المتعاون مع المليشيا.. حين تحولت الأحياء إلى خرائط خوف
المتعاون مع المليشيا.. حين تحولت الأحياء إلى خرائط خوف
رأي : سودان سوا
لم تكن صدمة معظم السودانيين في دخول المليشيا والمرتزقة إلى المدن الآمنة مثل مدني وسنجة وقرى الجزيرة وغيرها ، فالحرب بطبيعتها تحمل هذا الاحتمال القاسي. لكن الصدمة الحقيقية والعنيفة جاءت من الداخل، حين شاهد الناس بأعينهم أبناء وبنات أحيائهم يفتحون الطريق، ويقدمون المعلومات، ويقودون الغرباء إلى تفاصيل البيوت.
المتعاونون مع المليشيا لم يهبطوا من السماء، ولم يظهروا فجأة. كانوا جزءاً من النسيج اليومي، يعيشون بين الناس، يشاركونهم الأفراح والأتراح، يعرفون تفاصيل الحياة الدقيقة. لكن حين استجاب بعضهم للمغريات أو الضغوط، تحوّلوا إلى مصادر معلومات خطيرة، يرشدون المليشيا إلى بيوت أفراد القوات النظامية، ثم إلى بيوت المواطنين فرداً فرداً.
عند تلك اللحظة، بدأ الإحساس بالأمان يتآكل تدريجياً: بيتاً بعد بيت، وأسرة بعد أسرة، يتراجع الشعور بالطمأنينة، ويحل محله إحساس قاسٍ بالانكشاف. لم يعد الخطر بعيداً، بل صار يسكن داخل الحي نفسه.
ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة القلق لتشمل الجميع: بيوت التجار، والأساتذة، والأطباء، والمهندسين، والقضاة، والموظفين. لم يعد هناك استثناء. تحولت البيوت إلى مساحات للترقب والتوجس، وأصبح الانتظار نفسه حالة نفسية مرهقة.
انهارت الثقة التي كانت تشكل أساس العلاقات الاجتماعية. لم يعد الجار سنداً مضموناً كما كان، بل احتمالاً مفتوحاً لا يمكن التنبؤ به. ولم تعد المعرفة مصدر راحة، بل أصبحت سبباً للقلق. سؤال صامت بدأ يتكرر: من الذي كشف كل هذا؟ ومع تكراره، تحوّل إلى حالة نفسية عامة أعادت تشكيل العلاقات على أساس الحذر بدل الثقة.
ومع هذا التآكل، بدأ المجتمع ينزلق من الترابط إلى عزلة نفسية تدريجية. حتى داخل الأسرة الواحدة، تسلل الحذر إلى تفاصيل الحياة اليومية. صارت الأحاديث أكثر تحفظاً، والأبواب لم تعد مجرد حدود مكانية، بل رموزاً لحماية نفسية مضطربة.
الحقيقة أن أثر المتعاونين لا يتوقف عند لحظة الفعل. فالسلاح يخلق صدمة آنية، أما الخيانة من الداخل فتترك جرحاً ممتداً، لأنها تضرب في عمق الثقة وتمزق النسيج الاجتماعي ببطء وخطورة.
ومع ذلك، فإن التعامل مع هذه الظاهرة يحتاج إلى وعي واتزان. فالمسؤولية تظل فردية، ولا يجوز أن تُنقل إلى الأسر أو المحيط الاجتماعي. كما أن اللجوء إلى القنوات القانونية العادلة يظل الخيار الأجدى، بدلاً من ردود الفعل العاطفية التي قد تزيد من التمزق. الحذر مطلوب، لكن دون السقوط في فخ الإقصاء الجماعي.
إعادة بناء الثقة ليست مهمة سهلة، لكنها ممكنة. تبدأ بالشفافية، وتعزيز العدالة، ودعم المتأثرين نفسياً، وإعادة ترميم العلاقات على أسس أكثر وعياً وصلابة.
في النهاية، الخطر لا يكمن فقط في الفعل ذاته، بل في كيفية التعامل مع أثره: إما أن يتحول إلى شرخ دائم يعمّق الانقسام، أو يصبح لحظة وعي تدفع المجتمع إلى إعادة بناء نفسه على أساس العدالة والحذر الواعي، لا الخوف والشك.
أبوعبيدة محمد عثمان محي الدين
اختصاصي علم النفس