بنات الجزارين والثوم.. وفتيات إنجلترا العاريات واغتصاب الزوجة/ بقلم : د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال

*بنات الجزارين والثوم.. وفتيات إنجلترا العاريات واغتصاب الزوجة*

د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال

قبل أن يدلف قطارنا إلى محطة “مانشستر” التي أمضيت فيها معظم سنوات شبابي، أجدني مدفوعاً للتوقف عند عدة “سندات” ومحطات استراحت فيها الذاكرة على جنبات الطريق.

*السندة الأولى:* *ثوم حوش البيت*
وأنا في مرحلة الدراسة الثانوية العامة/ المتوسطة، زرعت بعض فصوص الثوم في حوش البيت. لم تمضِ سوى أيام قلائل حتى رأيت الثوم يشق الأرض ويخرج صاعداً بكل عنفوان وقوة. استغربت هذا النمو المتسارع، وجريت مسرعاً إلى خالتي (أم أبوها) لأخبرها بالأمر. ردت عليّ حينها بإجابة وجدت صعوبة بالغة في استيعابها بادئ الأمر، إذ قالت: ” الثوم يا ولدي مثل أولاد الجزارين، ينمو سريعاً جداً! “. ولم أستوعب مغزى كلماتها إلا لاحقاً، حين أدركت أنها تعني أن حسن التغذية يجعل هؤلاء الأطفال يصلون إلى سن المراهقة والنضج البدني أسرع من غيرهم.

*السندة الثانية:* *غربة الشطة الخضراء ونعيم الباكستاني*
في تلك الأيام، كانت الغربة قاسية جدا؛ فلا هواتف ذكية بين أيدينا، ولا قنوات فضائية تنقل لنا أخبار الوطن. حتى هلال رمضان أو العيد كنا نجد مشقة شديدة في معرفة تاريخه. كان الاتصال بالأهل صعباً ومكلفاً للغاية، وكنا ننتظر لسنوات طوال حتى يصلنا شريط كاسيت مسجل بصوت الأسرة، ويومها تتحول دارنا إلى ساحة من البكاء والنحيب شوقاً.
كنت أصلي الجمعة في مسجد بدا لي غريباً في طقوسه؛ إذ كانوا يضعون عند مدخله صندوقاً مليئاً بـ “الطواقي”، وبحسب رؤيتهم الفقهية، لا يجوز لأي رجل دخول المسجد حاسر الرأس. دخلت يومها “توش” دون أن أنتبه، فلحق بي شاب صغير وألبسني طاقية برفق، بعد أن لاحظ إعاقة رجلي وحاجتي للعون. من هنا بدأت معرفتنا، وتوطدت علاقتنا فصار يزورني في المنزل.
تذكرته اليوم تحديداً لأنني استغللت غياب زوجتي “آينور” التي ذهبت لزيارة والدتها؛ فهي عادة لا تسمح لي بدخول المطبخ. وجدتها فرصة سانحة لأعد لنفسي وجبة كان ذلك الشاب يعدها لي بكميات خرافية من الشطة الخضراء؛ حتى لتظنها “شطة خضراء بالبيض” وليست بيضاً بالشطة! كان ذلك الشاب يُدعى “نعيم”، قادماً من باكستان وجديداً على العيش في إنجلترا.
تذكرت “نعيم” وضحكت وأنا أستحضر ما فعله ذات يوم بجارتي الإنجليزية. كانت جارتي هذه معلمة متميزة أكبر مني سناً، وكان يسود بيننا احترام متبادل. من طرائفها أنها كانت تزورني في شقتي ومعها كتابها؛ لم تكن تأتي للدردشة وتزجية الوقت، بل لتجلس وتقرأ كتابها في حضرة أنس بدلاً من وحشة الوحدة في بيتها.
في أحد الأيام، كانت تجلس عندي عندما دخل “نعيم” يحمل طعاماً باكستانياً غارقاً في البهارات والشطوط الحارقة. أكلنا معاً حتى تصببنا عرقاً، فخرجت أنا إلى البقالة لأحضر زجاجات الكوكاكولا لتطفئ هذا اللهيب. عندما عدت، لاحظت أن الأجواء في الغرفة مشحونة بشكل غريب، وكأن معركة صامتة من نوع ما قد دارت في غيابي! لم أكن متأكداً، ومع مرور الأيام تناسيت الأمر.

