ضفاف/ نصر الدين بخيت العقابي: لأنهم لم يقطعوا الإشارة… لم ينقطع الأمل
ضفاف
نصر الدين بخيت العقابي
لأنهم لم يقطعوا الإشارة… لم ينقطع الأمل
في زمنٍ كانت فيه البلاد تُختبر على حافة الانقطاع — انقطاع الطرق، وانقطاع الطمأنينة — اختارت “سوداني” ألا تنقطع. لم يكن ذلك مجرد تفوق تقني، بل كان موقفاً أخلاقياً مكتمل الأركان؛ أن تبقى الشبكة حيّة، يعني أن تبقى الروح موصولة، وأن يظل السوداني — في أقصى لحظات ضعفه — قادراً على أن يقول: “أنا هنا”.
ما إن اشتدت العزلة، حتى فتحت الشركة نوافذها للناس؛ اتصال مجاني، وإنترنت يعبر المسافات التي أغلقتها الحرب، وكأنها كانت تقول بصوتٍ خافت لكنه واضح: لن نترككم وحدكم. لم تكن تلك قرارات تسويقية، بل كانت انحيازاً للإنسان في لحظةٍ كان فيها الإنسان نفسه مهدداً بالغياب.
ثمّة شركات تنهار حين تُختبر، وأخرى تختبئ خلف الأعذار، لكن القليل فقط من يصمد ويُعيد تشكيل نفسه وسط العاصفة. “سوداني” كانت من هذا القليل؛ لم تكتفِ بالبقاء، بل وسّعت أثرها، ومدّت يدها للمجتمعات الأكثر هشاشة، للنازحين، وللمناطق التي ظلت على هامش التنمية. هناك، حيث يشتد الاحتياج، كانت تحاول أن تصنع فرقاً — ولو صغيراً — لكنه حقيقي.
لكن المشهد الأكثر دلالة، وربما الأكثر كثافة في رمزيته، كان ذلك الاجتماع الذي عُقد في الخرطوم المنشية، يوم الإثنين 13 أبريل 2026. ما إن انعقد الاجتماع، حتى بدا وكأن الخرطوم نفسها تستعيد شيئاً من صوتها. لم يكن لقاءً إدارياً عادياً، بل كان إعلاناً هادئاً بأن المدينة التي حاولت الحرب أن تُسكتها… لا تزال قادرة على الكلام.
في ذلك المكان، لم تكن الطاولة مجرد خشب، ولا الكراسي مجرد مقاعد؛ كانت مساحة يُعاد فيها تعريف الممكن. أن تجتمع إدارة تنفيذية في قلب مدينة أنهكتها الحرب، يعني أن هناك من قرر أن يراهن على الحياة، لا على الانتظار. يعني أن “العودة” لم تعد فكرة تُتداول، بل خطوة تُخطى.
هذا الاجتماع لم يناقش فقط تطوير البنية التحتية الرقمية، بل لامس — في عمقه — فكرة إعادة بناء الدولة نفسها. فالاتصالات ليست قطاعاً عادياً؛ هي العمود الفقري لكل ما يحدث: للاقتصاد، للإدارة، للناس في تفاصيل حياتهم اليومية. وحين تستعيد هذا القطاع عافيته، فإن بقية الجسد يبدأ بالتعافي معه.
ومن زاوية أخرى، كان في هذا اللقاء قدرٌ كبير من الشجاعة الصامتة. فأن تعود إلى موقعك في لحظة لم تكتمل فيها ملامح الاستقرار، هو قرار يتجاوز الحسابات التقليدية، ويدخل في منطقة الإيمان بالمستقبل. إيمان بأن الخرطوم ليست مدينة منتهية، بل مدينة مؤجلة… تنتظر من يعيد فتح أبوابها.
ورغم كل هذه التحديات، لم تتوقف الشركة عند حدود الصمود، بل مضت نحو التطوير، وحققت أرباحاً لافتة، ووسّعت من خدماتها، حتى أصبحت رقماً مهماً في معادلة الاتصالات على مستوى أفريقيا. وهذا ليس تفصيلاً عابراً؛ فالنمو في بيئة مستقرة إنجاز، أما النمو في قلب الأزمات… فهو شهادة على قوة الداخل قبل الخارج.
ولعل أكثر ما يمنح هذه التجربة بُعدها الحقيقي، تلك الروح الشابة التي تقودها. إدارة مؤهلة، طموحة، لا ترى في الواقع سقفاً نهائياً، بل نقطة انطلاق. جيلٌ يدرك أن السودان لا يُبنى بالحنين وحده، بل بالفعل، بالمخاطرة، وبالقدرة على اتخاذ القرار في الوقت الصعب.
لكن، وبقدر ما في الصورة من إشراق، فإن الطريق لا يزال طويلاً. فالتحدي الحقيقي يبدأ الآن: كيف تتحول هذه اللحظة إلى مسار؟ كيف يُترجم هذا الحضور إلى أثرٍ مستدام في حياة الناس؟ وكيف تُبنى مرحلة لا تكتفي بتجاوز الحرب، بل تتجاوز ما قبلها أيضاً؟
في النهاية، ليست كل الشركات التي تنجح تُلهم، لكن تلك التي تنجح وفي داخلها حسٌ إنساني… تترك أثراً أبقى من الأرقام.
“سوداني” لم تحافظ فقط على الإشارة… بل حافظت على خيطٍ خفيٍ كان يربط الناس بالحياة.
وفي بلادٍ أنهكها الانقطاع، لا يكون الأمل خطاباً كبيراً…
بل يكون أحياناً إشارة ضعيفة… لكنها لا تختفي.