مذكرات كيسنجر (3 من 24): الدولة لا الأخلاق… أم أخلاقٌ في خدمة الدولة؟

بهدوء وتدبر
بقلم : محمد عثمان الشيخ النبوي

مذكرات كيسنجر (3 من 24): الدولة لا الأخلاق… أم أخلاقٌ في خدمة الدولة؟

إذا كان العقل الواقعي عند كيسنجر يرى العالم من زاوية القوة والمصلحة وتوازنات الردع، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك مباشرة هو: أين تقف الأخلاق في هذا التصور؟ وهل كانت الدولة عنده كيانًا أعلى من كل قيمة، بحيث تُعاد صياغة المعايير كلها على وفق ما يخدم بقاءها وتفوقها؟ أم أن الأمر لم يكن إلغاءً صريحًا للأخلاق بقدر ما كان إعادة ترتيبٍ لها داخل النسق السياسي، بحيث لا تعلو على المصلحة القومية، ولا تنازعها السيادة الفعلية، ولا تمنع الدولة من أن تفعل ما تراه ضروريًا في لحظات الخطر والتزاحم؟ وهذا السؤال ليس سؤالًا فرعيًا في قراءة مذكرات كيسنجر، بل هو من أكثر الأسئلة مساسًا بجوهرها؛ لأن كثيرًا من القرارات التي دافع عنها، أو بررها، أو قدّمها بوصفها استجابات لازمة في سياقات معقدة، لا يمكن فهمها على حقيقتها إلا إذا عرفنا كيف كان يرتب العلاقة بين المبدأ والمنفعة، وبين العدالة والضرورة، وبين القيم العامة ومقتضيات الدولة الكبرى كما يراها.
ومن يقرأ كيسنجر بتأمل يدرك أنه لا يتعامل مع الأخلاق بوصفها غائبة تمامًا من عالم السياسة، لكنه لا يقبل كذلك أن تكون حاكمةً لهذا العالم حكمًا مباشرًا بسيطًا. فهو يرى، في ما يظهر من منطقه العام، أن الدولة إذا أدارت شؤونها على أساس المثال الأخلاقي المجرد وحده، من غير حساب للقوة والردع والمخاطر والمصالح، فإنها لا تصنع عالمًا أفضل بالضرورة، بل قد تعرض نفسها وحلفاءها لخسائر كبيرة، أو تفتح المجال لخصومها كي يملؤوا الفراغ، أو تضعف قدرتها على حماية ما تراه ضروريًا لبقائها ومكانتها. ومن هنا فهو لا يطرح المسألة عادةً بصيغة: هل نحن أخلاقيون أم لا؟ بل بصيغة أخرى أكثر تعقيدًا: ما الذي يحفظ التوازن؟ وما الذي يمنع الانهيار؟ وما الذي يحقق المصلحة العليا للدولة؟ فإذا تعارضت الأخلاق في صورتها الخطابية المباشرة مع هذه الأهداف، مالت الكفة عنده بوضوح إلى جانب الدولة، ثم جرى بعد ذلك البحث عن اللغة التي تمنح القرار صورةً مقبولة.
وهنا تتكشف واحدة من أخطر القضايا في فكر كيسنجر وفي كثير من الفكر السياسي الحديث عمومًا: أن الأخلاق لا تُنفى دائمًا من الخطاب، لكنها قد تُعاد صياغتها، وتُستخدم على نحو انتقائي، بحيث تصبح جزءًا من خطاب الدولة لا قيدًا فعليًا عليها. فالدولة قد تتحدث عن السلام، لكنها تقصد به استقرارًا يحفظ موازين معينة. وقد تتحدث عن الشرعية، لكنها تتحرك بها داخل حدود ما يخدم مصالحها الكبرى. وقد تتحدث عن المسؤولية، بينما تمارس في الواقع ضغوطًا أو انحيازات أو صفقات لا تنسجم تمامًا مع المعنى الإنساني المباشر لتلك الكلمات. وهنا لا تكون الأخلاق غائبة من اللغة، لكنها تكون حاضرة بوصفها أداة تفسير وتأطير وتسويغ، لا بوصفها ميزانًا أعلى تُحاسب السياسة عليه من خارجه.