*السندة الثالثة:* *معركة الـزبادي*
في شقة مقابل باب شقتي، كانت تسكن جارة شابة جميلة دائمة الابتسام والبشاشة، على العكس تماماً من زوجها العبوس. كانت لديهما طفلة في الرابعة من عمرها، تحضر مراراً إلى شقتنا لتلعب مع
ابني “عمرو”. في أحد الأيام، لاحظت أن الجارة ليست على طبيعتها؛
كانت طوال الليل تخرج وتدخل بقلق واضطراب. علمت لاحقاً أن معركة حامية الوطيس قد دارت بينها وبين زوجها بعد أن دخل عليها ثَمِلاً، واكتشفت أنه كان يقضي وقته مع امرأة أخرى. في اليوم التالي مباشرة، خرجت الزوجة بدورها وعادت في ساعة متأخرة من الليل وهي ثملة أيضاً، وعندما واجهها زوجها، ردت عليه ببرود وثقة: “لقد فعلتُ تماماً مثلما فعلتَ.. هذه بتلك، والأمر عادي جداً.. زي أكل الزبادي!”.

*السندة الرابعة:* *من هنا بدأنا.. واللسان الذرب*
تذكرني هذه المواقف بقصة طريفة لسوداني وصل حديثاً إلى مطار هيثرو. مدت موظفة الهجرة الإنجليزية يدها لتستلم جواز سفره، وقالت له بابتسامة ترحيبية بريطانية معتادة:

“Hello love”
فالتفت الرجل مذهولاً وقال في سره بلهجة سودانية قاطعة: “من هنا بدينا!”.

هذه القصة تذكرني بما حدث لي في الأيام الأولى لزواجي من “آينور”، وهي كما ذكرت تنتمي للغة وثقافة مختلفة تماماً عن ثقافتنا. كنت أتحدث على الهاتف مع موظفة البنك في إنجلترا لإنجاز بعض المعاملات، وبطبيعتي المجبولة على الرقة واللطف والأدب في الحديث، كنت أحادثها بلين، وختمت مكالمتي بالقول:

* “Thank you very much .. have a very nice day, love”.
ما إن نطقت الكلمة الأخيرة حتى قرصتني “آينور” في كتفي قرصة كادت تقطع لحمي من الغيرة! ضحكت من ردة فعلها وقلت لها: “هكذا تعودت أن أتحدث في إنجلترا كنوع من اللباقة الاجتماعية، وعليكِ أن تتطبعي على هذا الأسلوب؛ فأنا لا أعلم حتى مقدار جمال هذه الموظفة أو سنها، لكن التقدير والكلمة الطيبة مهمان في التعامل”. لم تقتنع تماماً، لكنني لم أتوقف عن عادتي.

وفي زيارتي الأخيرة إلى مدينة “تبليسي” عاصمة جورجيا، كنت في المكاتب الحكومية أتعامل بنفس الطريقة واللغة اللطيفة، فأتممت معاملاتي المعقدة في وقت قياسي. التفت إليّ مرافقي مذهولاً وقال: “لك لسان ذَرِب جعل الجميع يلتفون حولك ويخدمونك بشغف!”، فأجبته بأن هذا طبعي الأصيل وليس تصنعاً.

