كنزي تعود.. وسقوط رواية الاستبعاد
كنزي تعود.. وسقوط رواية الاستبعاد
بقلم : محيي الدين شجر
قبل أيام من انطلاق موسم الحج، وفي المؤتمر الصحفي لوزير الشؤون الدينية والأوقاف، بحضور الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة عمر مصطفى علي، كان سؤالي في المؤتمر الصحفي مشروعاً ومباشراً: لماذا تم استبعاد شركة كنزي من نقل الحجاج، رغم أنها أثبتت نجاحها في موسمين متتاليين؟
سؤالي لم يكن عابراً، فشركة كنزي لم تدخل هذا المجال صدفة، بل جاءت في وقت حرج، حين انسحبت شركة أخرى في أحد المواسم، فتم الاستعانة بها، وأثبتت كفاءة عالية. وفي الموسم الذي تلاه، فازت بعطاء وُصف حينها بالشفاف، وقدمت تجربة حظيت بإشادة واسعة من الحجاج والمتابعين على حد سواء.
لكن، وكما يحدث كثيراً، لم يمر هذا النجاح بهدوء. فقد تعرضت الشركة لحملة شرسة قادها أصحاب مصالح، لم يكن هدفها التقييم المهني بقدر ما كان إقصاء منافس أثبت حضوره. ولم تتوقف الحملة عند الشركة، بل امتدت لتطال الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للحج والعمرة، الأستاذ سامي الرشيد، رغم تأكيده المتكرر أنه لا يعرف إدارة الشركة ولم يلتقِ بمديرها.
وُجهت إليه اتهامات بالمحاباة، في وقت كانت فيه الوقائع تشير إلى عكس ذلك: شركة تملك إمكانات، وبواخر حديثة، وفازت عبر إجراءات رسمية. لكن يبدو أن المشكلة الحقيقية لم تكن في “كنزي”، بل في سامي الرشيد الذي أغلق “البلف” أمام مراكز النفوذ، وأرسى نهجاً يقوم على الانضباط والشفافية، وهو ما أزعج البعض.
بالعودة إلى المؤتمر الصحفي، جاء رد الأمين العام الحالي بأن اللجنة استبعدت الشركة لعدم استيفائها اشتراطات القدرة المالية وملف الضرائب. مبرر أثار الدهشة، وربما الاستغراب، لأن شركة بهذا الحجم، تملك عدة بواخر، ولديها سجل تشغيلي ناجح، يصعب تصور عجزها المالي، إلا إذا كان هناك ما هو أبعد من الأوراق والاشتراطات.
بعد انتهاء المؤتمر، وفي حديث جانبي، أشار الأمين العام إلى أن الباب لم يُغلق تماماً. وبالفعل، عادت الشركة لتؤكد حضورها عملياً، حيث أظهرت في أولى رحلاتها مستوى تنظيمي وخدمي لافت: وجبات للحجاج قبل الصعود، وأخرى داخل العبّارة، فرق دعم ميدانية تسهّل الإجراءات، وروح عمل تعكس احترافية عالية.
ولم تقف التجربة عند حدود النقل، بل امتدت إلى لمسة إنسانية لافتة، عبر مبادرات مثل مشاركة فريق “نيلمد” من أطفال وشباب السودان، الذين ساهموا في تقديم الأعلام والوجبات، وصنعوا أجواء من البهجة للحجاج، في صورة تعكس بعداً مختلفاً للخدمة.
شركة كنزي، في واقع الأمر، تمثل نموذجاً لمؤسسة بُني نجاحها على خبرة إدارية، وكفاءة تشغيلية، وروح فريق متماسكة. وهذا ما يجعل قرار استبعادها مثار تساؤل مشروع: هل كانت المعايير فنية فعلاً، أم أن هناك تأثيراً لضغوط خارج إطار التقييم المهني؟
الأخطر من ذلك، أن مثل هذه القرارات، إن لم تكن شفافة ومقنعة، فإنها لا تضر بشركة بعينها، بل تضرب ثقة الناس في منظومة إدارة الحج نفسها، وهي ثقة لا تحتمل التآكل.
اليوم، ومع عودة الشركة إلى الواجهة، يبدو المشهد أقرب إلى تصحيح غير معلن، أو اعتراف ضمني بأن ما حدث لم يكن خالياً من الشوائب. كما يعيد فتح ملف الحملة التي استهدفت قيادات سابقة، وعلى رأسها سامي الرشيد، والتي قد تكون بُنيت على روايات لم تصمد أمام الواقع.
في النهاية، القضية ليست “كنزي” وحدها، بل سؤال أكبر: هل تُدار ملفات الحج بعقلية الخدمة والكفاءة، أم بمنطق الإقصاء وتصفية الحسابات؟
الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد إن كنا نتقدم نحو مؤسسات حقيقية، أم نعيد إنتاج الأزمات بذات الوجوه والطرق.