ولهذا فإن المشكلة في منهج كيسنجر ليست فقط أنه قدّم المصلحة على القيم في مواضع كثيرة، بل أيضًا أنه ساهم في ترسيخ نمط من التفكير يجعل القيم نفسها قابلة لإعادة التفسير بحسب مقتضيات القوة. ففي مثل هذا المنطق لا يعود العدل قيمة مستقلة تُقاس الأفعال على أساسها ابتداءً، بل يصبح ما يحفظ الاستقرار شكلًا من أشكال العدل، وما يخدم توازنًا معينًا نوعًا من المسؤولية، وما يمنع الخصم من التقدم ضرورةً تبرر كثيرًا من الوسائل، حتى لو كانت تلك الوسائل قاسية أو منحازة أو مجحفة بحق شعوب أضعف. وهذه النقلة شديدة الخطورة؛ لأنها لا تقول صراحة: نحن نترك الأخلاق، بل تقول: هذا هو الفهم الواقعي للأخلاق. وهكذا يُعاد ترتيب اللغة ذاتها، حتى تبدو المصلحة عقلانية أخلاقية، ويبدو الانحياز حكمة، ويبدو الظلم المؤقت ضرورة، ويغدو الاعتراض على ذلك كله نوعًا من المثالية غير الناضجة.
ومن هنا نفهم لماذا تبدو مذكرات كيسنجر في كثير من مواضعها وكأنها دفاع طويل عن القرارات الصعبة باسم المسؤولية السياسية. فهو لا يقدم نفسه عادةً في صورة المتجرد الكامل من كل قيد، بل في صورة رجل الدولة الذي عرف قسوة العالم، واضطر إلى الاختيار بين بدائل كلها مرة، فاختار أقلها سوءًا في تقديره. وهذه الصورة جذابة لكثير من النخب السياسية؛ لأنها تمنح صاحب القرار حصانة فكرية ونفسية، وتجعله يشعر أنه ليس ظالمًا بل واقعيًا، وليس منحازًا بل مضطرًا، وليس باردًا تجاه الدماء بل محكومًا بتوازنات ومخاطر لا ترحم. غير أن هذه الحصانة نفسها قد تكون من أخطر ما في الأمر؛ لأنها تجعل الإنسان قادرًا على التعايش مع قرارات بالغة القسوة دون أن يشعر أنه خرج أصلًا من دائرة الأخلاق، ما دام قد أقنع نفسه أنه يعمل من أجل “المصلحة العليا” أو “حماية الاستقرار”.
لكن الرؤية الإسلامية لا تسمح بهذا الفصل المراوغ بين الأخلاق والسياسة، ولا بهذا الإذابة التدريجية للقيم داخل ضرورات الدولة. فالإسلام لا ينكر أن الحكم والسياسة مجال تزاحم وتقدير وموازنة بين المصالح والمفاسد، ولا يطلب من صاحب القرار أن يغفل الواقع أو يتصرف كما لو كان يعيش في عالم مثالي نقي، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن تصبح الدولة مرجعًا أعلى تُسخّر له المبادئ، أو أن يُرفع “حفظ الكيان” إلى مقام يبيح سحق الحق والعدل والإنسان. فالدولة في المنظور الإسلامي ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لإقامة العدل وحراسة المصالح العامة وصيانة الدين والنفس والكرامة، لا أداة لإعادة تعريف الخير والشر على هواها. والسياسة ليست خارج دائرة التكليف، بل هي من أكثر مجالات التكليف خطورة، لأنها تتعلق بدماء الناس وأموالهم وأمنهم ومستقبلهم.
ولهذا فإن الإسلام حين يقر فقه الموازنات لا يطلقه بلا ضابط، وحين يعترف بالضرورات لا يجعلها بابًا مفتوحًا لكل شيء، وحين يجيز مناورات السياسة لا يسمح أن تتحول إلى دين جديد اسمه “المصلحة المطلقة”. فالوسائل في الإسلام ليست مباحة على إطلاقها لمجرد أن الغاية كبيرة، والدولة لا تملك حق اختراع أخلاق خاصة بها تبرر بها ما تشاء، والمصلحة نفسها ليست كلمة سحرية تُسقط المحاسبة. بل إن من أعظم ما يميز الرؤية الإسلامية هنا أنها تُبقي فوق الدولة ميزانًا أعلى منها، هو ميزان الشرع والعدل، وتُبقي فوق القرار السياسي رقابةً أخلاقية لا تزول لمجرد تعقد الواقع. وهذا هو الفارق الجوهري بين تصور يجعل السياسة مجالًا لتدبير المصالح تحت سقف الحق، وتصور آخر يجعل الحق نفسه تابعًا لما تراه الدولة مصلحةً في لحظة معينة.
