمر، وعلى رأسها مشروع كلاناييب: هل تمضي الحكومة في تنفيذه باعتباره حلاً مستداماً، أم أن دخول البارجة إلى الخدمة سيؤثر في حسابات قطاع الكهرباء بالولاية؟
في الحلقة الأولى من هذا التحقيق، يتتبع «سودان سوا» قصة البارجة منذ نشأتها في بنغلاديش، مروراً بمراحل ملكيتها وإعادة تأهيلها، وصولاً إلى رحلتها نحو بورتسودان، مع الفصل بين الأطراف المالكة والمشغلة والجهات السودانية ذات الصلة بالمشروع.
البداية من بنغلاديش.. محطة كهرباء عمرها أكثر من 25 عاماً
Haripur Commodore I، المعروفة تاريخياً باسم NEPC Haripur، ليست محطة توليد جديدة، وإنما أصل عائم يعود إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي.
وتشير البيانات المتوفرة في منشورات دولية حصل عليها «سودان سوا» إلى أن البارجة البحرية شُيدت عام 1998، وسُجلت تحت علم جزر مارشال وتحمل رقم المنظمة البحرية الدولية IMO: 9209427.
واستقرت المحطة في منطقة هاريبور بمدينة نارايان غانج في بنغلاديش، حيث بدأت تشغيلها التجاري باستخدام زيت الوقود الثقيل عام 1999، قبل أن تنتقل إلى استخدام الغاز الطبيعي عام 2000.
وعلى مدى سنوات طويلة، ظلت المحطة جزءاً من منظومة توليد الكهرباء في بنغلاديش، قبل أن تدخل مرحلة جديدة من إعادة التأهيل والتجهيز تمهيداً لإعادة استخدامها خارج البلاد.
من يملك Haripur Commodore I؟
مرّت ملكية المحطة، وفق المعلومات المتاحة، بعدة مراحل، وهو ما يجعل تحديد المالك الحالي نقطة أساسية لفهم طبيعة الترتيبات الجديدة.
في مرحلة التأسيس، ارتبط المشروع بـ NEPC Consortium Limited، التي قامت بدور الراعي والمؤسس لمشروع إنتاج الطاقة المستقل في هاريبور، ضمن ارتباطات بمجموعة Quantum Group وشركة New England Power Company (NEPC) الأمريكية.
وفي مرحلة لاحقة، أصبحت المحطة ضمن محفظة Pendekar Energy (L) Limited، وهي شراكة ارتبطت بشركتين في قطاع الطاقة:
- Edra Power Holdings Sdn Bhd الماليزية بحصة 55%.
- Aljomaih Energy and Water السعودية بحصة 45%.
لكن هذه المعلومات تتعلق بالمراحل السابقة من تاريخ المحطة، ولا تعني بالضرورة أن هذه الجهات هي المالك الحالي للبارجة بعد إعادة تأهيلها ونقلها إلى السودان.
ومن هنا يبرز سؤال التحقيق: ما طبيعة الملكية الحالية للبارجة؟ وهل انتقلت ملكيتها، أم جرى تأجيرها أو إسناد تشغيلها بموجب ترتيب تجاري جديد؟
إعادة التأهيل.. البارجة تستعد لحياة ثانية
بعد سنوات طويلة من التشغيل، خضعت البارجة لعملية إيقاف وإعادة تأهيل بهدف تجهيزها للعمل مجدداً.
وتشير المعلومات المتوفرة إلى اكتمال أعمال إعادة التأهيل في يونيو 2026، ضمن عملية شملت أعمالاً فنية وميكانيكية ولوجستية لإعداد المحطة العائمة للنقل والتشغيل في وجهة جديدة.
وشاركت في هذه المرحلة شركات متخصصة، من بينها Avant Logistics Limited في الجانب اللوجستي، فيما ارتبطت أعمال إعادة التأهيل الهندسية والميكانيكية بشركة Electromeche International Projects LLC الإماراتية.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة، لأن عمر البارجة ليس وحده معيار الحكم عليها؛ فالأهم هو حالتها الفنية بعد إعادة التأهيل، وطبيعة الأعمال التي أُجريت عليها، ومدى قدرتها على العمل بصورة مستقرة خلال فترة تشغيلها الجديدة.
