مذكرات كيسنجر (1 من 24): لماذا نقرأ كيسنجر اليوم؟

بهدوء وتدبر
بقلم : محمد عثمان الشيخ النبوى

مذكرات كيسنجر (1 من 24): لماذا نقرأ كيسنجر اليوم؟

ليست مذكّرات هنري كيسنجر مجرد أوراق رجلٍ شغل موقعًا كبيرًا في الدولة الأمريكية، ولا هي مجرد سردٍ شخصيٍّ لتجربة سياسية مضت وانقضت، بل هي في حقيقتها نافذة واسعة على عقل القوة حين تفكر، وعلى الدولة الكبرى حين ترتّب مصالحها، وعلى السياسة الدولية حين تتخفف من الشعارات لتتكلم بلغة الموازين والضغوط والمكاسب والخسائر. ومن هنا فإن قراءة كيسنجر ليست ترفًا ثقافيًا، وليست انشغالًا بشخصية تاريخية بعينها، وإنما هي قراءة في بنية التفكير الذي حكم العالم الحديث في كثير من مراحله، ولا تزال آثاره ممتدة إلى اليوم.
ونحن حين نقرأ كيسنجر لا ينبغي أن نقرأه بعين المبهور الذي يرى في كل ما عند الغرب عبقريةً خالصة، ولا بعين الرافض الذي يكتفي بالشجب قبل الفهم، لأن كلا الموقفين يحجب عنا الحقيقة. فالإعجاب الأعمى يمنع من اكتشاف مواضع الظلم والتجرد القيمي في هذا النموذج، والرفض الانفعالي يمنع من فهم أدوات الخصم، ومن إدراك كيف تُدار المعارك الكبرى، وكيف تُصاغ التفاهمات، وكيف تُستثمر الأزمات، وكيف تُقاد الدول لا بالأماني، بل بالتصورات والخطط والبدائل.
وتنبع أهمية مذكّرات كيسنجر من أنها تكشف لنا شيئًا بالغ الخطورة: أن العالم لا يُدار غالبًا كما تتصوره الجماهير، ولا كما تصفه البيانات الرسمية، بل يُدار في كثير من الأحيان عبر حسابات مركبة، وقنوات خلفية، وضغوط متبادلة، ومساومات طويلة، وتقديمٍ وتأخير، وإخفاءٍ وإظهار، حتى إذا خرج القرار إلى العلن بدا للناس كأنه نتيجة طبيعية، مع أنه في الحقيقة خلاصة صراع طويل في الغرف المغلقة. وهذه الحقيقة وحدها كافية لأن تجعل قراءة هذه المذكرات ضرورة لكل من يريد أن يفهم السياسة الدولية فهمًا جادًا، لا فهمًا سطحيًا قائمًا على العناوين والشعارات.
ثم إن كيسنجر ليس شخصية عابرة في التاريخ الأمريكي؛ فهو من أكثر من مثّل ما يسمى بالواقعية السياسية، أي النظر إلى العالم من زاوية القوة والمصلحة وتوازنات الردع، لا من زاوية المثاليات الأخلاقية المجردة. وهذه الواقعية ليست كلها باطلًا، كما أنها ليست كلها حقًا؛ ففيها قدر من فقه الواقع، وإدراك طبيعة التزاحم بين الدول، وفهم أثر القوة في حماية المصالح، لكنها حين تنفصل عن ميزان العدل تتحول إلى أداة تبرر القسوة، وتغطي الانحياز، وتسوغ سحق الضعفاء باسم الاستقرار، بل تجعل الإنسان نفسه مجرد رقم في معادلة أوسع. وهنا بالذات تظهر أهمية القراءة التحليلية الناقدة، لا القراءة التلخيصية الباردة.
ومن جهة أخرى، فإن الأمة التي تريد أن تستعيد حضورها في العالم لا يكفيها أن تملك الحق في ذاتها، بل لا بد أن تفهم أيضًا كيف يفكر الآخرون، وكيف يبنون سياساتهم، وكيف يستخدمون أوراقهم، وكيف يفرّقون بين ما يُقال وما يُراد، وبين ما يُعلن وما يُدبَّر. فالجهل بطريقة تفكير القوى الكبرى ليس ورعًا، بل هو في أحيان كثيرة باب من أبواب العجز. وقد علّمنا القرآن أن معرفة سنن التدافع، وفهم طبائع البشر، والتمييز بين ظاهر الأقوال وباطن المقاصد، كل ذلك من صميم البصيرة، لا من فضول المعرفة.