ومع ذلك، فإن من الإنصاف أن نعترف بأن كيسنجر ومن يمثل هذا الاتجاه لم يأتوا من فراغ، ولم يصوغوا هذا المنهج عبثًا. فقد خرجت الواقعية الحديثة من عالم الحروب الكبرى، ومن مخاوف الانهيار الدولي، ومن قناعة متزايدة بأن الخطابات الأخلاقية المجردة قد تُحسن الكلام ولا تُحسن دائمًا تقدير النتائج. وهذه الملاحظة، من حيث الأصل، ليست باطلة؛ فكم من سياسة رفعت شعارات نبيلة وأنتجت خرابًا واسعًا لأنها لم تفهم الواقع، وكم من قيادة اندفعت باندفاع أخلاقي غير منضبط ثم دفعت شعوبها الثمن. لكن صحة هذا الاعتراض لا تبرر الانتقال إلى الطرف المقابل، حيث تُختزل الأخلاق إلى مجرد تابع للمصلحة، وحيث تصبح الدولة هي المرجع الأعلى الذي يُعاد تعريف القيم على أساسه.
إن الخلل إذن ليس في إدخال المصلحة في السياسة، فهذا أمر لا مفر منه، وليس في التحذير من السذاجة الأخلاقية، فهذا تحذير معتبر، وإنما الخلل في أن تتحول المصلحة إلى مرجع أعلى، وأن تصبح الدولة هي صاحبة الحق في تقرير ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي بحسب ما تحتاجه هي. وعند هذه النقطة لا يعود السؤال: هل نحترم القيم؟ بل يصبح: أي قيم نستدعيها الآن؟ وكيف نصوغها بما لا يربك قرارنا السياسي؟ وهذه هي البيئة الفكرية التي يمكن أن تزدهر فيها الازدواجية الدولية، والانحيازات الكبرى، والتبريرات الباردة للحروب، والصمت عن الظلم إذا كان صادرًا عن حليف، والضجيج الأخلاقي إذا كان صادرًا عن خصم.
ولذلك فإن قراءة مذكرات كيسنجر من هذه الزاوية تفيدنا في أمر بالغ الأهمية: أنها تكشف لنا كيف تعمل السياسة الحديثة حين تريد أن تجمع بين الفعالية والشرعية، وبين القوة والخطاب، وبين القرار القاسي واللغة المهذبة. إنها لا تقول دائمًا إن الأخلاق لا مكان لها، بل تقول في كثير من الأحيان إن الأخلاق الحقيقية هي ما يحفظ النظام، أو ما يمنع الفوضى، أو ما يصون الاستقرار، أو ما يحقق التوازن. وفي هذا القدر شيء من الصحة إذا انضبط، لكنه يتحول سريعًا إلى باب واسع للتلاعب إذا صار النظام بديلًا عن العدل، وصار الاستقرار مبررًا دائمًا لتأجيل الحقوق، وصار التوازن ستارًا لإبقاء المختل مختلًا ما دام يخدم الأقوياء.
ومن هنا فإن الأمة التي تريد أن تفهم العالم لا ينبغي أن تقع في أحد خطأين: خطأ السذاجة التي تتصور أن الدول الكبرى تتحرك دائمًا بدوافع أخلاقية معلنة، وخطأ الانبهار الذي يجعل من برودة الحساب فضيلة مكتملة بذاتها. بل الواجب أن نفهم أن السياسة المعاصرة كثيرًا ما تستخدم الأخلاق لغةً، والمصلحة مرجعًا، والقوة ضامنًا، ثم تعيد ترتيب هذه الثلاثة بحسب الموقع والقدرة والظرف. فإذا لم ننتبه لهذا النمط من التفكير، خدعتنا الشعارات، أو هزمنا الإحباط، أو انتهينا إلى تقليد ما ننتقده دون أن نشعر.
وهكذا نصل إلى أن السؤال المطروح في عنوان هذه الحلقة ليس مجرد مفارقة بلاغية، بل هو مفتاح مهم لفهم كيسنجر: فالدولة عنده ليست بالضرورة نقيض الأخلاق في الخطاب، لكنها في التطبيق تقف في موضع يتيح لها أن تعيد تشكيل الأخلاق بما يوافق بقاءها وتوازناتها ومصالحها. ومن هنا جاءت قوة هذا المنهج وخطورته معًا: قوته لأنه يمنح الدولة مرونة عالية في الحركة، وخطورته لأنه يضعف قدرة الإنسان على محاسبة الدولة بميزان أعلى من حساباتها الخاصة. وفي الحلقة القادمة سنقترب أكثر من الجانب العملي لهذا كله، حين ننظر إلى البيت الأبيض من الداخل: كيف كان القرار يُصنع؟ وكيف كانت السلطة تتحرك بين المؤسسات والأشخاص والقنوات الرسمية والمسارات السرية؟ لأن فهم آلية الصنع لا يقل أهمية عن فهم الفلسفة التي توجه الصانع.