15 يونيو.. بداية الرحلة إلى السودان
في 15 يونيو 2026، بدأت المرحلة البحرية من عملية النقل، إذ جرى تحميل الهيكل العائم، الذي يبلغ وزنه نحو 12 ألف طن، على سفينة نقل شبه غاطسة قبالة نقطة ماغناما في بنغلاديش.
ومن هناك بدأت البارجة رحلتها نحو السودان، لتصل إلى ميناء بورتسودان في 17 يوليو 2026.
وبذلك انتهت مرحلة طويلة من حياة المحطة في بنغلاديش، وبدأت مرحلة جديدة في البحر الأحمر.
نواوي.. الطرف السوداني الذي جلب البارجة
من المهم هنا التمييز بين الجهة التي جلبت البارجة إلى السودان وبين ملكية البارجة والجهات الحكومية.
فبحسب المعلومات المتوفرة لـ«سودان سوا»، وصلت البارجة إلى السودان عبر شركة نواوي (Nawawi)، ولا يعني ذلك أنها أصبحت مملوكة للحكومة السودانية.
كما أن وصول البارجة إلى ميناء بورتسودان لا يعني بالضرورة انتقال ملكيتها إلى الدولة.
أما طبيعة العلاقة التجارية بين نواوي والجهة المالكة للبارجة، وقيمة العقد ومدته، والتزامات كل طرف، فهي من الملفات التي تحتاج إلى مستندات وتفاصيل إضافية.
وتحديد ما إذا كان الترتيب يقوم على الإيجار أو التشغيل أو توفير قدرة توليدية أو صيغة تجارية أخرى سيكون مهماً في حساب التكلفة الحقيقية للمشروع.
110 ميغاوات.. والعقد يتحدث عن 100 ميغاوات
تبلغ القدرة التصميمية للبارجة نحو 110 ميغاوات، بينما تشير المعلومات المتاحة بشأن العقد إلى أن القدرة المتفق عليها للتغذية تبلغ 100 ميغاوات.
لكن القدرة الاسمية لا تعني بالضرورة أن شبكة بورتسودان ستحصل على هذه الكمية بصورة مستمرة، إذ يرتبط الإنتاج الفعلي بحالة وحدات التوليد، ونوع الوقود، وساعات التشغيل، وأعمال الصيانة، وقدرة شبكة الكهرباء على استيعاب الطاقة المنتجة.
ولهذا فإن الأسئلة الأهم هي:
كم ميغاوات ستنتج البارجة فعلياً عند تشغيلها في بورتسودان؟
وكم ساعة يمكنها العمل يومياً؟
وهل تستطيع توفير إمداد مستقر خلال فترات الأحمال العالية؟
الوقود.. السؤال الذي سيحدد فاتورة التشغيل
إذا كانت البارجة ستعمل بالوقود السائل، فإن تكلفة التشغيل ستصبح واحدة من أهم عناصر تقييم المشروع.
فالقدرة الإنتاجية وحدها لا تكفي للحكم على جدوى المحطة، وإنما يجب معرفة معدل استهلاك الوقود لكل ميغاوات، وعدد ساعات التشغيل اليومية، وسعر الوقود، وتكاليف النقل والتخزين والصيانة.
ومن خلال هذه الأرقام يمكن حساب التكلفة الفعلية للطاقة المنتجة ومقارنتها بالبدائل المتاحة.
وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط التحقيق التي سنعود إليها بالتفصيل:
كم طناً من الوقود تحتاج البارجة يومياً؟ وكم تبلغ تكلفة تشغيلها في اليوم والشهر؟
هل كانت البارجة معروضة للبيع بـ18 مليون دولار؟
من المعلومات المتداولة حول البارجة أنها عُرضت في وقت سابق للبيع مقابل نحو 18 مليون دولار.
لكن «سودان سوا» لا تتعامل مع هذا الرقم باعتباره قيمة مؤكدة للبارجة أو للترتيبات الحالية، ما لم تتوفر وثيقة مباشرة تثبت ذلك.
