نهر النيل و الحرب
نهر النيل بعد الحرب… من ذاكرة القطار إلى واقع الاستثمار
بقلم: محيي الدين جر
من بين ولايات السودان التي استطاعت أن تقفز قفزة غير مسبوقة خلال فترة الحرب، تبرز ولاية نهر النيل بلا منازع كنموذج لافت يستحق التوقف عنده؛ ليس فقط لما تحقق فيها من مشروعات استثمارية ضخمة، بل أيضاً لما تمثله من تجربة جديرة بالقراءة بعين متأنية.
تربطني بهذه الولاية علاقة وجدانية قديمة؛ فقد كانت مدينة عطبرة وجهتنا في عطلات المدارس، نغادر إليها من بورتسودان عبر القطار، في أيام كانت فيها محطة عطبرة قلباً نابضاً بالحياة، تعج بالمسافرين القادمين والمغادرين. هناك، بين الامتداد الشرقي ومحطة العمودين ومنطقة الدرجة، كنا نقضي أجمل الأيام، ونرى عن قرب تفاصيل حياة بسيطة لكنها مليئة بالكفاح؛ عمال، وسكة حديد، ودراجات، وعرق يومي يصنع الحياة.
ظلت تلك الصورة راسخة في ذهني: ولاية يغلب على أهلها الشقاء والعمل، قبل أن تبدأ ملامح التحول مع ظهور التعدين الأهلي، الذي فتح باباً واسعاً للنمو، وجعل نهر النيل من أكثر الولايات استفادة من هذا النشاط، رغم ما يحيط به من تحديات.
لكن القفزة الحقيقية، في تقديري، جاءت بعد الحرب؛ فقد دخلت الولاية مرحلة جديدة من الحراك التنموي، ارتبطت بشكل مباشر بأداء حكومتها الحالية بقيادة الوالي محمد البدوي عبد الماجد أبو قرون. الرجل، وبغض النظر عن اختلاف الآراء حوله، يبدو أنه تبنى نهجاً عملياً؛ فكلما اشتدت الانتقادات، ردّ بمزيد من الإنجازات.
الأرقام المطروحة ليست قليلة: نحو 350 مشروعاً استثمارياً في فترة وجيزة، لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة سياسات واضحة، أبرزها تطبيق نظام “النافذة الواحدة”، وتخفيض الرسوم بنسبة 30%، إلى جانب تسهيل الإجراءات وتحسين بيئة الاستثمار. وهي خطوات، في واقع اقتصادي معقد، كفيلة بجذب رؤوس الأموال إذا ما طُبّقت بجدية.
ومن الشواهد التي تُذكر في هذا السياق، توسع بعض المستثمرين بشكل لافت، حيث انتقل أحد رجال الأعمال من مشروع واحد إلى أحد عشر مشروعاً داخل الولاية. كما أن المظاهر العمرانية والخدمية لم تعد كما كانت؛ فانتشار المباني الحديثة والمطاعم ذات المستوى العالي يعكس تحسناً في بيئة الخدمات ونمط الحياة.
وخلال زيارة حديثة للولاية، برفقة عدد من الزملاء الصحفيين، التقينا الوالي في وقت وجيز رغم انشغاله بجولات ميدانية وافتتاح منشآت صحية في محليات مختلفة، بحضور وزير الصحة الاتحادي الدكتور هيثم محمد إبراهيم. اللقاء، في حد ذاته، كسر انطباعاً شائعاً عن ابتعاده وتهرّبه من الإعلام، وأتاح فرصة للاستماع المباشر إلى رؤية حكومة نهر النيل.
اللافت في حديث الوالي لم يكن الأرقام فحسب، بل طموح يتجاوز الواقع الحالي. فعندما أشار إلى إمكانية تحويل نهر النيل إلى وجهة سياحية تضاهي “المالديف”، بدا التصريح طموحاً إلى حد بعيد، لكنه يستند إلى مقومات حقيقية: جزر نيلية، ومناطق طبيعية لم تُستثمر بعد، يمكن أن تشكل أساساً لصناعة سياحية واعدة إذا ما وُضعت لها خطة واضحة.
وفي جانب آخر، لا يمكن تجاهل الأثر الاجتماعي للمشروعات الاستثمارية، التي أسهمت – بحسب إفادات رسمية – في استيعاب عشرات الآلاف من الخريجين، وهو ما يعني فتح أبواب رزق لآلاف الأسر، وتقليل الضغط على سوق العمل.
كما شملت جهود الولاية تطوير الخدمات الأساسية؛ توسعاً في الكهرباء التي وصلت إلى نسبة كبيرة من الأحياء، واستخدام الطاقة الشمسية في المناطق البعيدة، وإنشاء مستشفيات ومراكز صحية، إلى جانب تحسين شبكات الطرق والعمل على فك الاختناقات داخل المدن.
أما في القطاع الزراعي، فتبرز خطط طموحة، من بينها مشروع وادي الهواد، الذي يُتوقع أن يشكل نقلة نوعية في حال تنفيذه، خاصة مع الحديث عن شراكات دولية وإمكانات كبيرة قد تُسهم في تحويل المنطقة إلى مركز للإنتاج الزراعي والصناعي.
ورغم كل هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى التحدي الحقيقي في الاستدامة؛ فالتنمية لا تُقاس فقط بعدد المشروعات، بل بقدرتها على الاستمرار، وعدالة توزيعها، وتأثيرها المباشر على حياة المواطنين.
نهر النيل اليوم تقف في موقع متقدم بين ولايات السودان، لكنها في الوقت نفسه أمام اختبار جديد: هل تستطيع الحفاظ على هذا الزخم وتحويله إلى نموذج مستدام؟
الإجابة ستكون في ما ستُنجزه الأيام القادمة.