في مؤتمر صحفي ببورتسودان.. شركات الوقود تبرئ نفسها وتتجاهل مسؤوليتها عن الأزمة

بقلم / محيي الدين شجر

أثار المؤتمر الصحفي الذي عقدته الغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية كثيراً من التساؤلات، ليس بسبب الأرقام التي عرضتها، وإنما بسبب محاولتها تقديم الشركات باعتبارها ضحية للأزمة، بينما تجاهلت مسؤوليتها المباشرة عن تجربة استمرت سنوات شهدت ارتفاعات متكررة في أسعار الوقود، وحالات شح متواصلة، واضطراباً في الإمدادات، انتهى بأن يدفع المواطن السوداني الثمن كاملاً.
لا خلاف حول أن التوترات في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط عالمياً فرضت أعباء إضافية على جميع الدول المستوردة، لكن السؤال الذي لم تجب عليه الغرفة هو: لماذا ظلت أزمة الوقود في السودان أكثر حدة من غيرها؟ ولماذا كانت الأسواق تشهد نقصاً في الإمدادات وارتفاعاً في الأسعار حتى قبل اندلاع هذه الأزمة العالمية؟
وما لفت الانتباه أكثر أن الغرفة، خلال مؤتمرها الصحفي ببورتسودان، انشغلت بتبرئة نفسها بصورة كاملة من كل ما حدث في سوق الوقود، وكأن الشركات لم تكن جزءاً من المشهد طوال السنوات الماضية. فقد نفت بصورة قاطعة الاتهامات التي ظلت تتردد بشأن تحقيق أرباح طائلة من تجارة الوقود، لكنها لم تقدم للرأي العام دليلاً واحداً يدعم هذا النفي. لم تعرض ميزانيات، ولا كشوفات أرباح وخسائر، ولا بيانات مالية مدققة، ولا حتى مؤشرات توضح حجم هوامش الأرباح التي حققتها الشركات خلال سنوات الاستيراد. كان الحديث مجرد تصريحات، بينما ظلت الوثائق غائبة.
وفي القضايا الاقتصادية الكبرى، لا تكفي التصريحات لتبرئة أي جهة. فالشفافية تُقاس بالأرقام والمستندات، لا بالمؤتمرات الصحفية. وإذا كانت الغرفة تطالب الحكومة بالإفصاح عن البيانات، فمن باب أولى أن تبدأ بنفسها، وأن تكشف تكلفة الاستيراد الحقيقية، وسعر شراء الوقود، وسعر بيعه، وهوامش الأرباح، حتى يستطيع الرأي العام الحكم على الوقائع بعيداً عن البيانات الدفاعية. أما الاكتفاء بالنفي دون تقديم مستندات، فإنه لا يبدد الشكوك، بل يفتح الباب لمزيد من التساؤلات.
إن محاولة تحميل الحكومة وحدها مسؤولية ارتفاع سعر الدولار أو أسعار الوقود لا تعكس الصورة كاملة. فشركات الاستيراد كانت طوال الفترة الماضية اللاعب الرئيسي في هذا القطاع، وهي التي تولت عمليات الاستيراد والتوريد، وبالتالي فإنها تتحمل جزءاً أصيلاً من نتائج تلك التجربة، سواء كانت إيجابية أو سلبية. أما تقديم نفسها اليوم وكأنها كانت مجرد منفذ لا يملك قراراً، فهو تجاهل لسنوات من إدارة السوق التي شهدت شكاوى مستمرة من نقص الوقود وارتفاع أسعاره.
ومن اللافت أن الغرفة انتقدت الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة، بينما الحقيقة أن تلك الإجراءات لم تصدر بصورة عشوائية أو انفعالية، وإنما جاءت بعد مراجعة دقيقة لأداء سوق الوقود خلال الفترة الماضية. فقد اتجهت وزارة الطاقة إلى تطبيق نظام العطاءات لاستيراد الوقود بعد دراسة متأنية للتجربة السابقة، التي اتسمت بارتفاعات كبيرة في الأسعار، وشح متكرر في الإمدادات، في وقت كانت فيه الشركات الخاصة هي المسؤولة عن عمليات الاستيراد.
كما أن قرار مجلس الوزراء بالسماح للحكومة بالدخول المباشر في ملف استيراد الوقود لم يكن قراراً سياسياً أو موجهاً ضد القطاع الخاص، بل جاء نتيجة تقييم شامل للآثار السالبة التي صاحبت تجربة الشركات المستوردة، وبعد أن ثبت أن الآليات السابقة لم تحقق الاستقرار المطلوب في الإمدادات أو الأسعار. وبالتالي فإن تصوير هذه القرارات على أنها سبب الأزمة يعد قلباً للحقائق، لأن هذه القرارات جاءت أصلاً لمعالجة اختلالات كشفتها التجربة السابقة.
وتحدثت الغرفة عن الفجوة الدولارية، لكنها أغفلت حقيقة أن شركات الوقود نفسها تعد من أكبر طالبي النقد الأجنبي، وأن الطلب الضخم على الدولار لاستيراد الوقود يظل عاملاً مؤثراً في سوق الصرف، مهما كانت المبررات المتعلقة بالأسعار العالمية. كما أن اعتراضها على الضمانات التي فرضها بنك السودان يتجاهل أن الدولة من حقها وضع ضوابط تضمن الجدية وتحمي الاقتصاد الوطني في قطاع يمثل عصب الحياة الاقتصادية.
أما إثارة ملف تهريب الذهب، فهي في الواقع تؤكد أن المشكلة ليست في القرارات الحكومية وحدها، وإنما في وجود اقتصاد موازٍ لم تنجح كل الأطراف، بما فيها القطاع الخاص، في دمجه داخل الاقتصاد الرسمي. وإذا كانت الغرفة تعترف بأن أكثر من سبعة مليارات دولار من قيمة الذهب ظلت خارج الدورة الاقتصادية، فإن ذلك يكشف حجم الخلل الذي يستوجب تعاون الجميع بدلاً من تبادل الاتهامات.
إن المواطن السوداني لا تعنيه المؤتمرات الصحفية ولا البيانات التي تتبادل فيها الأطراف المسؤولية، بل تعنيه النتيجة النهائية: هل يجد الوقود بالسعر المناسب؟ وهل تستقر الأسعار؟ وهل يتراجع الضغط على الجنيه السوداني؟ وهذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بإعفاء الشركات من المسؤولية وتحميل الحكومة كامل الفاتورة.
الحقيقة أن الدولة عندما أعادت النظر في سياسات استيراد الوقود، واتجهت إلى نظام العطاءات، وقررت الدخول المباشر في عمليات الاستيراد، لم تفعل ذلك من فراغ، وإنما استناداً إلى تجربة عملية كشفت أوجه القصور والاختلالات في النظام السابق. لذلك فإن أي حديث عن إصلاح القطاع يجب أن يبدأ أولاً بمراجعة أداء الشركات، وكشف حسابها للرأي العام، قبل البحث عن شماعة جديدة لتعليق الأزمة عليها.
لقد أثبتت التجربة أن ملف الوقود لا يحتمل الاحتكار ولا غياب الرقابة ولا تبادل الاتهامات، وإنما يحتاج إلى إدارة رشيدة، ومنافسة عادلة، وشفافية كاملة، ومساءلة لكل الأطراف، لأن المواطن السوداني لم يعد يحتمل أن يكون الضحية الدائمة لصراع المصالح بين الحكومة والشركات.