خطاب الكراهية في السوشيال ميديا: قراءة نفسية في صناعة الانفعال وتوجيه الوعي.
……خطاب الكراهية في السوشيال ميديا: قراءة نفسية في صناعة الانفعال وتوجيه الوعي……..
بقلم : د. ابوعبيدة محمد عثمان
في واقع السودان اليوم، لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت ساحة مفتوحة تتقاطع فيها الأخبار مع المشاعر، والحقائق مع الشائعات، والوعي مع الانجراف. وفي خضم هذا الزخم، لم يعد الخطر في الخبر ذاته فقط، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها، والهدف الذي يُراد منه.
أي حدث—مهما كان بسيطًا – كاقرارات ولائية او اتحادية او المبالغة في تضخيم الاحداث اليومية، يمكن أن يتحول في لحظات إلى موجة من التفاعل. صورة تُنشر بلا سياق، خبر ناقص، أو رأي حاد… كلها تتحول إلى مادة قابلة للاشتعال. وهنا يظهر دور ما يُعرف بخطاب الكراهية؛ ذلك الخطاب الذي لا يكتفي بنقل المعلومة، بل يشحنها بالغضب، ويُلبسها ثوب العداء، ويُوجّهها ضد فئة أو جهة، حتى يصبح الاختلاف خصومة، والنقاش صراعًا.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذا المشهد لا يتشكل عشوائيًا دائمًا؛ بل هناك غرف إعلامية تُدير هذا النوع من المحتوى، وتعمل على صياغته وتوجيهه بشكل منظم، بحيث يخدم أهدافًا معينة. وفي هذا السياق، نلاحظ كثرت استخدامها لرفع الروح المعنوية و مساندة الجنجويد ضد القوات المسلحة في معركة الكرامة، من خلال التأثير على الرأي العام، وإضعاف الثقة، وخلق حالة من البلبلة داخل المجتمع.
من الناحية النفسية، هذا النوع من الخطاب يستهدف أعمق ما في الإنسان: انفعالاته. حين يشعر الفرد بالخوف أو الغضب، تقل قدرته على التفكير النقدي، ويصبح أكثر قابلية لتصديق ما ينسجم مع مشاعره. وهنا تُستغل اللحظة، فتُعاد صياغة الرسائل لتؤكد له ما يخشاه، وتُضخَّم له ما يغضبه، فيدخل في دائرة من التفاعل السريع دون تمحيص.
السوشيال ميديا بطبيعتها تُكافئ المحتوى المثير، لا الهادئ. فالكلمات الحادة تنتشر أسرع من التحليل الرصين، والانفعال يسبق العقل. ومع التكرار، يتحول الصوت العالي إلى “حقيقة” في نظر البعض، ويبدأ الشك في التسلل، ليس فقط إلى الأخبار، بل إلى العلاقات نفسها: بين الأفراد، وبين المجتمع ومؤسساته.
خطاب الكراهية هنا لا يعمل فقط على نشر الغضب، بل على تفكيك النسيج الاجتماعي. فهو يُقسّم، ويُصنّف، ويزرع شعور “نحن” و“هم”، حتى تضيق مساحة التفاهم، وتتسع فجوة التوتر. ومع الوقت، قد يجد الإنسان نفسه جزءًا من هذا الخطاب دون أن يقصد، فقط لأنه أعاد نشر كلمة، أو شارك منشورًا لم يتحقق منه.
لكن في مقابل هذا كله، يظل الوعي هو خط الدفاع الأول.
الوعي بأن ليس كل ما يُنشر حقيقة.
وأن ليس كل ما يثير مشاعرك يستحق أن تتبناه.
وأن الصمت أحيانًا أقوى من ألف تعليق.
التعامل مع السوشيال ميديا اليوم يحتاج إلى توازن:
أن نقرأ، لكن بوعي.
أن نتفاعل، لكن بمسؤولية.
أن نختلف، لكن دون أن ننجر إلى الكراهية.
في النهاية، ما يُبنى بالكلمة يمكن أن يُهدم بها.
فإما أن تكون الكلمة جسرًا يقرّب، أو شرارة تُفرّق.
والاختيار—في زمن السوشيال ميديا—لم يعد بسيطًا، لكنه يبدأ دائمًا من الداخل: من وعيٍ يسبق الانفعال، وعقلٍ لا يسمح بأن تُدار مشاعره من الخارج.
*الدكتور أبو عبيدة محمد عثمان
ا*ختصاصى علم النفس