الحيرة / اميمة عثمان
حيرة / اميمة عثمان
أحتار قلمي كيف يبدأ، وكيف يخط هذه الكلمات ويربطها ببعضها، وكأن الحروف نفسها تخشى الاعتراف بما سترويه. ففي اللحظات التي تموت فيها الأجوبة، تولد الأسئلة من رمادها أكثر شراسة، وتحتل الروح كما يحتل الليل نافذةً بلا قمر. ترى… هل خُلقت الحقيقة لتُقال، أم لتبقى مطاردةً خلف الأسئلة؟
جلست تحتضن أوجاعها في غرفة مترامية الحزن، تتردد بين جدرانها أصداء الخطايا، لا لأنها ارتكبتها، بل لأنها ورثت وزرها. كانت تبكي وتتساءل: من الذي أتى بي إلى هذه الدنيا؟ ولماذا أخرجوني إلى حياةٍ بلا روح؟ وكيف تبدلت أسمائي في تلك الدفاتر؟ ومن الذي سرق ملامح الشبه، وبدّل الجينات، حتى أنكرتني المرايا واستنكرت صورتي؟
كانت أركان الغرفة تسألني: لِمَ لا تعرفين الغفوة؟ أما سمعتِ بالفرح؟ أما مرّ عليكِ صوت ضحكةٍ لا يخنقها الألم؟ فأصمت… لأن بعض الأسئلة لا تبحث عن جواب، بل عن قلبٍ يحتملها.
تراكمت الأسئلة على هامة الوجع حتى انحنى ظهري، ثم عدت أعتدل في جلستي وأنا أنزف صمتاً. من ذلك الفضاء الضيق الذي ازدحمت فيه أشجانها، حتى لم تترك مكاناً لابتسامةٍ واحدة، خطر لي سؤالٌ آخر: أحقاً يمكن لشيءٍ غير الدم أن يجري في العروق؟ نعم… إنه الألم، حين يصبح هويةً لا شعوراً، وقدراً لا حادثة.
كنت أراه في عينيها؛ مرةً ترسم صورة أمٍ لفظتها قبل أن تمنحها أول قطرة حنان، وتتساءل: من تكون؟ ومرةً أخرى تبحث في ملامح الغياب عن أبٍ لا تدري: هل كان يعلم أنها كانت تنمو في ذلك الرحم، أم أنها كانت مجرد خطأٍ مرّ عابراً في ذاكرة الزمن؟ ومن يكون؟
تعبت هي من مطاردة خيالاتها، وتعبت أنا من محاولة كتابة مشهد اللقاء الذي لم يحدث، ولا أدري إن كان سيحدث يوماً. أي الكلمات يمكنها أن تصف لقاءً بين إنسانٍ وجذوره بعد عمرٍ كامل من الاقتلاع؟ وهل تعيد الحقيقة ما سرقته السنوات، أم أنها تزيد الجراح وضوحاً؟
ساد بيننا صمتٌ أثقل من الكلام، ولم يبق سوى نظراتٍ تتقاطع ثم تهرب. كانت تحدق في سماءٍ يتغير لونها كل يوم، فتزداد معها حيرتها، ويطول موتها البطيء، حتى أصبحت تتمنى أن تخذلها ذاكرتها أو أن تنطفئ قواها العقلية، لا هرباً من الحياة، بل هرباً من التفكير. أما أنا، فكنت أنظر إليها وأسأل نفسي: أي ذنبٍ اقترفته لتكون الضحية؟ وأي عدالةٍ تلك التي تعاقب من لم يختر حتى لحظة ميلاده؟
عجباً… كيف تتحول لحظات النشوة الزائفة إلى عمرٍ كامل من الآهات. وكيف تنساب الدموع من عيون من لا يملك سواها وسيلةً للاحتجاج على الحياة. وخلف تلك الدموع، كانت نظرةٌ متحسرة إلى مجتمعٍ يرمقها باشمئزاز، يجلدها بخطيئةٍ لم تصنعها، ويعرّي براءتها دون أن يسأل: هل كان بمقدورها أن تمنع حدوث كل ذلك؟
إنه مجتمعٌ يضع الضحية في قفص الاتهام، ويمنح الجلاد فرصة الاختباء خلف الصمت. رفضها أقرب الناس إليها في البداية، ثم جاء المجتمع ليكمل ما بدأوه، وكأن الإنسان لا يُحاسَب على أفعاله، بل على ظروف ميلاده.
وهنا فقط، أدركت أن أكثر الأسئلة إيلاماً لم تكن: من أمي؟ ومن أبي؟ بل كانت: هل يُولد الإنسان باسمه، أم يصنعه الناس له؟ وهل نحن أبناء الدم، أم أبناء الرحمة؟ وهل يكفي أن نعرف الحقيقة، إذا كانت الحقيقة نفسها عاجزةً عن مداواة ما كسرته
د. اميمة