وفي حال ثبت وجود عرض بيع بهذا السعر، فإن الأسئلة التي تطرح نفسها هي:
هل جرى البيع فعلاً؟
أم أن الجهة التي وصلت بها إلى السودان استأجرتها؟
وإذا كان هناك عقد إيجار أو تشغيل، فما قيمته؟
ومن يتحمل تكاليف الوقود والصيانة والتأمين والنقل؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستكشف التكلفة الفعلية للمشروع، وليس مجرد سعر بيع متداول.
كلاناييب.. ماذا عن المشروع الأكبر؟
وصول البارجة إلى بورتسودان يعيد أيضاً فتح ملف مشروع كهرباء كلاناييب، باعتباره أحد المشاريع المرتبطة بمستقبل إمدادات الطاقة في ولاية البحر الأحمر.
والسؤال هنا ليس ما إذا كانت البارجة قادرة على توفير الكهرباء فقط، وإنما: هل تتعامل الجهات المختصة معها باعتبارها حلاً مؤقتاً إلى حين تنفيذ مشروعات توليد أكبر، أم أن المشروع العائم سيصبح جزءاً من منظومة الإمداد لفترة أطول؟
كما تستحق تجربة البارجة التركية المقارنة من زاوية مدة التشغيل والتكلفة، لا باعتبارها دليلاً على تكرار التجربة، وإنما لمعرفة ما إذا كانت الترتيبات الحالية تختلف من حيث المدة والتكلفة والالتزامات المالية.
وستكون الإجابة عن وضع مشروع كلاناييب مهمة لمعرفة ما إذا كانت البارجة بديلاً مؤقتاً، أم حلاً موازياً، أم إجراءً إسعافياً للتعامل مع العجز الحالي.
ما الذي نعرفه حتى الآن؟
يمكن تلخيص المعلومات المتوفرة في هذه المرحلة من التحقيق في خمس نقاط:
أولاً: البارجة Haripur Commodore I أصل قديم نسبياً، بدأ العمل في بنغلاديش في نهاية تسعينيات القرن الماضي.
ثانياً: خضعت لأعمال إعادة تأهيل وتجهيز في عام 2026، وارتبطت العملية بشركات متخصصة، من بينها شركة إماراتية وفق المعلومات المتاحة.
ثالثاً: وصلت إلى بورتسودان في 17 يوليو 2026 عبر شركة نواوي، ولا يعني ذلك أن الحكومة السودانية هي مالكة البارجة.
رابعاً: تبلغ القدرة التصميمية للبارجة نحو 110 ميغاوات، بينما تشير المعلومات المتاحة إلى أن القدرة المتفق عليها للتغذية تبلغ 100 ميغاوات.
خامساً: لا تزال أسئلة جوهرية تحتاج إلى إجابات موثقة، أبرزها المالك الحالي، وطبيعة العقد، وقيمته، واستهلاك الوقود، وتكلفة التشغيل، والجدوى الاقتصادية مقارنة بمشروعات التوليد الأخرى.
في الحلقة الثانية.. نفتح ملف الأرقام
بعد تتبع تاريخ البارجة ورحلتها إلى السودان، تنتقل المرحلة التالية من التحقيق من سؤال «من أين جاءت؟» إلى السؤال الأكثر أهمية:
«كم ستكلف عملية تشغيلها؟»
سنبحث في الحلقة المقبلة عن قيمة العقد، وطريقة احتساب تكلفة الكهرباء، واستهلاك الوقود، وتكلفة التشغيل اليومية والشهرية، وما إذا كان رقم 18 مليون دولار يمثل سعراً موثقاً للبارجة، إضافة إلى مستقبل مشروع كلاناييب.
تنويه
يعتمد هذا التحقيق على المعلومات والبيانات التي تمكنت «سودان سوا» من الوصول إليها حتى تاريخ النشر، وتُطرح الأسئلة الواردة فيه بغرض التحقق من الجوانب الفنية والتجارية والاقتصادية للمشروع، دون نسبة أي مخالفة إلى أي شخص أو جهة.
وتؤكد «سودان سوا» استعدادها لنشر أي معلومات أو ردود أو وثائق تقدمها شركة نواوي أو مالك البارجة أو الجهات الفنية والحكومية ذات الصلة، بما يتيح حق الرد ويكمل الصورة أمام القارئ.