إنصاف» بين شرعية الشعار واختبار الواقع
«إنصاف» بين شرعية الشعار واختبار الواقع.. هل يستعيد صوت المجتمعات أم يواجه تحدي التطبيق؟
بقلم: محيي الدين شجر
يأتي إعلان تدشين المنبر السوداني للعدالة الاجتماعية “إنصاف” في مرحلة استثنائية يمر بها السودان، حيث تتزاحم المبادرات السياسية والمجتمعية في ظل الحرب، ويبحث السودانيون عن مشروع وطني يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لمرحلة ما بعد الصراع.
اللافت في خطاب المنبر من خلال مؤتمره الصحفي امس الذي أعلن فيه تدشين نشاطه بصوره رسمية أنه ركز على جملة من المبادئ التي تحظى بقبول واسع، مثل التأكيد على أن الشعب هو مصدر الشرعية، والدعوة إلى الانتخابات الحرة، وسيادة حكم القانون، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز السلم الأهلي. كما أعلن بوضوح دعمه للقوات المسلحة في معركتها، مع تأكيد استقلاله عن الأحزاب والمؤسسات العسكرية، وهو طرح يضع المنبر أمام اختبار صعب يتمثل في المحافظة على استقلاليته مع اتساع نشاطه.
لكن نجاح أي منبر لا يقاس بجمال البيانات أو قوة الشعارات، وإنما بقدرته على الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة الفعل. فالساحة السودانية شهدت خلال السنوات الماضية عشرات المبادرات التي انطلقت بقوة إعلامية، ثم تراجعت بسبب غياب التنظيم أو ضعف التواصل مع المواطنين.
وإذا أراد “إنصاف” أن يحقق أهدافه، فإن أمامه عدداً من الخطوات العملية، أهمها النزول إلى القواعد المجتمعية في الولايات وعدم الاكتفاء بالنشاط في المدن الكبرى، وإنشاء لجان ولائية ومحلية تضم الشباب والمرأة والإدارات الأهلية والنقابات والمهنيين، حتى يصبح المنبر معبراً عن مختلف مكونات المجتمع.
كما أن حملة جمع عشرة ملايين توقيع ستكون أكثر تأثيراً إذا اعتمدت على منصة إلكترونية موثقة، إلى جانب فرق ميدانية داخل السودان وخارجه، مع إعلان أرقام التوقيعات بصورة دورية لتعزيز المصداقية وإشراك الرأي العام في متابعة الحملة.
ومن أبرز ما أعلنه المنبر أيضاً إطلاق “الحملة الوطنية لاسترداد صوت المجتمعات المختطفة”، وهي مبادرة تعكس رؤية المنبر بأن هناك مجتمعات في بعض مناطق النزاع لا تستطيع التعبير بحرية عن مواقفها السياسية بسبب سيطرة السلاح، وأن صمتها لا يعني بالضرورة قبولها بالواقع القائم، بل قد يكون نتيجة الخوف أو القيود الأمنية. ومن هذا المنطلق، يسعى المنبر إلى توفير مساحة للتعبير السلمي عن الإرادة الشعبية، وتأكيد أن الشرعية لا تُمنح إلا عبر الاختيار الحر للمواطنين، وليس عبر القوة أو فرض الأمر الواقع.
وفي هذا السياق، يؤكد المنبر رفضه لأي محاولة لإضفاء شرعية سياسية على قوات الدعم السريع أو حلفائها، أو تقديمها كبديل يمثل المجتمعات السودانية، مشدداً على أن أي تمثيل سياسي يجب أن يستند إلى تفويض ديمقراطي حر، وليس إلى السيطرة العسكرية.
ومن المهم أيضاً أن يقدم المنبر رؤى عملية لمعالجة قضايا الاقتصاد، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين واللاجئين، وتحقيق العدالة الانتقالية، لأن المواطن ينتظر حلولاً واقعية بقدر ما يستمع إلى الخطابات السياسية.
كما أن بناء جسور التواصل مع الجامعات، ومنظمات المجتمع المدني، والقيادات المجتمعية، وإطلاق منصات للحوار والاستماع إلى المواطنين، يمثل خطوة ضرورية حتى لا يتحول المنبر إلى جهة تتحدث باسم الناس دون أن تسمعهم.
إن إشراك الشباب، الذين يشكلون غالبية عضوية المنبر بحسب قياداته، يمكن أن يكون نقطة قوته الحقيقية إذا مُنحوا أدواراً قيادية في صناعة القرار، وليس مجرد حضور رمزي في الفعاليات والمؤتمرات.
في النهاية، تبدو فكرة المنبر السوداني للعدالة الاجتماعية “إنصاف” مشروعاً يستحق المتابعة، لكن نجاحه سيظل مرهوناً بقدرته على تحويل المبادئ التي أعلنها إلى برامج قابلة للتنفيذ، وبناء الثقة مع الشارع السوداني عبر العمل الميداني والشفافية والاستمرارية. فالسودان اليوم بحاجة إلى مبادرات تنتج حلولاً، لا إلى مبادرات تكتفي بإطلاق البيانات. والتاريخ السياسي يعلمنا أن ما يبقى هو الأثر في حياة الناس، لا صدى الشعارات.