قانون جرائم المعلوماتية في السودان.. ما الذي تغير؟ وما الذي يجب أن يعرفه الصحفي قبل النشر؟

قانون جرائم المعلوماتية في السودان.. ما الذي تغير؟ وما الذي يجب أن يعرفه الصحفي قبل النشر؟

سودان سوا – مادة توعوية _ محيي الدين شجر 

سودان سوا | قراءة قانونية وإعلامية

في الوقت الذي أصبحت فيه المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من الحياة العامة والعمل الصحفي في السودان، يظل قانون جرائم المعلوماتية من القوانين التي تستحق نقاشاً واسعاً، ليس فقط بسبب الأحكام والعقوبات التي يتضمنها، وإنما بسبب علاقته المباشرة بحرية التعبير والنشر الإلكتروني والعمل الصحفي.

ولا تأتي هذه المادة للدفاع عن القانون أو الدعوة إلى إلغائه، كما لا تستهدف الطعن فيه، وإنما تهدف إلى تعريف الصحفيين والقراء بأبرز ملامح الإطار القانوني لجرائم المعلوماتية في السودان، والتوقف عند التعديلات التي طرأت عليه، وطرح أسئلة تتعلق بالتوازن بين مكافحة الجرائم الإلكترونية وحماية حرية الصحافة والتعبير.

من قانون 2007 إلى تعديلات لاحقة

صدر قانون جرائم المعلوماتية في السودان عام 2007، في وقت كانت فيه وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني أقل انتشاراً بكثير مما هي عليه اليوم.

ووضع القانون إطاراً لعدد من الأفعال المرتبطة باستخدام الحاسوب وشبكات المعلومات، ومن بينها الدخول غير المصرح به إلى الأنظمة، والاعتداء على البيانات والمعلومات، وانتهاك الخصوصية، وإشانة السمعة، إلى جانب أفعال أخرى مرتبطة باستخدام الوسائل الإلكترونية.

وتظهر أهمية هذه الأحكام بالنسبة للصحفيين بصورة خاصة عند تناول المواد المرتبطة بالسمعة والخصوصية والمحتوى المنشور عبر شبكة المعلومات.

ويظل النص الأصلي للقانون مرجعاً مهماً لفهم بدايات التشريع، لكن قراءة الوضع القانوني الحالي تحتاج إلى وضع التعديلات اللاحقة في الاعتبار. قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007 – بنك السودان المركزي

ماذا تغير في 2020؟

في يوليو 2020، أُجيز تعديل لقانون مكافحة جرائم المعلوماتية، وأعلنت وزارة العدل السودانية آنذاك أن التعديل استهدف، من بين أمور أخرى، تشديد العقوبات، وحماية حقوق المستخدم والخصوصية، والحد من الشائعات والنشر الضار. وزارة العدل السودانية – تعديل قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2020

ويأتي ذلك في سياق تطور استخدام الإنترنت وظهور أنماط جديدة من الجرائم الإلكترونية، مثل الابتزاز والاحتيال واختراق الحسابات والأنظمة وسرقة البيانات.

لكن بالنسبة للصحفيين، يظل السؤال الأوسع قائماً:

أين تنتهي مكافحة الجريمة الإلكترونية، وأين تبدأ القيود التي يمكن أن تؤثر في حرية التعبير والعمل الصحفي؟

وهو سؤال لا يعني رفض مكافحة الجرائم الإلكترونية، وإنما يتعلق بضرورة تحقيق التوازن بين حماية المجتمع من الجرائم الرقمية وحماية الحقوق والحريات.

ماذا حدث في تعديل 2022؟

في نوفمبر 2022، أُجيز تعديل آخر لقانون مكافحة جرائم المعلوماتية.

ونشرت وسائل إعلام سودانية في ذلك الوقت معلومات عن تشديد العقوبات في عدد من الجرائم التي تناولها التعديل، إلى جانب أحكام أخرى تتعلق بالقضايا التي يكون أحد أطرافها من أجهزة الدولة أو من الشخصيات العامة التي تشغل مناصب فيها.

لكن، ونظراً إلى عدم توفر نسخة رسمية كاملة ومحدثة من نص تعديل 2022 يمكن التحقق منها بنداً بنداً عبر المصادر الرسمية المفتوحة، فمن الأفضل مهنياً عدم تقديم كل التفاصيل المتداولة إعلامياً باعتبارها نصوصاً قانونية نهائية.

وهنا تظهر إحدى القواعد التي يحتاجها الصحفي نفسه عند تناول القوانين:

المعلومة القانونية لا ينبغي أن تعتمد على عنوان صحفي أو منشور متداول، بل على النص الرسمي متى كان متاحاً.

لماذا يهم القانون الصحفيين؟

الصحفي يعتمد على الإنترنت في الحصول على المعلومات، والتواصل مع المصادر، ونشر الأخبار، وإجراء المقابلات، ونشر الوثائق والصور والتسجيلات.