*السندة الخامسة والأهم: حسن مكي ونيوتن أم درمان*
هذه السندة هي الأهم قبل أن يطلق القطار صفارته معلناً الوصول إلى محطة مانشستر، وتحديداً إلى حي “كرمبسل” (Crumpsall). وقبل أن أدخل هذا الحي، تذكرت تلك الفتاة التي كتبت لي خطاباً
ذات يوم، وكتبت على الظرف
To Mr. Crumpsall
، تخبرني في طياته بأن عريساً يعمل سفيراً في الخارجية قد تقدم لخطبتها، وتطلب مني أن أسرع بخطبتها إن كان لي رغبة. رددت عليها بخطاب نصحتها فيه بالقبول بالزواج من السفير؛ لأن طريقي طويل وصعب ومسؤولياتي جسام، لكن خطابي وصل متأخراً بعد أن عُقد قرانها وسافرت إلى الخارج.
حين وصلت إلى “كرمبسل” لأول مرة قبل سنوات طويلة، ذهب رفاقي في السكن للتسوق في متجر “وولورث” الشهير (Woolworths).
استبد بهم الغضب لأن حارس الأمن (السكيورتي) لم تفارقهم عينه، وكان يتتبع خطواتهم بدقة في ممرات المتجر، فظنوا أنه يشك في أنهم بصدد السرقة. فجأة، توقف الحارس أمامهم، ونظر في وجوههم السمراء وقال بلسان أعجمي غير مبين:

Are you sudanese?
استغرب الشباب من سؤال هذا الإنجليزي، ورد أحدهم بحِدّة سودانية ساخرة: “نعم سودانيين.. وما حرامية!”.

ضحك الحارس بملء فيه، واكتشفوا أنه سوداني من أولاد أم درمان القديمة، قذفت به أمواج الحياة إلى إنجلترا قبل أن يبلغ العشرين من عمره، حتى كاد ينسى لغته العربية من طول الجفاء والبعد!
كان هذا الشخص هو الراحل “حسن مكي”، الذي جاء إلينا لاحقاً في السكن وقال وهو يتلمظ حنيناً للوطن: “أنا أشتهي طبق فول بالجبنة.. والـ…”، وبدأ يحك رأسه يحاول تذكر اسم المكون السحري الغائب عن ذاكرته المهاجرة.
فأجبته على الفور: “زيت السمسم!”.
فصاح متهللاً وكأنه “نيوتن” لحظة اكتشافه قانون الجاذبية: “يسسس.. زيت السمسم!”.

رحم الله حسن مكي وجعله من أهل جنة الفردوس؛ فقد دعمني بتوجيهه ونصحه في بداياتي، ومنذ تلك الأيام أصبحتُ أنا دليلاً لأبناء وطني وعموم الأغراب الذين تأتي بهم رياح الغربة العاتية إلى بريطانيا. تحولتُ إلى مرجع وناصح في حقول لا حصر لها؛ من قضايا الهجرة إلى البنوك، والجامعات، وعالم الأعمال.. غدوتُ بوصلة لكل من يبحث عن طريق الأمان في بلاد الضباب.
وكان أول قرار اتخذته في تلك البلاد هو الزواج اتقاءً للفتنة؛ فنحن قادمون من بلاد مشحونة بالحرارة والعاطفة، بلادٌ عبر عنها شاعرنا الفذ صلاح أحمد إبراهيم في قصيدته الخالدة (ماريا) حين قال:

أَنَا مِنْ إِفْرِيقِيَا: صَحْرَائِهَا الكُبْرَى وَخَطِّ الاسْتِوَاءِ
شَحَنَتْنِي بِالحَرَارَاتِ الشُّمُوسُ
وَشَوَتْنِي كَالقَرَابِينِ عَلَى نَارِ المَجُوسِ
لَفَحَتْنِي فَأَنَا مِنْهَا كَعُودِ الأَبَنُوسِ
وَأَنَا مَنْجَمُ كِبْرِيتٍ سَرِيعُ الاشْتِعَالِ
يَتَلَظَّى كُلَّمَا اشْتَمَّ عَلَى بُعْدٍ تَعَالِ
يَا مَارِيَا:
أَنَا مِنْ إِفْرِيقِيَا جَوْعَانُ كَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ
وَأَنَا أَهْفُو إِلَى تُفَّاحَةٍ حَمْرَاءَ مَنْ يَقْرَبُهَا يُصْبِحْ مُذْنِبْ
فَهَلُمِّي وَدَعِي “الآلِهَةَ” الحَمْقَاءَ تَغْضَبْ
وَأَنْبِئِيهَا أَنَّهَا لَمْ تَحْتَرِمْ رَغْبَةَ نَفْسٍ بَشَرِيَّةْ
أَيُّ فِرْدَوْسٍ بِغَيْرِ الحُبِّ كَالصَّحْرَاءِ مُجْدِبْ…