ومن هنا فإن قراءتنا لكيسنجر ينبغي أن تكون قراءة مزدوجة: قراءة لفهم منطقه من الداخل، وقراءة لمحاكمته من الخارج. نفهم كيف يفكر، ثم نسأل: ما الذي أصاب فيه؟ وما الذي أخطأ فيه؟ وما الذي يكشفه منطقه عن الحضارة التي ينتمي إليها؟ وما الذي تغفله هذه الرؤية حين تجعل المصلحة القومية هي المركز الذي تدور حوله كل القيم؟ ثم بعد ذلك كله نعرض هذا التصور على ميزان الرؤية الإسلامية، لا بوصفها خطابًا وعظيًا منفصلًا عن الواقع، بل بوصفها رؤية أعمق للإنسان، وللسلطة، وللعمران، وللعدل، ولحدود المصلحة المشروعة.
فالإسلام لا ينكر المصلحة، ولا يرفض الإعداد، ولا يدعو إلى السذاجة في التعامل مع الأعداء والخصوم، ولا يبني السياسة على الأمنيات المجردة، ولكنه في الوقت نفسه لا يقبل أن تتحول القوة إلى إله، ولا أن تصبح الغاية مبررًا مطلقًا للوسيلة، ولا أن يُختزل البشر إلى أدوات، ولا أن يُجعل الظلم ضرورة تاريخية لا مفر منها. والسياسة في الرؤية الإسلامية ليست نقيض الأخلاق، بل هي مجال من مجالات تنزيل الأخلاق على الواقع المعقد دون تفريط في الحكمة ولا في المبدأ.
ولهذا كله فإن قراءة مذكّرات كيسنجر اليوم تفيدنا في أكثر من باب. فهي تفيدنا في فهم الغرب من داخل نصوص أحد أبرز منظريه السياسيين، وتفيدنا في فهم طبيعة النظام الدولي الحديث، وتفيدنا في إدراك الفارق بين الذكاء السياسي والعدل السياسي، وبين إدارة المصالح وعبادة المصالح، وتفيدنا كذلك في مراجعة كثير من أوهامنا نحن، حين نظن أن العالم يتحرك بالعواطف، أو أن الحقوق تُعطى لمجرد أنها حقوق، أو أن الأمم تُحترم من غير قوةٍ تسند حضورها، أو وعيٍ يحسن قراءة الواقع.
إننا نقرأ كيسنجر اليوم لا لأننا نبحث عن معلم نهتدي به، ولا لأننا نمنحه مقام المرجعية، وإنما لأننا نريد أن نفهم كيف تُرى الأمم الضعيفة من أعين الأقوياء، وكيف تُبنى خرائط العالم في ذهن السياسي البارد، وكيف تتحول القضايا العادلة أحيانًا إلى مجرد ملفات تفاوض، ثم كيف ينبغي لنا بعد ذلك أن نبني وعينا نحن، لا على الانفعال، بل على البصيرة، ولا على التقليد، بل على الفهم والنقد والاستقلال.
وهذه هي نقطة البداية في هذه السلسلة: أن نقرأ كيسنجر لا لنكرر منطقه، بل لنكشفه؛ ولا لنذوب فيه، بل لنفهمه ونزنه؛ ولا لنكتفي بإدانته، بل لنستخرج من قراءته درسًا أكبر: أن العالم لا يرحم الغافلين، وأن الأمة التي لا تفهم لغة القوة ومكر السياسة وتحوّلات المصالح، تبقى موضوعًا في مذكرات الآخرين، بدل أن تكون صانعةً لمذكّراتها هي.
في الحلقة القادمة ننتقل إلى الأساس الذي يحكم هذه المذكرات كلها تقريبًا: العقل الواقعي عند كيسنجر، وكيف يرى العالم، وكيف يقيس الدول، وكيف يزن الأخلاق والمصالح، وأين يلتقي ذلك مع بعض معاني الحكمة السياسية، وأين يفترق جذريًا عن ميزان الإسلام في النظر إلى الإنسان والتاريخ والسلطة.