ولهذا فإن أي تشريع ينظم استخدام شبكة المعلومات يمكن أن تكون له آثار مباشرة على العمل الصحفي.

وتزداد الحساسية عندما يتناول الخبر أو التحقيق اتهامات أو معلومات تمس سمعة أشخاص أو مؤسسات.

فهناك فرق كبير بين القول:

«تطرح هذه الوقائع تساؤلات حول أداء المؤسسة وتستدعي تحقيقاً لمعرفة الأسباب.»

وبين القول:

«المسؤول الفلاني ارتكب جريمة وأهدر المال العام.»

الجملة الثانية تنسب فعلاً محدداً إلى شخص بعينه، ولذلك تحتاج إلى أدلة ومصادر يمكن التحقق منها، مع مراعاة حق الطرف المعني في الرد.

هل النقد الصحفي يمكن أن يصبح جريمة؟

هذا أحد أهم الأسئلة التي تهم الصحفيين.

ولا يمكن الإجابة عنه بصورة عامة في كل الحالات، لأن المسؤولية القانونية تعتمد على طبيعة المحتوى والعبارات المستخدمة والوقائع والأدلة والنص القانوني المنطبق.

لكن القاعدة المهنية الأساسية هي التمييز بين النقد والاتهام.

فانتقاد أداء مؤسسة عامة، أو طرح أسئلة حول مشروع حكومي، أو المطالبة بالتحقيق في مشكلة، يختلف عن اتهام شخص محدد بارتكاب جريمة دون دليل.

وهنا تقع مسؤولية مشتركة على الصحفي في اختيار الكلمات، وعلى المؤسسة الإعلامية في مراجعة المادة قبل نشرها.

العنوان قد يكون أكثر خطورة من متن الخبر

في بعض الأحيان يكون الخبر نفسه متوازناً، لكن العنوان يحول المعلومة إلى اتهام مباشر.

مثلاً:

«تحقيقات حول مخالفات مالية في مؤسسة حكومية»

يختلف عن:

«مسؤول حكومي يختلس أموال الدولة»

إذا كانت القضية لا تزال في مرحلة التحقيق ولم يصدر حكم قضائي.

ولهذا يجب ألا يكون العنوان أكثر حدة من المعلومات التي يثبتها متن الخبر.

«بحسب مصدر» لا تعني أن المعلومة أصبحت محصنة

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن عبارة «بحسب مصدر» تكفي لحماية أي معلومة من المسؤولية.

فالصحفي مطالب، بحسب طبيعة الموضوع، بالتأكد من مصدر المعلومة ومقدار إمكانية التحقق منها، خصوصاً عندما تتضمن اتهاماً يمس شخصاً أو مؤسسة.

ومن الأسئلة التي ينبغي أن تطرحها غرفة الأخبار:

  • هل المعلومة مؤكدة؟
  • هل لدينا أكثر من مصدر؟
  • هل توجد وثائق؟
  • هل يمكن التحقق من الوثائق؟
  • هل تواصلنا مع الطرف المعني؟
  • هل قدمنا الادعاء باعتباره ادعاءً أم حقيقة؟
  • هل العنوان أكثر حدة من مضمون الخبر؟

الشائعات في البيئة الرقمية

أصبحت الشائعات الرقمية من أبرز التحديات أمام الصحافة الحديثة.

وقد تنتشر معلومة خلال دقائق عبر «فيسبوك» أو «واتساب» أو «تيليغرام»، ثم تنتقل إلى المواقع الإخبارية دون تحقق كافٍ.

لكن انتشار المعلومة لا يجعلها صحيحة.

والصحفي المهني لا يسأل فقط:

«هل هذه المعلومة منتشرة؟»

بل يسأل:

«هل أستطيع إثبات صحتها؟»

وإذا تعذر التحقق، فمن الأفضل إبلاغ القارئ بذلك بوضوح، بدلاً من تقديم المعلومة باعتبارها حقيقة مؤكدة.

الخصوصية.. مساحة يجب التعامل معها بحذر

تحتاج الصحافة الاستقصائية أحياناً إلى التعامل مع وثائق ومعلومات حساسة، لكن وصول مادة إلى الصحفي لا يعني بالضرورة أن نشرها أصبح مشروعاً تلقائياً.

وتشمل المواد التي تحتاج إلى تدقيق خاص:

  • المحادثات الخاصة.
  • الصور الشخصية.
  • أرقام الهواتف.
  • التسجيلات.
  • البيانات العائلية.
  • المعلومات الطبية.
  • الحسابات الخاصة.
  • الوثائق التي تحتوي على بيانات شخصية.

وفي هذه الحالات ينبغي النظر إلى المصلحة العامة من النشر، ومدى ضرورة نشر البيانات الشخصية، وما إذا كان بالإمكان تحقيق الهدف الصحفي دون كشف التفاصيل الخاصة.

مكافحة الابتزاز والاختراق ليست هي الصحافة

لا خلاف على أهمية مواجهة الجرائم الإلكترونية الحقيقية، مثل الابتزاز والاحتيال وسرقة الحسابات واختراق الأنظمة والاستيلاء على البيانات.

لكن هذه الأفعال تختلف في طبيعتها عن المقال الصحفي أو النقد السياسي أو التحقيق الاستقصائي.

فالصحفي الذي يحقق في قضية فساد ليس هو نفسه شخصاً يخترق نظاماً إلكترونياً لسرقة بيانات، كما أن نشر رأي نقدي لا ينبغي أن يخلط تلقائياً مع الجرائم التقنية التي تستهدف الأشخاص أو الأنظمة.

وهنا تبرز أهمية وجود نصوص واضحة تفرق بين الأفعال الإجرامية الحقيقية وبين الممارسة الصحفية المشروعة.

السؤال الأهم.. هل العقوبة متناسبة؟

لا يقتصر النقاش حول أي قانون جنائي على سؤال: «هل الفعل ممنوع أم مسموح؟».

بل توجد أسئلة أخرى لا تقل أهمية:

هل النص واضح؟

هل العقوبة متناسبة مع الفعل؟

هل توجد ضمانات كافية لحماية حرية التعبير؟

هل هناك تمييز واضح بين النقد الصحفي والجريمة الإلكترونية؟

هل يمكن تطبيق النصوص دون التوسع في تفسيرها بما يؤثر في العمل الصحفي؟

هذه الأسئلة لا تعني الدعوة إلى مخالفة القانون، وإنما تعكس حق المجتمع والصحفيين والقانونيين في مناقشة القوانين التي تنظم المجال العام والرقمي.

الصحافة لا تطلب حصانة من القانون

وفي المقابل، فإن الدفاع عن حرية الصحافة لا يعني أن الصحفي فوق القانون.

فالصحفي مسؤول عن دقة ما ينشره، واحترام الخصوصية، وعدم اختلاق الأخبار، وعدم التلاعب بالوثائق، وعدم استخدام الصحافة وسيلة للتهديد أو الابتزاز.

لكن المسؤولية الصحفية لا تعني بالضرورة تحويل كل خطأ مهني أو نقد حاد إلى جريمة جنائية.

وهنا يستمر النقاش حول الحدود الفاصلة بين:

الخطأ الصحفي والجريمة.

النقد والإساءة.

التحقيق الاستقصائي والاتهام غير المثبت.

ماذا يحتاج الصحفي السوداني؟

بغض النظر عن الموقف المؤيد أو المعارض للقانون، يحتاج الصحفي إلى معرفة دقيقة بالنصوص النافذة فعلاً.

وهذا يتطلب:

  • إتاحة النصوص القانونية والتعديلات بصورة رسمية وواضحة.
  • تدريب الصحفيين والمحررين على الجوانب القانونية للنشر الإلكتروني.
  • توضيح الفارق بين النقد الصحفي والجريمة الإلكترونية.
  • حماية حق الجمهور في المعرفة.
  • حماية حقوق الأشخاص وسمعتهم وخصوصيتهم في الوقت نفسه.
  • توفير ضمانات قانونية واضحة للعمل الصحفي.

الخلاصة

شهد الإطار القانوني لجرائم المعلوماتية في السودان تطورات منذ صدور قانون 2007، من بينها تعديل 2020، ثم تعديل آخر في 2022.

لكن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال العقوبات.

فالقضية الأهم بالنسبة للصحافة هي:

كيف يمكن مكافحة الجرائم الإلكترونية الحقيقية دون أن تتحول مكافحة الجريمة إلى قيد غير متناسب على حرية الصحافة والتعبير؟

وفي المقابل:

كيف تضمن المؤسسات الإعلامية أن تستخدم حرية النشر بمهنية ومسؤولية، وأن تتحقق من المعلومات وتحترم حقوق الآخرين؟

الوصول إلى هذه المعادلة يحتاج إلى نصوص واضحة، وتطبيق عادل، وضمانات قانونية، ومؤسسات إعلامية مسؤولة، ونقاش عام مفتوح حول التشريعات التي تنظم المجال الرقمي.

وتنشر «سودان سوا» هذه المادة باعتبارها قراءة توعوية وإعلامية، دون تبني موقف مؤيد أو معارض لقانون جرائم المعلوماتية، وإنما بهدف تعريف الصحفيين والقراء بالتطورات القانونية وفتح النقاش حول تأثيرها في النشر الإلكتروني وحرية الصحافة.

تنبيه قانوني

هذه المادة قراءة صحفية توعوية وليست استشارة قانونية، ولا تغني عن الرجوع إلى محامٍ مختص عند وجود بلاغ أو دعوى أو إجراء قانوني محدد. كما ينبغي الرجوع إلى النصوص الرسمية النافذة عند تقييم أي واقعة بعينها.