*الخلاصة: لماذا دلقتُ هذا المداد؟*
إن تفاصيل هذه الرحلة الطويلة، وتلك “السندات” التي مررتُ بها، لم تكن مجرد ذكريات لتزجية الوقت، بل سقتها عمداً لأصل إلى هذه الخلاصة المؤلمة والمهمة؛ إذ لاحظتُ في الآونة الأخيرة أخباراً تدمي القلب عن اعتداء شباب سودانيين في إنجلترا على النساء، واتهامهم بالتحرش الجنسي أو الاغتصاب، ومن ثم صدور أحكام قضائية ضدهم بسنوات سجن تفوق أعمارهم الغضة!
هناك فجوة عميقة وصادمة في اختلاف الثقافات والعادات والمفاهيم يقع ضحيتها هؤلاء الشباب؛ فالجنس في هذه البلاد وثقافتها ليس أمراً يحتاج إلى القوة الجسدية، أو العنف، أو الاغتصاب لتناله. هذا الفهم الخاطئ يذكرني بصديق خليجي وسيم، اشتكى لي ذات يوم بمرارة ممزوجة بالدهشة قائلاً: “يا أخي، هذا السوداني (كَبْكَبْ) اسم على مسمى، ومع ذلك يحصل على ما يريد من النساء دون عناء.. بينما أنا بوسامتي وجيبي الممتلئ بالمال أخرج من المولد بلا حمص!”. يومها ضحكت من أعماق قلبي كما لم أضحك من قبل، وأنا أردد: “الله يجازي محنك يا كباكا!”.

يا أبناء وطني من الشباب.. إنكم تجازفون بحياتكم، وتركبون الصعاب، وتتعرضون لخطر الموت غرقاً في المحيطات والبحار، وتواجهون قراصنة الهجرة وتجار البشر حتى تصلوا إلى شواطئ أوروبا بحثاً عن الأمان والمستقبل. فلماذا إذن، بعد أن ينقذكم الله تعالى من أهوال البحار، ترمون بأنفسكم بكل خفة إلى التهلكة؟
لماذا تختارون السجون والعذاب؟ من اجل لذة عابرة ..!؟
وما أقسى السجون في بلاد “الديمقراطية” الغربية!
إنها سجون لا ترحم، تسلبك حريتك وإنسانيتك، وفي قسوتها وجحيمها المعنوي لا تختلف كثيراً عن زنازين “دقريس” التابعة لمليشيا دقلو التي فررتم من ويلاتها وعذابات السجمان ومليشياته وجبريله..

إن نصيحتي لكم، ومن واقع سنين عمري التي قضيتها في هذه البلاد مرشداً وموجهاً، هي: الصبر والتسلح بالعلم والمعرفة. ابتعدوا تماماً عن الخمارات، والحانات، والأندية الليلية؛ واجعلوا بداية حياتكم في مغتربكم قائمة على خطة واضحة ومدروسة للنجاح، والفلاح، وبناء الذات، وليس الانسياق الأعمى وراء الشهوات العابرة و”الشهيوات”.

الطريق بلا شك طويل وصعب، لكنه ليس مستحيلاً أبداً؛ وإن لم تكن قادراً على لجم نفسك، وضبط شهواتك، واحترام قوانين وثقافة البلاد التي لجأت إليها.. فـ “خليك في بلدك” أكرم لك ولسمعة وطنك.

د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال